ثائر حمّاد وادي الحرامية
الرئيسية / تحقيقات و حوارات / “إوار النار” قصة الأسير ثائر حمّاد “البحث عن الحرية”

“إوار النار” قصة الأسير ثائر حمّاد “البحث عن الحرية”

ثائر حمّاد وادي الحرامية

“إوار النار” قصة الأسير ثائر حمّاد 

“البحث عن الحرية”

سليم النجار 

توطئة 

وُلد ثائر حمّاد في بلدة سلواد شرق رام الله، له خمسة إخوة. اغتالت وحدة إسرائيلية خاصَّة عمَّه نبيل حمّاد عام ١٩٩١. ألقي القبض عليه بعد أن قام بتنفيذ عملية “عيون الحرامية”، وبعد ثلاثين شهراً حُكم عليه ب ١١ مؤبد، نقل إلى سجن “ايشل” المركزي ووضع في قسم العزل رقم ٤. 

استيقظت ذات ليلة فصَدَمَت أذني آهاتٌ قادمةٌ من الخزنة، وفي عجالة، التقطتُ الشبشب من قدمي، ومشيت إلى الخارج، وقبل أن أتجاوز عتبة الدار لم تفقد الرهبة ونسها، ورَجُلَين عجوزين يجلسان على مصطبة بجوار المسجد، يواصلان حديثاً عن خبرٍ نُشر في الصحف، حينما وصلت أحدهما شدَّتني يده، وكان الآخر يسحق عقب سيجارته تحت مداسه، مد ذراعيه واحتواني، وأشار إلى الجريدة التي بين يديه: شايف عنوان الجريدة “عملية عيون الحرامية” نفَّذها الأبطال، نظرت إلى العنوان ولم أتكلم، وتابع حديثه: الشباب عرفوا طريقهم، وأنا أتحرك في اتجاه الباب.

وقفت أمام الباب متردِّداً، غرفتي مازالت مضاءة، وما بعدها تمتَّد الرؤية ثم تقنصها العتمة، ارتجفتُ، سحبتُ عينيَّ، وقعت على الأرض، ثم استيقظت للمرّة الثانية وعلى الطاولة التي بجانب سريري وجدتُ رواية “إوار النار”، قصة عملية عيون الحرامية بقلم منفذها البطل ثائر حمّاد. 

كان نور اللمبة مازال يضفي على المكان جواً من سكينةٍ جعلت كل الوجوه التي مرَّت في قصة “إوار النار” تسألني لماذا لا تكتب؟ 

استجبت للسؤال والأمنيات تتراقص في رأسي، فركلت الكثير من الأفكار، وانحزت لفكرة واحدة كتبتها على الشكل الآتي: 

منذ اللحظة التي تصافحُ فيها لوحة الغلاف، يفاجئنا الإحساس بأن ثمَّة أسلاكاً شائكة تسيُّج عالم القاص. هناك شبَّاك صغير مفتوح لكنَّه محصور في مربعٍ تتشابك فيه الخطوط بألوان داكنة، وأشجار ملوّنة بالأخضر الغامق، فهل يعني أنَّ القاص محصور هو الآخر في زمنٍ شاحبٍ دفعه أن يتواضع بأحلامه. 

العنوان بحد ذاته يثير سؤالاً: لماذا تواضعت أحلام ثائر حمّاد؟ هل تراها يأس من تحقيق الأحلام؟ أم أنَّ شيئاً كسر تلك الأحلام الكبيرة فاضطر أن يتواضع بأحلام اليوم إلى الزمن الآتي؟ شيء من الفضول يدفعنا أن نفتش بين سرد ثائر حمّاد؛ لعلَّنا نعثر على الأسباب أم سأجد عكس ما توقعت. 

كعادةِ أي أسيرٍ فلسطيني معتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي، يُبدع، ولا يُصدِرُ نصَّاً جديداً إلَّا مختلفاً عن الآخر، فثائر حمّاد متجددٌ في لغته ومضامينه عن الأخرين. 

في هذه القصة استطاع أن يتحرَّر من حالتين يلمسهما القارئ للقصة، أولاً: تحرَّر من التعلُّق باللغة الحداثيَّة الصعبة، وانطلق بلُغة شفَّافة يبتعد بها عن المنعطفات المتعرِّجة وعوائق الانزواء خلف الأقنعة. 

لغة تقطر رقَّة تلامس شغاف القلب وتَدخُله بلا تباطؤ أو صعوبة. 

لكن الرِّقة لم تخلُ من معاناةٍ وحزنٍ وأمنياتٍ ورغباتٍ في التمنِّي بأشياءٍ وإن كانت بسيطة، إلَّا أنَّها مشحونة بالشجن والحرقة. 

أما الحالة الثانية، الذي استطاع ثائر حمّاد أن يتحرر منها، فهي حالة الخوف التي جعلته لا يبوح بعواطفه، ورفات قلبه كفراشة تتوق أن تحلِّق وألوان أجنحتها في الضوء… ويرسم شارع التحرر الوطني: (لائحة الدم المسفوك على مذبح الحرية اليومي أعادت لذاكرتي ذكرى استشهاد عمي “نبيل” قبل تسعة أعوام، وفرض عليَّ الواقع الجديد الذي بلغته بالتسلُّح بالوعي والمعرفة والقدرة وخبرة التقاط الفرصة قبل فوات الأوان، وتحقَّق الحلم بعد أن نفذ الصبر وحان الوقت للعمل وتجسيد الفكرة على أرض الواقع، والوفاء بالعهد والوعد لعمي نبيل وكل الشهداء،ولكل الأسرى والجرحى والمبعدين واللاجئين ولعيون القدس) (ص٢٠).

وهو في غمرة انشغاله في التحضير للعملية النضالية، لا يغفل عن بعض أشياءٍ صغيرة قد يعبر عليها العابرون، فلا تلفتهم، لكنَّه بحسِّه الشاعري وروحه المتآلفة مع الطبيعة، تجعله يتوقف عند نبته صغيرة: (ودَّعتُ الشجر والزعتر ولمسات أمي في حاكورة الدار، ودَّعتُ ذكريات الطفولة، ودَّعتُ واحداً وعشرين عاماً قضيتها هنا في هذا المكان)(ص٢٤).

إنَّ البحث هنا لا يكون لأجل التقاط صورته فقط، فالمساحة تُسجِّل خلف الصورة تاريخاً للأمكنة والأشياء: (دخلت المنزل من الباب الخلفي الذي خرجت منه، وحملت الثياب التي لم اعتقد بأني سأرتديها يوماً، وضعتها في الماء الدافئ لأزيل عنها أثر الساعات الأربع الماضية وما حملته من غبار)(ص٣٠).

وقد تكون الرغبة في الشهادة حلماً لا يعني الكثيرين، لكنَّه يبحث عن خلاصٍ لقضايا لا يريد أن يشاركه بأساها أحد، تلك القضايا التي جوهرها التحرر الوطني من المحتل الإسرائيلي هي التي تعترض سير نهر أحلامه، ففضَّل انزياح الأحلام بالشهادة: (وفي قاعة المحكمة عندما نطق القاضي الأسرائيلي بالحكم عليَّ أحد عشر مؤبداً، ابتسمت ساخراً، تقدَّم المحامي من والدي وأعطاه ورقة الحكم فقبَّلها وقال: “هذه شهادة شرف لك وفلسطين ستعود مرفوع الرأس بإذن الله”)(ص٣٦). 

عند قراءة هذه القصة تشعر أنَّك مسافرٌ في رحلةٍ مؤلمة، رحلة حافلة بعالم حزين شفَّاف، بين آهات الليل ودموع القمر، وسحابات الحزن وأغلال المحتل، وقهر الفلسطيني وتمرُّده، وعذابات روحه مع السكون والمطر والحرب والمعتقل: (توقَّف الزمن… بكى الزيتون زيته… وسالت دمعة على وجه جدي، دمعة لم أرها من قبل في حياتي وفي حياته… وقف الكلام صامتاً في حنجرته وغصة في القلب حداداً على روح الشهيد) (ص١٦).

أقرأ كيف يصف ويعبِّر وينقد، من خلال هذا النقد الرومانسي المثير للمشاعر والأفكار والخيال، علماً بأنَّه لجأ إلى لغة تقريريَّة تنحاز وتنسجم مع رؤية القاص: (وكثيرة هي الشواهد التي أثبتت أنَّ الفلسطيني الذي تجنَّب النضال لم يسلم حتى شخصياً وفردياً من ملاحقة الاحتلال والاعتقال والإذلال على الحواجز والرصاص العشوائي)(ص٢٠). 

وأقرَّ ببساطة أنَّ هناك حالة من التقمُّص الوجداني بين القاص والموضوع الذي يكتب عنه، وهي وتجربة الكاتب الشخصية، التي تميَّزت بسموٍ عالٍ في المشاعر والرومانسية الرفيعة للمناضل:(شريط طويل كفيلم من التاريخ تستحضره ذاكرتي، التي

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

جيهان صفير

الدكتورة جيهان صفير وسلاح الهوية المزدوجة

الدكتورة جيهان صفير وسلاح الهوية المزدوجة كتب حسان البلعاوي الدكتورة جيهان صفير ، باحثة لبنانية …