الرئيسية / الآراء والمقالات / عمر حلمي الغول يكتب : مؤتمر مكافحة الفساد الرابع

عمر حلمي الغول يكتب : مؤتمر مكافحة الفساد الرابع

عمر حلمي الغول

مؤتمر مكافحة الفساد الرابع

عمر حلمي الغول
ظاهرة الفساد من الظواهر الخطيرة التي تهدد تطور المجتمعات، وتؤصل لتفسخها، وتعطل نموها، وصلابتها وقدرتها على مواجهة التحديات المطروحة امامها. وهي ظاهر تصيب في مقتل كل مؤسسة تتفشى فيها. والفساد، كما نعلم يطال كل انسان ومؤسسة، ولا يوجد استثناء لدى المفسدون، لانهم يسعون لاختراق كل مجال من مجالات الحياة: في السياسية والديبلوماسية والاقتصاد والمال والمؤسسات والوزارات والهئيات والمصانع والمزارع والمؤسسات الأمنية والاجتماعية والتربوية والثقافية والتنظيمية الحزبية والأخلاقية القيمية. وكلما تغلغلت اكثر في بنية مجتمع من المجتمعات، كلما سقط المجتمع في براثن الفوضى والافلاس، وانعدام الثقة نتاج تسيد لغة “وانا مالي” و”لحم كلاب في ملوخية” و”من اين تؤكل الكتف” والمحاباة والرشوة والجهوية والتساند غير المشروع في حقول العمل المختلفة ومنها الدينية والطائفية والحزبية.الخ
وتنتج ظاهر الفساد عن غياب المسؤولية، وانعدام المساءلة، والتستر على الفاسدين، ووضع الانسان غير المناسب في مواقع المسؤولية والقرار دون مؤهلات، وغياب القانون، وانتفاء العملية الديمقراطية، وعدم تجديد الهيئات القيادية، واطلاق يد المحسوبين على هذا الزعيم او ذاك القائد، وشخصنة المسائل، والتخلي عن ركائز الشفافية والنزاهة. وكل هذه العوامل تساهم مساهمة مباشرة في خلق فجوة واسعة وكبيرة بين الحكام والمحكومين، وتضرب بعرض الحائط مبادئ العقد الاجتماعي، وتضاعف من الفردية والتخلف والفوضى، وتهدد وحدة ونسيج المجتمع، مطلق مجتمع.
ولهذا يمكن اعتبار عقد المؤتمر الرابع في فلسطين لمكافحة الفساد امس (اليوم الأربعاء يتابع محاوره الباقية) خطوة هامة وضرورية لتسليط الضوء على هذه الظاهرة الهدامة، لعله يستطيع من خلال التعرض لكافة مجالات الحياة في فلسطين الاسهام في الحد من هذه الظاهرة، والتصدي لها بقوة ودون تردد، لمواجهة من يقف خلفها في المجتمع، بغض النظر عن موقعه ومكانته السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية او القانونية.
ومن خلال مشاركتي امس في حضور بعض جلسات المؤتمر امس الثلاثاء الموافق السادس من كانون اول / ديسمبر الحالي في رام الله/ فندق الميلينوم بمشاركة وحضور نخب من مختلف القطاعات السياسية والقانونية والاقتصادية المالية والاجتماعية والثقافية والدينية، والاستماع للكلمات الافتتاحية العديدة، فضلا عن جلسات المحاور الثلاث. التي لم توقفني نهائيا بما حملته من مضامين إيجابية عموما، جالت عليها الشخصيات الفلسطينية والعربية والدولية، ولا ما دار في الجلسات. لان المشاركين بها جميعا تحدثوا نظريا بمواقف ومحددات هامة، ولا يوجد عليها من حيث المبدأ ملاحظات، وان شابت بعض الكلمات في المحاور بعض الثغرات، كونها سقطت في عناوين ما أنجزته مؤسسات المتحدثين، ولكنها لم تتوقف امام النواقص والمثالب التي عاشتها، او تواجهها الهيئات القيادية، وبالتالي غابت عنها روح الشفافية، ونقص الشجاعة في وضع الاصبع على الجرح هنا او هناك.
ومن ابرز الكلمات التي استوقفتني، كانت كلمة الدكتور محمد اشتية، رئيس الوزراء، التي القاها نيابة عن راعي المؤتمر الرئيس أبو مازن، وأصاب في نقطتين، الأولى عندما اكد على ان الفساد مرض، ومعالجته تكمن في النزاهة والشفافية والمساءلة؛ والثانية حين تعرض لاليات عمل الشرطة، أي حامية القانون، وقال في الدول المتقدمة تكون الشرطة واقفة بسياراتها المعروفة للعامة من خلال اشاراتها الضوئية، وكأن حراس القانون يقولون للسيارات وللمواطنين نحن هنا، حاذر من الخطأ، في حين ان الشرطة في بلادنا تتربص بالمواطنين من خلال اختباء الشرطي وسيارته في الزوايا الميتة كي يخالفونهم. ورغم ان الملاحظة تفصيلية، لكنها هامة بدلالاتها ومغازيها.
اما النقطة التي جانب الصواب فيها، كانت عندما أشار الى، ان الشعب الواقع تحت الاستعمار “لا يلام” نتاج الشروط الحياتية الصعبة والمعقدة، لان المستعمر يضع كل العراقيل لاستنزاف الشعب الواقع تحت نير الاستعمار. وضرب مثلا، حين أورد ما رصده نتنياهو من مبالغ (35) مليون شيقل لاظهار فشل الشعب الفلسطيني، واتهامه ب “الإرهاب” و”الفساد” وغيرها من الموبقات. وغاب عن الصديق أبو إبراهيم اكثر من نقطة لمواجهة جريمة رئيس الوزراء المكلف في إسرائيل، منها: أولا لماذا لم ترصد منظمة التحرير وحكومتها (70) مليونا من الشواقل لابراز حقيقة إسرائيل كدولة منتجة للارهاب والجريمة المنظمة، وكشف طابعها كدولة فصل عنصري فاشية. وأيضا لم يشر للخلل الناجم عن عدم وضع الاليات المطلوبة، التي كان على القيادة وضعها لمواجهة هدف زعيم الفساد والإرهاب في إسرائيل؛ فضلا عن ذلك، لماذا الشعب الواقع تحت الاحتلال لا يلام، لا العكس صحيح، لان هذا الشعب الرازح تحت نير الاستعمار مطالب اكثر من غيره من الشعوب في مساءلة الذات والقيادات، وملاحقة اهل الفساد، ومحاكمة كل من تطاول على مصالح وحقوق الشعب السياسية والاقتصادية/ المالية والقانونية والأخلاقية والثقافية التربوية والإعلامية والاجتماعية والدينية، وكل من عطل ويعطل الحياة الديمقراطية وتجديد الهيئات القيادية، وغيب البرلمان والسلطات التشريعية، التي لها دور رئيس في حماية المجتمع من الظواهر الخطرة في الحقول المختلفة.
أيضا من المسائل الهامة التي يمكن تسجيلها بشكل عام على النواقص فيما تضمنته الكلمات في المحاور، هي غياب المعايير الصحيحة لمواجهة الفساد، وتحديد نواقصها ارتباطا واستنادا الى البرامج المعتمدة لدى المؤسسات والوزارات والهئيات هنا او هناك، وملاحقتها من الجذور، ومحاكمة القائمين عليها علنيا دون النظر لمكانتهم ومواقعهم وارتباطاتهم الخاصة والعامة.
مرة أخرى مبروك لهيئة محاربة الفساد والنزاهة والشفافية عقد المؤتمر، وارجو لها التوفيق في مهامها، وتمكنها من الوصول لكل من وقع في خطئية الفساد دون استثناء.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سليم النجار

سليم النجار يكتب : ذاكرة القضبان

ذاكرة القضبان للأسرة د/ سعاد غنيم ( الرواية تهتك تاريخ الظلم) سليم النجار توطئة سعاد …