الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مونتجمري حور يكتب : التعامل مع الأزمة الروسية الأوكرانية يكشف تغيراً في سياسة إسرائيل

د. مونتجمري حور يكتب : التعامل مع الأزمة الروسية الأوكرانية يكشف تغيراً في سياسة إسرائيل

مونتجمري حور

التعامل مع الأزمة الروسية الأوكرانية يكشف تغيراً في سياسة إسرائيل

كتب: د. مونتجمري حور

بين الفينة والأخرى يخرج المسؤولون الإسرائيليون بتصريحات يعتبرها البعض مستفزة، لكنها تدنو أكثر من الحقيقة، إذ ما فتئوا يقولون إن إسرائيل فتحت أفقاً غير مسبوق في حجم علاقاتها الخارجية ويبدو أن هذا صحيحاً. يكاد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو أمام الكنيست الإسرائيلي لا يغادر مخيلتي وهو يدافع عن حقبة حكمه ومن أبرز النقاط التي تباهى وتفاخر بها هي كم العلاقات الدولية الوطيدة التي نجحت الدبلوماسية الإسرائيلية في إرسائها في عهده واستعرض عدداً كبيراً من هذه الدول، ويتضح لنا تدريجياً صحة هذا الادعاء ويبدو فعلاً أن الدبلوماسية الإسرائيلية لم تترك موطئ قدم مؤثر إلا ووضعت أقدامها فيه. يأتي هذا المقال كجزء من سلسلة مقالات قادمة تلقي الضوء على تحول إسرائيل إلى قوة اقتصادية لن يستهان بها إقليمياً ودولياً. يخصص هذا المقال لاستكشاف العلاقة الاقتصادية والتجارية مع أوكرانيا والأسباب الكامنة وراء اتخاذ تل أبيب موقفاً حيادياً تجاه الأزمة الروسية-الأوكرانية.

تسلط الأزمة الروسية الأوكرانية الضوء على جانب مهم من نجاح حققته الدبلوماسية الإسرائيلية للجمع بين المتناقضات المختلفة وهذه ليست الحالة الأولى؛ فقد حافظت إسرائيل على علاقات وثيقة مع معظم دول حلف الناتو رغم أنها ليست عضواً فيه، بالإضافة إلى ذلك، نجحت على إبقاء علاقات وطيدة مع جميع الأطراف المختلفة في الخلاف الدائر بين الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وأجمع قادتها الحاليين والسابقين، ومن بينهم ايهود أولمرت، على شعار إسرائيلي موحد بأن “الولايات المتحدة الأمريكية هي حليف لنا والصين ليست عدونا”، وجميعنا سمع أو قرأ عن استثمارات صينية في البنية التحتية الإسرائيلية وعن حجم التعاون مع روسيا والهند وكوريا الجنوبية وغيرها من البلدان ناهيك عن قطار التطبيع الذي انطلق.
فيما يتعلق بالأزمة الروسية-الأوكرانية، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيرات متكررة لجميع الأطراف من تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها روسيا حيث تنظر روسيا إلى انضمام أوكرانيا-إلى جانب جورجيا- لحلف الناتو أنه تجاوزٌ للخطوط الحمراء ويعتبر هذا المنع أحد ثوابت السياسة الروسية، وبحسب عدة مصادر تعتبر روسيا الناتو “تهديداً وجودياً” نتيجة لتوسعه نحو حدود روسيا، وتشير الرواية الروسية بأن هناك حديث عن “تعهد” قدمه الغرب للاتحاد السوفييتي بعدم توسيع الناتو شرقاً بعد سقوط جدار برلين.

لماذا تقف إسرائيل موقفاً حيادياً بين روسيا وأوكرانيا؟
للإجابة على هذا السؤال، علينا أن نستعرض العلاقات الدبلوماسية التي دشنتها تل أبيب طيلة الفترة السابقة مع كل طرف على حدا. بالنسبة إلى روسيا، تنظر إسرائيل للعلاقات الإسرائيلية-الروسية بأهمية بالغة لعدة أسباب منها:

–    تتبنى الدبلوماسية الإسرائيلية منذ فترة طويلة سياسة الجمع بين المتناقضات وآثرت تل أبيب أن تنأى بنفسها عن كل التجاذبات والخلافات السياسية والعسكرية والطرف غير الحليف لها، ليس بالضرورة أن يصبح عدواً. في سياق متصل، تربط إسرائيل وروسيا اليوم مشاريع تجارية تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار في السنة الواحدة وهذا ما لن تغامر به إسرائيل، ناهيك عن مليون إسرائيلي يتحدثون اللغة الروسية ينظر لهم على أنهم جسر ثقافي مهم يربط بين إسرائيل وروسيا ثقافياً.

–    يمكن للتواجد الروسي في سوريا أن يحد من النشاط العسكري التي تقوم به إسرائيل في سوريا تحت ذريعة منع تشكل قوة عسكرية مناوئة لها على الأراضي السورية على غرار حزب الله اللبناني. تجدر الإشارة هنا إلى وجود تنسيق لآلية العمل العسكري الإسرائيلي في سوريا بين روسيا والإسرائيليين في هذا الصدد وهذا ما كشفت عنه الصحافة الإسرائيلية في عدة مواطن ومناسبات وعلقت عليه بأن إسرائيل تنظر له على أنه ضرورة استراتيجية، كما تخشى إسرائيل من انعكاسات الأزمة الروسية الأوكرانية على موقف روسيا من برنامج ايران النووي.

بالنسبة إلى أوكرانيا، تربط إسرائيل علاقات قوية مع أوكرانيا والجدير ملاحظته أن السنوات القليلة الماضية شهدت تعاوناً اقتصادياً وتجارياً قوياً بين البلدين وأصبحت أوكرانيا محط أنظار المستثمرين الإسرائيليين لدرجة بات ينظر إلى أوكرانيا أنها وكيل إسرائيل في قطاع التكنولوجيا وبحسب روسيا اليوم ينظر الجانبان للوصول إلى مرحلة التجارة الحرة بينهما. على أية حال، تعمل عدداً من الشركات الإسرائيلية حالياً في أوكرانيا في قطاع التكنولوجيا، وبحسب صحيفة جيروزاليم بوست تتراوح أعداد الموظفين العاملين في تلك الشركات حالياً بين ال 15.000 و 17.000 موظف وهذا ما يجعل أوكرانيا من بين إحدى الدول التي تسهم في نمو الاقتصاد الإسرائيلي. من ناحية أخرى، بات لا يستهان بالجالية اليهودية في أوكرانيا، وتعي إسرائيل تماماً أن أوكرانيا شأنها شأن معظم الدول التي ترى في أن موقف إسرائيل سيأتي متوافقا تماماً مع موقف الولايات المتحدة الأمريكية كونها حليف استراتيجي لها، ولا شك أنها تخشى على مصالحها في أوكرانيا وتعي أنه اذا أقدمت روسيا على اجتياح أوكرانيا، ستكون إسرائيل الوجهة الأولى للاجئين الأوكرانيين، تحديداً الجالية اليهودية منهم، وسيقع عليها مسئولية استقبالهم وتأمين معيشتهم. بناء على ما سبق، تدفع الدبلوماسية الإسرائيلية منذ عام 2014 وحتى هذه المرحلة باتجاه التهدئة ومنع نشوب الحرب وستنتهز أي فرصة وساطة للقيام بها.

يبدو أن إسرائيل اليوم هي ليست إسرائيل الأمس ويتضح جلياً أنها عطلت بقرار لا رجعة فيه أساليب دبلوماسيتها التقليدية منذ عقود، وتبنت نموذجاً دبلوماسياً جديداً يقوم على فن “دبلوماسية الفرص” التي ينطوي تحتها أساليب عدة منها توظيف التكنولوجيا لتحقيق الفائدة القصوى واستخدام الأساليب الناعمة، وهذا تحول جذري في السياسة الإسرائيلية التي بدأت تفضل فعلياً تطبيق سياسة انتهاز الفرص بالوسائل الناعمة على سياسة إلحاق الهزيمة بالآخر والوسائل الخشنة.

يتضح جلياً أن إسرائيل تتحول تدريجياً ولكن بطريقة متسارعة إلى قوة اقتصادية مؤثرة إقليمياً ودولياً.

Montgomeryhowwar@

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عمر حلمي الغول

عمر حلمي الغول يكتب : مؤتمر مكافحة الفساد الرابع

مؤتمر مكافحة الفساد الرابع عمر حلمي الغول ظاهرة الفساد من الظواهر الخطيرة التي تهدد تطور …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *