الرئيسية / الآراء والمقالات / سليم النجار يكتب : أسرى الحرية يضيئون الحياة نصوص للسجن مذاق آخر

سليم النجار يكتب : أسرى الحرية يضيئون الحياة نصوص للسجن مذاق آخر

سليم النجار

أسرى الحرية يضيئون الحياة 

نصوص للسجن مذاق آخر 

أسامة الأشقر 

( ظِل في ساحات المعتقل) 

سليم النجار 

received_782993706386833

وبحركة اشمئزاز ذاتي ألقيتُ قلم الرصاص واستسلمت للنص في فعل قراءة حقيقي، فللنص حقوقه وله استقلاليته وعقلانيته أيضا، ولا شك أن غائيته مشروطة في إحدى طبقاتها، بموقع الكاتب وهويته وانتماءاته، ولكنها في طبقاتها الأخرى، مشروطة بشروط العقل البشري ووحدة مقولاته.

فالنص، أيّ نص وأياً تكون هوية كاتبه لا ينتزع اقتناعنا العقلي إلا بقدر ما يخضع هو نفسه لشروط العقلانية، والعقلانية كونية بالضرورة وإلا كفّت عن أن تكون عقلانية، ويضعنا كتاب(للسجن مذاق آخر) للأسير الفلسطيني في المعتقلات الإسرائيلية والمحكوم بالمؤبد أمام تجربة مختلفة للمعتقل الصهيوني عما عهدناه من السجون النازية، فيستحسن بك أن تنسى كل ما تعرفه عن السجون النازية وتقرأ عن السجون الصهيونية.

يحملنا عنوان كتاب أسامة الأشقر إلى وجوب الانتباه الى التقابل والاختلاف بين شطريه، فمن جهة أولى (للسجن مذاق آخر) وهذا تعبير رمزي يجمل ما آل اليه وحشية النازي الصهيوني من تطور في سلب حياة الأسير الفلسطيني، ويتفنن في إغتيال آدميته، ومن جهة أخرى فقد نجح أسامة الأشقر في اعطاء القارىء اللمع البراقة وتشويقه على متابعة التعرّف إلى التاريخ النضالي للفلسطنيين، ومن القضايا التي أولاها اهتماما خاصا اختراع أبجدية المقاومة للأسير الفلسطيني في وجه الظلام الإسرائيلي،( – فك قيوده، ما هذا لاتفهم ! 

ضغط الجندي على القيد متعمدا، شعرت أن عقربا يلدعني مرات متتالية، ثم فك القيود

طلب المحقق مني الجلوس وقال: 

– اشرب لا تخجل ٠٠٠٠٠ هل ينقصك شيء آخر ٠٠٠! 

رغم شدة العطش، خطر ببالي أن اقذف كوب الماء بوجهه لكني شربتها، لأني بدأت اكتشف أهمية اقتناص كل عرض للطعام أو الشراب من أجل اكتساب كل سعر من الطاقة يساعدني على الصمود ومقاومة الضغط النفسي والجسدي، ص٣٣-٣٤).

ولكن ما هي الأساليب الأبداعية التي يريد أسامة الأشقر تطبيقها من أجل الخروج بنتائج جديدة تختلف عن الأراء والأيديولوجيات الشائعة عن المعتقل الأسرائيلي؟ 

هنا ندخل في صلب الكتاب، وهو مؤلف لعدة نصوص حول الحياة الفلسطينية في تلك المعتقلات، ومن أجملها حكايات الطعام والحلوى، التي لها جذور في تاريخنا العربي، ومن الحكايات العربية الطريفة عن الحلوى ما يروى عن أعرابي قدم من الصحراء جائعا إلى مائدة عامرة للحجاج بن يوسف، فأخذ يأكل بشراهة لفتت الأنظار إليه، ولما أوشك على الانتهاء لمح طبقا من حلوى شهية، فسأل الحجاج عن اسمها فقال له: ( الفالوذج)، ولكن إذا مددت إليها يدك سأقطع رأسك، فما كان من الرجل إلا نظر بحيرة إلى الطبق ثم مد يده والتقطه، وهو يقول : أوصيك خيرا بابنائي، فضحك الحجاج وعفا عنه٠ 

هذا ما عرفنا من تراثنا عن الحلوى والطعام، والفلسطيني الابن الشرعي لهذا التراث، ابتدع الأسرى الفلسطنيين طُرق عديدة لصناعة الحلوى والطعام في سجون الإحتلال الإسرائيلي،( هذه الاختراعات والابتكارات الصغيرة تخفف وطأة وشدة الأسر، تلك المتعلقة بإنتاج أدوات المطبخ التي لا يتخيل عقل كيفية صناعتها واستخدامها، فلكل أداة منها حكاية خاصة، وهذا عمل وجهدٌ يومي “فمثلاً يمكن أن يصبح وعاء الطعام المعدني سكاكين خاصة يستخدمها الأسري لتقطيع الخضار واللحوم” وكلما قامت إدارة السجن بسحب هذه الأدوات يصنع الأسرى بديلا عنها” كذلك الإبداعات المتعلقة بإنتاج أنواع الطعام الذي لا تتوفر مواده الخام بالسجن، فيتفنن الأسرى ليجعلوا من الطعام المنتج يضاهي بطعمه ورائحته نفس الطعام المقصود من مواد خام غير المواد التي ينتج منها ذلك الطعام عادة ص٩١).

ويبقى مذاق الطعام والحلوى لذة ممتعة ومذاق فلسطيني خاص مرتبط بحكايات الصمود أمام هذا العدو النازي الأسرائيلي المتعجرف.

وينقل أسامة الأشقر بعد ذلك، صورا أخرى عن الأساليب الهمجية الإسرائيلية في تعذيب الأسرى الفلسطنيين، (فكان يأمر السجانين بإطلاق الغاز بكميات كبيرة علينا في كل مناسبة سواء كانت إحياء ذكرى وطنية خاصة أو خلال إلقاء البيانات الوطنية من قبل أحد الأسرى، كنا نسارع إلى وضع الفرشات والأغطية على الأبواب والشبابيك لتجنب ذلك الغاز، ونطرق على أبواب الغرف والزنازين، نكبر بأعلى أصواتنا ردا على بطش إدارة السجن ص٦٨).

عندما دقت الساعة بإنتهاء فنحان القهوة الذي اتناوله، وبطريقة غير ديمقراطية دفعني أسامة الأشقر بعمل فنجان آخر، عند قراءة نصه “العلاج بالتعذيب”، سرد قصة أسير مريض، سأترك لكلماته حرية تسطير هذا البياض اللعين الذي حولته كلمات القصة إلى لعنة وسواد، (أسير آخر طلب علاج أسنانه أخبره الطبيب أن ضرسه الخلفي يحتاج علاج، وبالفعل بدأ بالعلاج، وبعد فترة ظهرت أوجاع حادة في بطنه، وبعد سنوات من السفر بالبوسطة وزيارة المستشفى، تفاجأ بأن لديه تليف في الكبد، تسبب به استخدام أدوات ملوثة من قبل طبيب الأسنان، كان الطبيب استخدمها مع سجين جنائي ولم يتم تعقيم الأدوات بعد استخدامها، ومازال الأسير زميلنا يعاني منذ مدة طويلة من هذا المرض الخطير ويعاني الأمرين أيضاً ص٦٣).

ويواصل أسامة الأشقر في سرد رحلة العذاب للأسير الفلسطيني، وقبل أن ادخل هذا العالم، والكشف عن قصة” البوسطة” التي رواها، تذكرت كلمات فنان الكاركاتير المصري حلمي التوني ( أَيْنَ الخَلاَصَ؟ أَينَ أَين؟ 

لَمْ يَبْقَ بَيَنَ بَيْن 

أمّا نَحُوُز الغايَيتَين 

أوْ نَخَسَرَ الكَرَاَمتين 

أَن نكُوُنَ أبَدَا ٠٠ أو لا نكَونَ أبدَا).

فقصة البوسطة تنطبق على ما قاله حلمي التوني، فالقرار للأسير الفلسطني “أَن نكُون أبَدَا”، والحكاية هي كما سردها الأشقر، (ما أن صعدت لدرجات الحافلة لأول مرة وجدت نفسي محصورا في مكان ضيق تم تقسيمه من الوسط بحاجز مع باب الدخول للعربة، وعلى الجانين كراسي من الحديد مصممة خصيصا كي لا يشعر بالراحة، في القسم الخلفي من الحافلة مقسوم إلى جناحين كل جناح يتسع لعدة أسرى، يتم وضعهم في مكان ضيق جدا، وهذا طبعا مخصص للأسيرات أو للأسرى المعزولين،الذين يمنع السجان لقاءهم ببقية الأسرى، معاناة السفر بالبوسطة لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، فهناك أسرى وافقوا على احكام عالية تزيد عن الحكم المتوقع بسنوات، وذلك للتخلص من البوسطة ص٤٣).

ودعت أسامة الأشقر ٠٠ وانتظرت قمرًا قريبا ضاحكا مستديرا لا يأتي الى شتاتي يسكب فضة، ولا اريد ذلك، وتعلمت من الأسير أنه لا ينحني، وكلامه لامع كسطح بحيرة، وروحه تمرح بنعومة مرج وأريح ياسمين، ودفء قوارب في حضن فلسطين.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سفير الاعلام العربي في فلسطين
رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية

سري القدوة يكتب : تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني ومحاسبة مجرمي الحرب

تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني ومحاسبة مجرمي الحرب بقلم : سري  القدوة الاربعاء  7 كانون الأول/ …