جي سوفت

Welcome to
( اضاءة ) الرئيس محمود عباس
https://pbs.twimg.com/media/Ed9bmlIXsAEiHj4?format=jpg&name=900x900



ملفات خاصة


اللواء ركن / عرابي كلوب ( مشاعل على الطريق )



اشراقة الصباح



https://images.alwatanvoice.com/writers/large/9999469051.jpg


حتي نلتقي ( يكتيها رئيس التحرير )
Serri Alqudwa


القائمة الرئيسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



من يتصفح الأن
يوجد حاليا, 1288 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


اشراقة الصباح

العودة والتحرير
[ العودة والتحرير ]

·عاطف ابو بكر/ابو فرح : قصيدتان:لبطليْنِ  من بلادنا
·الذكرى الثامنه لرحيل الشهيد البطل نبيل عارف حنني (ابو غضب)..
·سقطت الذرائع ألأسرائيلية بشأن حقوق المياه الفلسطينية
·دورة الوفاء لحركة فتح دورة الشهيد القائد أمين الهندي
·سفارة فلسطين في رومانيا ووزارة الثقافة الرومانية تكرمان الشاعر والمفكر الفلسطيني
·الاتحاد العام لطلبة فلسطين بتونس يقيم احتفالا جماهيريا بيوم التضامن العالمي مع ا


الهروب من سجن الرملة رواية حقيقية
https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/38/%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9_%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85_%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%B3.jpg


مقالات رئيس التحرير
http://www.alsbah.net/archive/file/palestin.jpg

حتى نلتقي

1995 - 2005

ذاكرة وطن

سري القدوة




علي الدرب ماضون






مشاغبات : يوميا عبر الصباح
http://hosh.ps/wp-content/uploads/2015/02/ar-logo5.png







البحث في جميع المواضيع


  
مقالات مميزة: أحمد ابراهيم الحاج : آية بريئة يا ناس
بتاريخ الأربعاء 18 مايو 2011 الموضوع: قضايا وآراء

آية بريئة يا ناس
بقلم أحمد ابراهيم الحاج   

هذه القصة نشرت في 20/11/2008م  بعنوان عزيزة بريئة يا ناس، وأعيد نشرها اليوم بعنوان آية بريئة يا ناس تأكيداً لبراءة آية المغدورة (بنت صوريف) تغمدها الله برحمته،


آية بريئة يا ناس
بقلم أحمد ابراهيم الحاج   


هذه القصة نشرت في 20/11/2008م  بعنوان عزيزة بريئة يا ناس، وأعيد نشرها اليوم بعنوان آية بريئة يا ناس تأكيداً لبراءة آية المغدورة (بنت صوريف) تغمدها الله برحمته، وأذاق قاتليها العذاب الذي ذاقته في طريقة قتلها بقلوب غلف وقاسية كقساوة الحجر، بل أشد قسوة. ومن المؤسف أن تكون أحداث هذه القصة الحقيقية  قد حدثت في أواسط القرن الماضي وتتكرر اليوم بعد كل هذا التطور في العلم والثقافة ووسائل الحضارة، ومع فتاة جامعية شهد لها الجميع بالأخلاق والأدب.


اندفع خضر الهبيلة (كما يسمونه) في شوارع القرية وهو يبكي ويصرخ بأعلى صوته ، سَمّوا عزيزة ، قتلوها بالسُّم ، عزيزة بريئة ومظلومة ، عزيزة شريفة ، عزيزة أحسن منهم ، مين يطعميني ويسقيني بعدك يا عزيزة ، مين يغطيني ويدفيني ، يا خسارتك يا خضر ، وكان خضر الهبيلة يجوب شوارع القرية مسرعاً ، وقد حاولوا الإمساك به لكي لا يقترب أو يمر من أمام مخفر الشرطة بالشارع العام ، ولكن خضر وعلى غير عادته انطلقت رجلاهُ مسرعتان على الأرض بخطوات سريعة وواسعة تلتهم الأزقة والطرقات ، وكان صوته يجهرعالياً وكلامه يخرج من فيه واضحاً وسريعاً ومفهوماً للسامعين وكان لا يتلعثم كعادته ، وينطق الأحرف نطقاً سليماً لأول مرة ، وطلبوا من الفتية المتجمعين في ساحة البلدة أن يمسكوا به وهو هارب أمامهم ، ولكن الفتية ما استطاعوا الى ذلك سبيلاً ، فقد كان مندفعاً بقوة غير عادية، ويركض بسرعة هائماً على وجهه ولا يعلم لأي أو بأي اتجاه يركض، وكأنه يشعر باليتم والقطيعة والضياع لأول مرة في حياته ، وشعر أهل القرية بأن خضر الهبيلة ليس هو خضر المعهود والذي اعتادوا عليه فأثار استغرابهم ، وكأن الصدمة أفاقت فيه ما كان نائماً وكامناً في جسده وسبب له الإعاقة التي عوَّده أهله عليها بإهمالهم لحالته واستسلامهم لهذا الوضع ، لعله أدرك أنه بفقدان عزيزة فقد انكشف عنه الغطاء والستر ، وصار يتيماً بحق ، وكان لا بد له من إفاقة الوعي الكامن فيه والذي شُلَّ عن الحركة في بيات شتوي بسوط الركون الى الكسل والخمول وبالإستسلام لواقعٍ مريح من المسئولية رسخه فيه المجتمع منذ الصغر حيث لحق اهل القرية بأهله ينادونه بخضر الهبيلة والمجنون فرسخوا فيه الوهم وحولوه الى واقع كبَّله عن الوعي واستوطن في حواسه ، ولازمه من صغره ، واعتاد عليه وأصبح قريناً له لا ينفك منه إلاّ بصدمة قوية ، فكان يتحدث بصعوبة ، ولا يستطيع نطق الأحرف نطقاً سليماً ، فينطق القاف تاء ، والشين سين وهكذا. فجاء موت عزيزة ليوقظ فيه المارد المكبّل ، تماماً كما يعالج المريض النفسي بالصدمات الكهربائية لتبعث في الخلايا القدرة على أداء وظائفها.
وقع المحظور ، وسمع شرطة المخفر ما كان ينطق به خضر الهبيلة وهم الذين ما كانوا أحياناً كثيرة يستدرجونه لسماع أخبار القرية ، وللتسلية أحياناً أخرى ، سيما وأن أحد الشرطة العزاب كان يحب عزيزة ووسَّط قائد المخفر لطلب يدها ولكنها رفضت لظروفها العائلية الخاصة ، وتفاجئوا من صوت خضر الهبيلة وكلامه الواضح والصريح الذي لا لبس فيه ، خرج قائد المخفر وأمر الشرطي بإدخاله لأخذ إفادته ، وكان أخوه القاتل يركض خلفه للإمساك به ومنعه من الوصول الى مخفر الشرطة ، إنه اخاه الأكبر سالم. أخذ قائد المخفر إفادة خضر ، وتفاجأ قائد المخفر من حقيقة أن الجالس أمامه شخص عاقل ينطق بفصاحة وكلام واضح ، ويسرد الأحداث بدون تلعثم ،
قائد المخفر : قل لي يا خضر ماذا رأيت
خضر : لم أرَ شئئاً يا سيدي ، ولكنني سمعت
قائد المخفر : ماذا سمعت يا خضر
خضر : سمعت أعمامي وهم يجتمعون بأخي سالم ويطلبون منه قتل عزيزة بالسم ، وإجبارها على تجرعه بتهديدها بالقتل بالموس إن لم تفعل ذلك ،أو إلقائها بالبئر بعيداً عن الأنظار ، وقالوا له إحبسها خمسة أيام دون طعام أو شراب حتى تخور قواها فتسقيها السم بسهولة ، لقد اطمأنوا الى أنني أهبل ومعاق عقلياً ، لا أفهم ماذا يقولون وعلى ماذا بخططون وماذا ينوون لعزيزة. فقال أحد أعمامي وكان أطيبهم : يا جماعة خلينا نخليّ الداية تفحصها ، يمكن البنت بريئة ومظلومة ، فرد عمّي الأكبر : لا يجب غسل العار الذي لحق بنا ، فهذه ليست أول مرة تتهم فيها ، وما زال الناس يهمزون ويلمزون على قصة ابن المختار ، وبعضهم يقول : لقد لمَّ المختار الموضوع لأنه يتعلق بإبنه ولا يريد الفضيحة له . والبنت راسها عنيد ما بترد علينا ، واحنا ما عندنا بنات تمشي بشور راسها وعلى هواها وحل شعرها . لازم نتخلص منها ، لأنها فضحتنا في البلد وفي القضاء وفي المدينة.
وفي هذه اللحظة اندفع سالم الى غرفة القائد متظاهراً بأنه يبحث عن أخيه الضائع والهارب منه ومقاطعاً للتحقيق قائلاً بصوت لاهثٍ متقطع: أريد أخي ، إنه هاربٌ يا سيدي وأخاف أن يؤذي الناس وأريد أن أعيده للبيت لأحشره عن ايذاء الناس وأمنعه من السؤال ، ونخشى على الناس منه ، فكما تعلم ويعلم أهل القرية إنه أهبل ومجنون ويضرب المارة في الطريق أحياناً بدون وعي وسبب.
قائد المخفر : إنه بعهدتنا يا سالم ، إرجع الى البيت فنحن نريده قليلاً لوحده ، وسنعيده اليكم ، لا تقلق فلن يفلت منا. وذهب سالم فوراً الى أعمامه للم الموضوع.
قائد المخفر : هل تريد أن تشرب شيئاً يا خضر
خضر : نعم أريد سيجارة وفنجان قهوة فقد جربتها مرة في المدينة ، وهدأت أعصابي. وكان له ما أراد ، واستطرد قائد المخفر يكمل أخذ الإفادة من خضر.
قائد المخفر : وكيف علمت أن عزيزة ماتت.
خضر: سمعت عزيزة قبل الظهر تصرخ وتقول لسالم الذي دخل الى الغرفة التي سُجنت بها ، أنا مظلومة وبريئة يا خوي ، والله بريئة ، يا خوي جيبوا دكتور والا جيبوا الداية وافحصوني ، حرام عليك تصير قاتل وتتحمل جريمة ، والله كل الكلام اليّ سمعتوه ما في منّه ، كله كذب وتلفيق. وكان سالم يدخل لغرفتها التي سجنت بها منذ أن أحضرنا أنا وهي من المدينة لفترات يضربها بالعصا والقشاط والحبل وكنت أسمع صوت الضرب مختلطاً بتأوهات الألم من عزيزة ، ثم يغادرها ويذهب لبيت عمي ويعود ويدخل مرة أخرى ، وكان يبدو عليه الحيرة والقلق.
قائد المخفر : وماذا كان يقول لها سالم
خضر : أهل البلد اليّ بشتغلوا في المدينة كلهم قالوا وشهدوا إنك كنت تطلعي مع الشوفيرية ، كل يوم مع شفير يا حقيرة ويا واطية ويا منحطة ، كل شباب البلد بتغامزوا علي وبمعنوا عن دشارتك.
قائد المخفر : وماذا كان رد عزيزة.
خضر : لم أسمعه بوضوح ، فقد كان سالم يجبرها على فتح فمها ليسقيها السم وكانت تقاومه ، وكان يضربها ضرباً عنيفاً بالعصاة على كل جسمها ، ويشهر الموس مهدداً بذبحها إن لم تشرب السم.
قائد المخفر : أكمل ماذا بعد يا خضر.
خضر : بعد آذان العصر خرج سالم من الغرفة التي سجنها فيها بعد محاولاته المتعددة قتلها بالسم حيث تم حبسها لمدة اسبوع دون طعام أو شراب ، وكان صوتها يخفت يوماً بعد يوم ، وقد حاولت إنقاذها ولكن الباب كان مقفلاً ومفتاحه مع سالم لا يتركه ، وكانت تستنجد بي ولكن لم يكن لدي القوة والحيلة لإنقاذها ، خرج سالم يخبرنا أنا وشقيقي الأصغر سلامة وشقيقتي الصغرى خضرة ونحن جالسين في الحوش ننتظر شيئاً خطيراً سيحل بنا ولا ندري ما هي القصة ، فأخبرنا بأنه وجد عزيزة ميتة وهو لا يعلم أنني كنت أراقبه لحظة بلحظة ، فكان أخي الأصغر واختي الصغرى لا يفقهون ما يجري لصغر سنهم ، وكان عمي الأصغر يأتي للبيت ويدخل عند سالم وعزيزة ويخرج وكأنه ينتظر من سالم تنفيذ مهمة خاصة وإخباره بنجاحها ولا يريد منه الفشل في ذلك. فجاء أعمامي الى البيت ، واختلوا بسالم يهنؤونه على نجاح المهمة ، وسمعت عمي الأكبر يقول له : لقد غسلت العار ، أنت حر وبطل يا سالم ، بارك الله فيك. والآن سندفنها ليلاً في المقبرة لا من شاف ولا من دري.
وفي هذه اللحظة حضر مختار القرية ومعه أعمام سالم الى المخفر للملمة الموضوع والحيلولة دون انتشاره ، حيث أخبرهم سالم بأن قائد المخفر كان يستنطق خضر ، وطلبوا الإجتماع بقائد المخفر. وكانت كلمة المختار مسموعة عند قائد المخفر ، وبينهما مصالح مشتركة وعزائم وولائم.
طلب قائد المخفر من الشرطي ايصال خضر الى بيت أهله وتسليمه لإخيه سالم باليد فهو لم يكن مقتنعاً بعد بصحوته من غيبوبة الإعاقة التي فاجأته وأثارت دهشته ، ولم يكن يصدق هذا التحول المفاجيء لخضر. ورحب بالضيوف القادمين لبحث الموضوع معه.
المختار موجهاً حديثه لقائد المخفر : ايوه يا ابو ساري ، شو سمعت من هالهبيلة ، والله ما توقعت انك تضيِّع وقتك وتسمع لكلامه يا رجل ، بدهم يصيروا الهبل عقال في هالزمان ، ما في مختار في البلد توخذ منه الصافي والمفيد يا ابو ساري؟ بعدنا ما متنا يا طويل العمر.
أبو ساري : لهْ يا ابو نايف ، انت على الراس والعين ، والعين ما بتعلى على الحاجب. وقدرك وقيمتك محفوظين ، بس والله يا ابو نايف أنا تفاجأت بخضر هالهبيلة ، وكأني بحكي مع حكيم زمانه وحديثه كان عين العقل والترتيب ، كلام مرتب وواضح وصريح مش عوايده ولا هذا خضر اليّ بعرفه أنا وكمان القرية كلها بتعرفه على عكس هالحال اليّ قابلني فيه.
ابو نايف : بدي أسألك سؤال يا ابو ساري : عمر ذنب الكلب بِصِحْ وبصير دغري، وببطل يصير أعوج ، عالحْساب إنت رجل عاقل وفهمان وخبير ومجرب ، والفهّيم درّيه ولا تورّيه ؟؟!
وهنا فهم قائد المخفر أن المختار يريد لملمة الموضوع وإغلاق ملف عزيزة في المخفر بالطعن المثبت بشرفها دون أن يتجاوزه الملف لسلطات أعلى.
ابو ساري (قائد المخفر) : لازم نفحص البنت قبل الدفن يا ابو نايف ، أنا أخذت إفادة خضر ووقع عليها شهود ، وما بنقدر نسكر الملف بهالبساطة والسلام ختام. لازم نطلب الطبيب الشرعي يفحصها ويكتب تقرير ، الدنيا ما عليها أمان ، بتخاف حدى يثير الموضوع وندخل في سين وجيم.
ابو نايف (المختار): لا لا لا وستين لا ، ايش انت انجنيت يا ابو ساري ، بنخلي الداية تفحصها ، وما عليك بالنتيجة ، دخيلك يا ابو ساري بدك تفضحنا بين القري وفي كل القضاء. الموضوع لازم ينتهي اليوم وندفنها بالليل ، بيني وبينك الولد غسل العار وهذي كل القصة ، وانت سيد العارفين ولحد هان الموضوع منتهي ، لا سمعنا ولا شفنا. ونسيت أقولّك "بكرة في عزومة مرتبة ، عندي خروف حولي مربرب ، ظهره مثل العجينة ، وصدقني ما إلك عليّ يمين ، إني قلت في عقلي: هذا الخروف إن شاء الله يكون من نصيب أبو ساري وجماعته. ونظر المختار الى أعمام سالم ليدبروا أمرهم بالخروف.
ابو ساري : طيب بتجيب الداية تفحص البنت ، وبتشهد اثنين من البلد على إفادة الداية ، وبتخلي الداية تحط ختمها وتبصم عليه وخليهم ييجوا لعندي لآخذ إفادتهم وشهادتهم على كلام الداية وأحفظها مع إفادة خضر بالبلاغ عن الحادثة ، وبتجيب اثنين شهود يشهدوا بأنه خضر أهبل ومجنون ويبصموا على إفادة خضر ، وموعدنا الأسبوع الجاي مثل اليوم مع العزومة مش بكره حتى نبعد الشك بأن موضوع العزومة مرتبط بالقضية وإليّ بدك إيّاه بصير . اتفقنا يا ابو نايف .
ابو نايف : اتفقنا ، وطول عمرنا ما اختلفنا ويا ريت نظل دايماً متفقين.
وحضرت الداية وفحصت عزيزة ، وكانت النتيجة صدمة للمختار ، إنها ما زالت بنت بنوت، إنها عذراء ، إنها بريئة وشريفة كما كان يهتف بذلك أخوها خضر الهبيلة ، فأصرّ المختار الندامة في صدره كامنة لا تزول ، وأجبر الداية على تلفيق النتيجة خوفاً من فضيحة العائلة ، ولم يخبر أحداً حتى أخيها القاتل ، وشدد على الداية أن لا تبوح لأي مخلوقٍ بالحقيقة لأنها ستكون أول المتضررين ، وشهّد عليها اثنين وشهّد على خضر بأنه مجنون ، فقام أخوه سالم وأعمامه بربطه بحبل وزجوه في سقيفة ملاصقة للبيت كانت تستعمل كمأوىً في الشتاء للبقرة التي تلد وأغلقوا بابها بالقفل ، وكان فيها منامه وحمامه ودورة المياه ، وكان إخوته الصغار يرمون له الطعام والشراب من طاقة صغيرة في أعلى جدار السقيفة ويتفطرون حزناً عليه وهو يرجوهم ويتوسل اليهم بمساعدته على الخروج .
وما هي قصة عزيزة ؟
ولدت عزيزة ً في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي لأسرة فقيرة الحال ، ومعدمة الدخل كانت تعيش على الكفاف ، وكان والدها من دنية القوم في القرية ولكنه كان معتزاً بنفسه وكرامته ومؤمناً بالله وتقديره وقضائه ، وكانت عزيزة البكر، وكان لوالدها جمل ورثه عن أبيه ، وكان يعمل كروياً ، أي أنه يحرث الأرض للناس شتاءً بالأجرة على جمله الذي كان يجر المحراث ، وكانت أجرته صاعاً من القمح عن كل مارس يحرثه وكان يستوفيه عند الحصاد والدرس والجني صيفاً ، وصاعاً عن الحصاد وصاعاً عن الدرس ولم المحصول بالخوابي. ولمّا يفرغ من الحرث كان يرعى الدّشارة ، أي أنه كان برعى بقر القرية مرة وأغنامها مرة أخرى (راعياً عمومياً)، فمن لم يكن لديه راعياً خصوصياً يوكل إليه رعاية بقره أو غنمه طيلة العام ، ويلم البقر صباحاً من أهل القرية (الدُّشارة)- من داشر - أي لا أحد يرعاه من أصحابه ، ويسرح بها ، وكان يستوفي عن كل رأس مليماً أي ما يعادل عُشر القرش ، وكان في نهاية اليوم يجمع ما يقارب الأربعة قروش في حده الأعلى. ولم يكن كل أهل القرية يدفعون له بالإستحقاق ، وكان ما ينساه أو ما يتحول الى ديون معدومة أكثر مما يحصله من عرقه ، فقد كان أهل القرية يستوطون حائطه ويأكلون حقة فيضيع حقه ظلماً وبهتاناً.
كبرت عزيزة وبلغت من العمر سبع سنوات ، وبدأت في مساعدة والدها ووالدتها الأشقياء ، فعلماها كيف تحلب الماشية من نعاج وماعز (بياض وسمار) ، وكيف تحلب البقر ، وكانت تعمل عند بيت المختار في حلب الماشية بأجر زهيد. تعودت عزيزة على الأعمال الرجولية الخشنة ، وكان والداها يحسنان تربيتها على الأخلاق والعفة والشرف والستر ، ولإنخراطها في معترك الحياة مبكراً اكتسبت الشخصية القوية الجريئة ، هذا الى جانب خفة دمها وجمالها الظاهر على الرغم من وضاعة ملابسها ، حيث كانت في بعض الأحيان ممزقة وتكشف عن خفايا جسمها الذي لوحته حرارة الشمس ولسعته برودة الشتاء. وظلت عزيزة على هذا الحال وتقدم بها العمر خطوة وهي تعمل عند بيت المختار ، وبلغت من العمر خمسة عشر عاماً ، وكانت التهمة الآولى لها في ذلك السن ، فقد جذبت انتباه ابن المختار ، فأخذ يلاحقها ويسترق النظر اليها عندما تجلس لتحلب الغنم والبقر أو عندما تنشل الدلو من بئر الماء ، وفي فصل الصيف عهد اليها المختار أن تنطر المقثاة والتي تبعد عن بيوت القرية بحوالي خمسة كيلومترات. فنصب لها عريشاً لتنطرها من الرعاة والطيور والماشية ، وكانت عزيزة تقضي يومها في المقثاة ، تغني الفلكور والأغنيات الشعبية لتسلي نفسها ، وتعود عند الغروب لبيت المختار لتكمل المهمة والعمل. وفي أحد الأيام لحق بها ابن المختار طمعاً في النيل من أنوثتها النافرة من بين ثنايا جسدها والتي طالما ما أسالت لعابه وهو يسترق اليها الأنظار بينما هي منهمكة في غسل الملابس بالحوش وساقيها مكشوفتين ولا تنتبه له ولا تعبؤ به لأنه كان يصغرها بسنة. وقد أحضر معه الحلوى (الملبس والبسكويت والحلقوم) لكي يغريها به ، وفوجئت به يدخل العريشة طارحاً عليها السلام ومبتسماً في وجهها ، لمحت في عينيه شرر الغريزة تتطاير سهامه باتجاه جسدها ، أدركت عزيزة خطورة الموقف وخطورة أن يراهما أي مخلوق من القرية في العريشة لوحدهما. خرجت من العريشة على عجل فلحقها ، وطلب منها العودة للعريشة ليتحدث معها ، فرفضت ، فأمسك بيدها يراودها عن نفسها ، وتمنعت وصاحت ، ودفعها بقوة فارتمت على الأرض متمنعة ورمى بنفسه على جسدها يحاول النيل منها ، ولكنها استدركت السقطة وأمسكت به وقلبته تحتها بقوة ونهضت بسرعة تلملم ثيابها وتغطي ما انكشف من جسدها ، ولحق بها فدفعته بقوة ألقته الأرض وشعر بضعفه أمامها وسمع نقاشهما الرعاة ورأوا معاركتهما فظنا أنهما يتطارحان الغرام ، واقتربوا منهما ، فأدرك ابن المختار صعوبة النيل بها ، فانسحب خاسراً المعركة جسدياً ومعنوياً ، فقفل راجعاً للبيت بخفي حنين ويجرجر أذيال الندم والخجل من نفسه لظنونه الخاطئة باستغلال فقرها وعملها لديهم وضعف اسرتها ،الأمر الذي ربما سيمكنه من النيل منها بسهولة. ولكن الموضوع لم ينته عند هذا الحد ، فقد عاد الرعاة وبجعبتهم أخباراً عاجلة ، لقد أشاعوا في القرية أن ابن المختار قد طارحها الحب في المقثاة وهتك عرضها ،وأضافوا أنهم شاهدوهما مستلقيان على الأرض ، وألّفوا بخيالهم الواسع والمُفرَغ من الأحداث قصة مُكبرة بكل مشاهدها وأحداثها وبعيدة كل البعد عن الحقيقة. فانطبلت القرية بالخبر العاجل وانشغلت فيه بشبابها وبناتها وشيوخها ونسائها ، وكانت حديث عجائز القرية في الأزقة والحارات عند الغروب وقبل العشاء كما تعودن أن يجتمعن كل ليلة يتبادلن الأحاديث والقيل والقال ، ووصل الخبر للمختار ، وصارت القصة على كل لسان في القرية ، وطعنت عزيزة في شرفها ، وأشار العقلاء من وجوه القرية على المختار أن يزوج ابنه من عزيزة للم الموضوع ، والحيلولة دون انتشاره بين القرى ، ومسح الخطيئة ورأفة بحال الفتاة وأهلها الفقراء المساكين. ولكن المختار استفسر من إبنه فأخبره الحقيقة ، وأصر المختار عالى عدم الزواج لسببين ، الأول لأن ابنه اعترف ببراءتها ودفاعها عن شرفها بحزم وأنه هو الذي راودها عن نفسها ، والثاني لأن النسب من هذه العائلة الوضيعة لا يشرفه. فطلب المختار في الديوان أمام وجوه القرية أن يتم الكشف على البنت وإثبات براءتها من التهمة لأنها فعلاً بريئة ولقطع ألسنة الناس عن اللوك بالقصة المُحرَّفة ، وكان ذلك كما أراد ، فكشفت عليها الداية وبرّأت ساحتها ، حيث خرجت من غرفة الفحص والعجائز ترقب وتترصد الأخبار العاجلة منها وكانت ترفع الراية البيضاء دلالة على براءتها واحتفاظها بعذريتها. فتوقف الناس عن القيل والقال واللوك بسيرة عزيزة واقتنعوا ببراءتها. وهكذا اجتازت المحنة الآولى هي وعائلتها بنجاح وشرف مُثبت وبائن لا لبس فيه وبشهادة ابن المختار خصمها وغريمها بالقضية واعترافه أمام وجوه أهل القرية بأنه راودها عن نفسها وتمنعت ورفضت بحزم.
وكانت العائلة قد رزقت بابنها سالم الذي يصغر عزيزة بسنتين ، ورزقت بعده بخضر الذي بدت عليه علامات الإعاقة عندما بلغ العامين من عمره ، واستمرت معه دون علاج ، وتعود عليها وصارت ملاصقة به ووصمه الناس بها ، وتأقلم معها من صغره ولم يحاول الخروج منها لأنها ربما أراحته من التعب والشقاء مع الأسرة في كدها من أجل لقمة العيش ، ورفعت عنه التكليف بالمهام الصعبة والسهلة على حد سواء ، وأصبحت له ذريعة مشروعة للإنفلات من المسئولية الثقيلة التي كانت تنتظره كما هو حال أخيه سالم ، وبعده رزقت بخضرة ومن ثم سلامة ، ووقع ما لم يكن على البال والحسبان إنها مأساة مروعة هزت كل من سمع بها.
ففي أحد الأيام في موسم الحرث أقدم ابو سالم على ضرب جمله ضرباً مبرحاً ، فاحتمل الجمل هذا الضرب العنيف بغيظ شديد وكظمه مؤقتاً وكبته في صدره ، وبعد ستة أشهر تقريباً وبينما كان ابو سالم مع جمله في موسم الحصاد ، وكان يحصد بالأجرة بعيداً عن القرية في حقلٍ منزو، وكان ينتظر زوجته لتجلب له الطعام ، وكان الحقل الذي يحصد به منزوياً في بطن جبل وبعيداً عن الأنظار في وادٍ مخفي ، فوجيء ابو سالم وهو في قيلولته متمدداً على الأرض بالجمل ينقض عليه هائجاً ومائجاً على غير عادته ، فأمسك عنق ابو سالم بين فكيه ورفعه عالياً ورماه على الأرض وأخذ يدوس على جسده برجليه فأخرج أحشاءه من بطنه واندلقت على الأرض ، وكانت ام سالم قد اقتربت من الحقل تحمل المؤونة لزوجها ، فلما رأت المشهد أسرعت محاولة لعلها تنقذ زوجها من الموت ، وأخذت تهوش على الجمل بالعصا ، فما كان من الجمل الاّ أن اندفع نحوها وهجم عليها ليلحقها بزوجها الذي لفظ أنفاسه تحت خفي الجمل. وكانت المأساة التي هزت القرية كلها والقرى المجاورة.
وبعد وفاة والديها تحملت عزيزة مسئولية الأسرة في أول شبابها بصفتها البنت الأكبر ، وتسلم سالم المسئولية أيضاً في مقتبل عمره وحل مكان والده في رعاية (الدشاره) الأغنام والأبقار للناس حيث باع الجمل ، وعمل في الحصاد والدرس ، وظلت عزيزة مستمرة تعمل عند الناس. وقد تقدم لخطبتها الكثير من العرسان من ضمنهم شرطي يعمل بالمخفر ، ولكنها كانت ترفض لكي لا تضيع الأسرة فكانت شخصيتها القوية تطغى على شخصية أخيها سالم. وكثرت عليها الإلتزامات وضاق الحال مما دعاها الى البحث عن مصدر رزق يستر على العائلة التي تخلى عنها الأقارب من عظم الرقبة وخاصة أبناء العمومة الذين كانوا يتدخلون في شئون الأسرة بالضرر فقط ، ويطلبون من عزيزة الكف عن العمل لدى العائلات وعدم الإختلاط بالرجال ولا يقدمون لها حلولاً بديلة.
وفي أحد مواسم الحصاد زار القرية إقطاعي كبير ليجمع المحاصيل ، إنه من المدينة ويمتلك معظم الأراضي بالقرية ويضمنها للفلاحين بأجر زهيد من القمح والشعير والكرسنة والعدس ويستقطع هذا الأجر آجلاً من المحاصيل عند الجني. وطلب من المختار خادمة لتعمل في بيته ، ففكر المختار وخطر على باله عزيزة التي طالما اشتكت له وطلبت منه أن يبحث لها عن عمل يتكفل بمصاريف الأسرة ، وتم الإتفاق أن تلتحق بعائلة الإقطاعي في المدينة لتعمل لديهم خادمة. وكان لها ذلك ، وحز في نفسها أن تترك أخاها المعاق خضر نهباً ومهزلة لأهل القرية يسخرون منه ويضربون به المثل بالغباء والهبل وينادونه بالمجنون. فطلبت من سيدتها أن تخبر سيدها بمساعدة أخيها بعرضه على طبيب في المدينة ، وكان لها ما أرادت ، فقد ارتاحت لها العائلة لذكائها وإخلاصها في عملها. وأدخل خضر معهداً للمعاقين في المدينة وسكن فيه ، وكانت أخته تزوره باستمرار ، وأدخلت إخوتها وأخواتها الصغار في المدارس ، وظل سالم راعياً للأغنام ، وبحثت له عن عمل في المدينة لكنه رفض أن يغادر القرية لقلة ثقافته ومعلوماته في الحياة والتي لا تؤهله لأي عمل في المدينة وخوفه من مواجهة التقدم والمدنية في المدينة. وأوكلت زوجة الإقطاعي أمور البيت لعزيزة فكانت تكتب لها قائمة بالأغراض ، وتذهب عزيزة مع سائق العائلة لشرائها من سوق المدينة. وأحياناً كانت تستأجر سيارة أجرة تنتظرها حتى تشتري الأغراض ، وكان بعض شباب القرية يعملون في سوق الخضار ، فرأوها أكثر من مرة وهي تتحدث مع السائقين ، فأشاعوا الخبر بالقرية أن عزيزة انحرفت وصارت تعمل بالدعارة ، وهي تخرج في كل يوم مع سائق يختلف عن الآخر ، فانشغلت القرية بعزيزة ، وتولدت لدى القرية قناعة بانحرافها وإضاعة شرفها ، سيما وأنهم ربطوا ذلك بقصة التهمة الآولى لها مع ابن المختار ، وعادت العجائز في الأزقة والحارات تجتر سيرة عزيزة وتطعن في شرفها مرة أخرى ووصلت الأخبار لأعمامها ، وأخذ اهل القرية يهمزون ويلمزون عليهم ، ويسخرون من سكوتهم على ابنتهم ، ولم يحتملوا ذلك ، فاستدعوا أخاها سالم ، وطلبوا منه أن يحضرها من المدينة بالحيلة ، ويحبسها في الغرفة ويقتلها أو يذبحها بالسكين لغسل العار الذي لحق به وبهم. وقد لاقت دعوة الأعمام صدىً في نفس سالم الذي طالما سمع الهمز واللمز على أخته ، ففي أحد الأيام تشاجر مع شاب من شباب القرية ويومها قال له الشاب " روح شوف أختك في المدينة كل يوم مع واحد ، ولعن شرفه وقال له "يا أخو ....".
ماتت عزيزة بالسم الذي تجرعته مكرهة بعد أن خارت قواها من قلة الطعام والشراب على مدى اسبوعٍ كامل ، وتحت الضرب المبرح والتهديد اليومي بالقتل المحتوم والذي لا مناص منه ، وظل خضر مربوطاً في سقيفته بحجة الجنون بينما هو في حقيقة الأمر بحجة إفادته لمخفر الشرطة عن قتل اخته التي رعته وحافظت عليه من همز ولمز الناس.
ظلت الداية تعيش في عذاب الضمير ، ولما دنا أجلها شعرت بصخرة على صدرها تذكرها ببطلان تقريرها عن عذرية عزيزة ، وبينما هي تحتضر استدعت خضرة (أخت عزيزة) لتخبرها بالحقيقة ، وكانت خضرة قد تزوجت من رجل طيب يكبرها بالسن وبفارق عشرين عاماً من قرية مجاورة فاحتضن اخاها سلامة ورباه وعلمه ، ولما دنت خضرة من الداية وكانت تعاني من سكرات الموت تقول وتهمس بصوت متقطع ومتهدج ومخنوق من الخوف من سوء المصير نتيجة لشهادة الزور وكانت عيناها شاخصتين باتجاه خضرة "عزي.. زة مظ.. لو... مة ، عزي.. زة بري...أ..ة... سا ..مح.. ني.... يا ..رب" ولفظت أنفاسها وأسلمت الروح لبارئها.
هرعت خضرة الى أخيها سالم تخبره بالحقيقة ، وترددت وهي في طريقها اليه خوفاً من عذابه لنفسه ، ولكنها أصرت على إعلامه بالحقيقة مهما تكن النتائج لتبريء ساحة أختها. لم يصدق سالم أخته خضرة ، وربما تظاهر بعدم التصديق ليبعد عن نفسه شبح الخوف من فعل الجريمة ولئلا يقع في عذاب الضمير. ولكن براءة خضرة أصبحت عبئاً ثقيلاً على كل من شهد في قضيتها زوراً ، وتلاحق قاتلها أينما حل ورحل لا تفارقه، ولم ينفعه الإحتماء من شمس الحقيقة بغربال الكرامة المزيفة والهروب من مواجهة النفس ، فمرض مختار القرية ولما دنا من الأجل المحتوم وهو على فراش الموت شعر بثقل كالصخرة تتربع على صدره وتخنقه ، ولا بد له من تخليص نفسه من هذا الكابوس الذي سيلاحقه في مماته لعله يلقى الله وقد خفف عنه ذنب إخفائه الحقيقة خوفاً من الفضيحة الواهية وحفاظاً على سمعة العائلة وشرفها الموهوم والملطخ بالشائعات الكاذبة. فاستدعى سالم ليخبره الحقيقة بأن اخته كانت عذراء وبريئة ، وسمع الحقيقة من المختار وهو يودع الحياة الى الآخرة ، فاصطدم بصلابة الحقيقة وقساوتها ومرارتها كالصخرة تضرب رأسه ففقد السيطرة على نفسه ، وانفلت زمام عقله من ذاكرته ، وخرج فارعاً دارعاً يهذي ويصرخ في شوارع القرية يذكرها بأخيه خضر "يا ناس يا عالم الحاضر يعلم الغايب ، عزيزة أختي شريفة ، عزيزة بريئة يا ناس ، عزيزة مظلومة ، الرحمة يا رب ، المغفرة يا رب" وذهب يركض نحو المقبرة ، فانحنى برأسه صوب رأسها وهو يبكي بأعلى صوته "سامحيني يا عزيزة ، لقد أحطأت في حقك يا عزيزة" وظلت سياط اللوم تنهشه وعذاب الضمير يجلده ، واسرع الى شقيقه خضر في سقيفته وفك رباطه وهو يهذي ، وقال له أرجوك اربطني مكانك يا خضر فأنا المجنون وأنت العاقل ، أنا قاتل ومجرم ، عزيزة بريئة يا خضر ، عزيزة شريفة ، استوعب خضر صعوبة موقف أخيه ، فحضنه يهديء من روعه ، وقال له إن باب الرحمة لا يغلق ، عد الى عقلك واعبد ريك بإخلاص وأكمل حياتك طالباً منه المغفرة والرحمة واترك الباقي لله حتى يأتيك اليقين وتلاقيه فربما تنال عفوه ورضاه وتحظى بسماح أختك عنك يوم الحساب وإسقاط حقها عنك أمام الله فإن الله يغفر للناس إن تجاوزوا في حقوقه هو ، ولكن التجاوز في حقوق الناس يتركه الله للناس ولا يسقطه الا بموافقة أصحاب الحق وسماحهم عن الجاني. لجأ سالم الى المسجد يصلي لله لعله يريح ضميره قليلاً ، واعتزل الناس ، وفي أحد الأيام وبعد أن فرغ الناس من صلاة المغرب توجه للإمام يسأله عن حاله ومصيره ، ودار بينهما الحوار التالي:
سالم : يا سيدي الشيخ أنا تعبان ما بنام لا في الليل ولا في النهار ، أكلني الندم يا شيخ ، أختي طلعت بريئة ، وأنا قاتل ايش العمل يا سيدي الشبخ، نفسي أموِّت حالي.
الشيخ : سؤالك جاء متأخراً عن أوانه يا سالم ، كان الأحرى بك أن تسألني قبل أن تقدم على قتل أختك ، فأنت قاتل حتى لو لم تكن أختك بريئة ، ومن أخبرك أنك مخول بإقامة حدود الله على الناس ، أنا أعذرك لأنك غير متعلم ، ولكن كان يجب عليك أن تسأل من يعلم بأمور الدين ، فأنا موجود دائماً في كل صلاة من أجل إرشاد الناس وتعليمهم بتعاليم الدين ، فقد درست بالأزهر أربع سنوات. ولا أبخل بعلمي عن أي أحد ويأتيني الناس من خارج القرية.
سالم : لماذا أنا قاتل حتى لو كانت أختي فاعلة للفاحشة. فقد أخبرني أعمامي أنني سأدخل النار عاصياً إن لم أنتقم لشرفي بقتل أختي. وإن قتلتها فسوف أنال الأجر والثواب من الله.
الشيخ : يا إبني هنالك شروط لإدانة المتهم والمتهمة بالزنا (الذي يجب فيه وجود فاعلين لفاحشة واحدة ، فإن كان هنالك زانياً يجب أن تقابله زانية والعكس صحيح) ، يجب أن تتحقق الشروط التي حددها لنا الله لإقامة حدوده على الفاعلين سواءً كانوا رجالاً أو نساءً. ، فإن لم يعترف الجناة بأنفسهم بفعل فاحشة الزنا بدون ضغط عليهم ، فسوف يطلب من المُدعي إحضار أربعة شهود رجالٍ عُدولٍ من المسلمين ، يحلفون اليمين بقول الحق وأنهم الأربعة متأكدون من شخصية الزاني والزانية وأنهم رأوا بأعينهم مواقعة الفاحشة بينهما بالتفصيل ، وذهب البعض في القول أنهم رأوا العضو داخل العضو ، وهذا ما يصعب أو حتى يستحيل تحقيقه في الواقع من قبل اي مُدّعي ، وإن اختلف الشهود الثلاثة مع الرابع فسوف يقام الحد على الشهود الثلاثة بجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة وعدم قبول شهادتهم فيما بعد وبأي قضية كانت ،وذلك لقذفهم المحصنات الغافلات حيث قال تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون " صدق الله العظيم وإن توفر هذا الشرط في غياب عدم الإعتراف طوعاً دون إكراه (وهو ما يصعب أو يستحيل تحقيقه لأن الأصل في فعل هذه الفاحشة هو فعلها في السر والكتمان) ، فيقام الحد من أهل الولاية والسلطة المخولة بذلك ، وهو الجلد أو الرمي بالحجارة على كل أجزاء الجسم وعلناً أمام الناس حتى الموت للزاني والزانية المحصنين ، وذلك تبعاً للحالة، وتختلف هنا العقوبة إن كان الزاني/الزانية محصناً/محصنة أو غير محصن/غير محصنة. والعبرة في ذلك أن يكون الزاني والزانية مثلاً يخشاه من يفكر بفعل هذه الفاحشة التي إن شاعت بين الناس ستدمر المجتمع. وفي حالة أختك وإن كان قد ثبت عليها فعل فاحشة الزنا بتحقيق الشروط أو بإعترافها هي دون ضغط أو تعذيب من أجل الإعتراف ، فتستحق عقاباً لها على فعلتها مئة جلدة لأنها غير (محصنة) أي غير متزوجة. هذا عدى عن عقاب الآخرة الذي لا يغني عنه عقاب الدنيا.
سالم : وبماذا تنصحني يا شيخ إنني متعب ، وأتمنى الموت اليوم قبل الغد ، إن صورة أختي لا تمحي من خيالي ، فعندما أرقد للنوم يُهييءُ إليّ أنني أسمع صوتها حينما كانت تحلف لي بالله أنها بريئة وتتوسل اليّ أن لا أكون مجرماً وقاتلاً ظالماً عاصياً وأنا أحاول دلق السم في فمها. فيطير من عيني النوم وتسحل دموعي الحارة على خدي تحرقني وتلسعني كالسياط.
الشيخ : أن تعبد الله تائباً ومخلصاً في توبتك وعبادتك حتى يأتيك اليقين ، واترك الباقي لله ولا تفكر في الماضي ، وتعلم القراءة لكي تقرأ القرآن لعله يخفف عنك ويجلي من همومك وأنا على استعداد لمساعدتك بالتعلم والتفقه بالدين. وأن لا تقدم على أي عمل تشك فيه أو تشتبه بأمره ولا تعلم حكمه قبل أن تسأل أهل العلم لإفادتك عن الطريق السليم ولأعانتك على اتخاذ القرار الصائب وباب المغفرة مفتوح لا يقفل والله غفور ولطيف ورحمن ورحيم بعباده.
ولمّا طال غياب عزيزة عن بيت الإقطاعي بالمدينة جاء الى القرية يسأل عنها ، فعلم بما جرى لها من أهل القرية ، وأخذ يضرب كفاً بكف ويقول: لا حول ولا قوة الا بالله ، استغفر الله العظيم ، فالتقى بأخيها سالم يسأله عن عزيزة ، فأخبره سالم بالحقيقة وهو يدفع عن نفسه سياط اللوم والندم وجلد الذات فقال الإقطاعي : يا خسارة ، الله يرحمك يا عزيزة ، عزيزة كانت بنت طيبة وقنوعة وراضية وخلوقة وذكية وجميلة وتتحمل المسئولية ، وكانت محافظة على الصلاة والعبادة ، وكانت أمينة على بيتنا ، وكم من الناس طرقوا بيتنا يطلبون يدها يظنون أنها ابنتنا. وكنا نعاملها كذلك ، وقد كنت أنا وزوجتي ننوي تبنيها وتعليمها ، فقد حرمنا الله من البنين والبنات. وتساءل : لماذا لم تستوضحوا منا الأمر لنوضح لكم الحقيقية واستطرد يقول : يا عمّي الله سبحانه وتعالى أمرنا ما نحكم على الأمور بظواهرها "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" ، وكمان الله أمر بالستر ، إذا بليتم فاستتروا، وسأل عن خضر ووجده معافىً من الإعاقة بعد صدمته في موت أخته ، وطلب منه أن يأتيه الى المدينة لكي يدبر له عملاً ، ولم يتوانى خضر في الذهاب اليه ، فعمل خضر عنده في الإشراف على الأراضي ، وعلمه في المدارس وحصل على عمل مناسب في المدينة ، أما سالم فقد هجر القرية الى قرية أخرى نائية ، حيث طلب الزواج من كثير من بنات القرية والقرى المجاورة ولم يظفر بالموافقة ، فقد رفضه الجميع ،وداهمه مرض خبيث مجهول فالتحق بأخيه خضر في المدينة وسكن عنده وعالجه في مستشفيات المدينة ، ولكن المرض الغريب الذي أعجز الأطباء في التعرف عليه استحكم به واستقوى عليه ، ولم يمهله طويلاً فمات ولحق بأخته عزيزة بعد خمسة أعوام من قتلها خاسراً للدنيا وربما الآخرة في علم الله.
بقلم أحمد ابراهيم الحاج

 
روابط ذات صلة
· زيادة حول قضايا وآراء
· الأخبار بواسطة المحرر


أكثر مقال قراءة عن قضايا وآراء:
عبد الاله الاتيرة : انقلاب جديد بالبلطة والبلطجة وحكم الملثم



تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ



خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة



جريدة الصباح
فلسطين - تأسست عام 1995

www.alsbah.net
عيش الخبر أينما كنت
جريدة كل الفلسطينيين
فلسطينية العمق : عربية البعد : عالمية التوجه
https://www.s-palestine.net/ar/thumbgen.php?im=../images_lib/images/1_1564988074_5367.jpg&w=690
المدير العام رئيس التحرير
سري القدوة

PHP-Nuke Copyright © 2007 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.21 ثانية