عضو نقابة اتحاد كُتاب، وأدباء مصر
رئيس ومؤسس المركز القومي لعلماء فلسـطين
عضو نقابة اتحاد كُتاب، وأدباء مصر رئيس ومؤسس المركز القومي لعلماء فلسـطين
الرئيسية / الآراء والمقالات / د جمال ابو نحل يكتب : الاقِتِتَالَ عَلىَ جِّيِفَةَ

د جمال ابو نحل يكتب : الاقِتِتَالَ عَلىَ جِّيِفَةَ

عضو نقابة اتحاد كُتاب، وأدباء مصر رئيس ومؤسس المركز القومي لعلماء فلسـطين
عضو نقابة اتحاد كُتاب، وأدباء مصر
رئيس ومؤسس المركز القومي لعلماء فلسـطين

الاقِتِتَالَ عَلىَ جِّيِفَةَ

منذُ خلق الله عز وجل سيدنا أدم عليه السلام، ومن بَعدهِ ذُريتهُ بدأت مرحلة من الصراع، والاقتتال، والقتل، على جيفة، لا تساوي عند رب العالمين جل جلاله جناح بعوضة!؛ ودار صراع مُستمِر ما بين الحق، والباطل، فكانت أول عملية قتل في الدنيا حينما قتل قابيل أخاهُ هابيل!؛ ولا يزال الناس مُخَتَلفِين يتصارعون، ويتقاتلون على الدُنيا رغم علمهم جميعًا بأن الحياة الدنيا دار الغرور، ودار ممَرٍ لا دار مَقَر، ولا مُسَتقَر، والدُنيا تحتاج منا الصبر، وإن فيها كل شيء من الحُلو، حتي المُر، والمَرمَر، والمرارُ، والمريرُ، والبرُ، والخير، والضرُ، والشر، والسيد، والعبدُ، والحُرُ، والحَرَ والمطر المنهمر، والفجر، ولَيالِ عَشر، والشفع، والوتر، وأيام النحر، والسَحَر، والسحور، والحرير، واليُسرِ، والعُسر والشجر، والنهر، والكسرِ، والجبرِ، والجابِر للخواطر، وفيها عُمر، وعُمير، وعامِر، ومُعمر، وعَمار، ولمَار، ومن يخوض غِمار المخاطر، ويُخاطِر؛ وفي الدنيا الخَبر العابِرُ، والخبرُ العاطر، والأخبار، والوزر، والوزير، والوزراء والزير والمزمار، والمزامير، والمخاتير، ورجال الَديِر، والدور، والدثور، والثغُور، والأحبار، والحِبر، والنهرُ، والأنهار، والإبهار والثوار، والافتخار، والاقتدار، والأقدار، والمكتوب، والمُقَدَر، والمغدورُ، والغادر، والازورار والبحرُ، والبحَارَ والابحارُ والثورُ، والأبقار، الاستثمار، والاستحقار، والاستعمار، والاستحضار، والماضي والحاضر، والمُحاضِر، والنصير والمنُاصِر، والبصير، والمصير الصَائِر، والَسائِّرْ، والكل سوف يُسافر، وسنعبر للقبور، وفي الدنيا المُصِّر بكل عزيمةٍ وإصرار لإكمال المشوار ضد الأشرار، ومشعلي النار، وفيها الثوار، والأنوار، والأزهار والفجر، والانفجار، والاندثار والاندحار، والأبرار والتُجار، والفُجار، والانتحار!؛ والبصير المٌبتعِّد عن قال، وقيل، وفيها الناظِّرْ للقليلُ، والكثيرُ والكبير، والصغير، وفي الدُنيا الأميرُ، والغفير، والسِر، والأسرار، والسرائر، والحرائر، والأمصار، والأصهار؛؛ والانصهارُ لمن أخذهُم الانبهار في تلك الدار الدنيا الفانية، والتي تزينت، وتجملت في عيونهم القصور، ونسوا الأخرة والقبور، والبعث يوم الحشرِ، والنشور، والمصير إما للجنة أو النار!!؛؛ ولكن أكثر الناس انغر بتلك الدار التي حتمًا تمر، وتضر، ولا تسر!؛ ورغم ذلك فقد خطبوا ودها، وراموا، وهاموا في حُبها، وتسابقوا في ميدانها الفسيح وتنافسوا، وتصارعوا، واقتتلوا، وقتلوا بعضهم بعضًا من أجلها!؛، وغرتهم زهرة الحياة الدنيا؛ فظنوا أنها الوردُ والعَبير، لا دار العبور، والبَوُار، فَلم يأخذوا العِّبَر مِمَّن قبلهم قد عَبر!؛ وإن الحياة الدنيا يا أحباب فانية، وزائلة وقد قال عنها سيدنا، ونبينا، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: “مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها”؛ وهي الدنيا التي جاء في الحديث الصحيح عنها: “من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمه”؛ وجاء عن أم سلمة هند بنت أبي أمية -رضي الله عنه- أنها قالت: استيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الليل، وهو يقول: «لا إله إلا الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة»؛ وهناك منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها”؛ ورغم أن الساعة قد اقتربت، وذلك منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الناس تزداد على الدنيا حرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بعداً!. وإن حلوة الدنيا مُرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة”؛ ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الدنيا قائلاً: ” لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء”؛ وعن المستورد بن شداد -رضي الله عنه- قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السخلة الميتة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها؟» قالوا: من هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: «الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»، «ألكم طعام؟» قالوا: نعم. قال: «فلكم شراب؟» قالوا: نعم. قال: «فتصفونه؟» قالوا: نعم. قال: «وتبرزونه؟» قالوا: نعم. قال: «فإن معادهما كمعاد الدنيا؛ يقوم أحدكم إلى خلف بيته، فيمسك أنفه من نَتِّنَة “، ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها؛ إلا ذكر الله، وما والاه، وعالمًا، أو متعلمًا”؛ وإن خير العمل أن تفارق الدنيا، ولسانك رطب من ذكر الله، و«أجملوا في طلب الدنيا» أي اطلبوا الرزق طلباً جميلاً بأن ترفقوا، أي: تحسنوا السعي في نصيبكم منها بلا كد، وتعب، ولا تكالب وإشفاق؛ و”ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد في ما عند الناس يحبك الناس”؛ وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله دلني على عمل؛ إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: «ازهد في الدنيا يحبك الله…»؛ وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم». قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ قال: «ازهد في الدنيا يحبك الله…»؛ وقال عقبة: كانت آخر ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “ما أخذت الدنيا من الآخرة، إلا كما أخذ المخيط غمس في البحر من مائه”؛ وقال صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر أترى أن كثرة المال هو الغنى؟ إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، من كان الغنى في قلبه، فلا يضره ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه، فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا، وإنما يضر نفسه شحها». وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنتين: في حب الدنيا، وطول الأمل”، وجاء حديث في صحيح الجامع: “إن الله تعالى جعل عذاب هذه الأمة في الدنيا القتل»، أي يقتل بعضهم بأيدي بعض مع دعائهم إلى كلمة التقوى، واجتماعهم على الصلاة!!.

حال أكثر العرب، والمُسلمين اليوم قد شغلتهم الدُنيا فصارت في قلوبهم، وعُقولهم، فيقتَتِلون، ويقتلون بعضهم بعضًا على جيفة!؛ فيقتل الأخ أخاه، والقريب قريبه، والجار جاره، ويحاربون بعضهم بعضًا ويقطعون الأرحام صراعًا على الدُنيا التي غَرتهم، وأغَرتُهم وأضرتهم، وعَرتَهُم!؛ وإن خير الكلام قول الله تعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ؛ ولذلك كانت نظرة الصحابة إلى الدنيا نظرة مختلفة عنا اليوم تمامًا ، كانت نظرة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين متوازنة بشكل لافت للنظر، فهم من جانب لا يعطوا لها قيمة في حياتهم ويتنازلون عنها بسهولة، وببساطة شديدة، وكأنها لا تساوي درهمًا، ومع ذلك فهم من جانب آخر يعملون فيها بجد واجتهاد؛ فيزرعون، ويتاجرون، ويتكسبون المال، ويعمرون الأرض، فكان من الصحابة الكرام الأغنياء جدًا الذين لا تحصى أموالهم، والملاك الذين تجاوزت أراضيهم مئات الأفدنة؛ ولكن الدنيا في أعين الصحابة لم تكن غاية، ولم تكن هدفًا، بل كانت، وسيلة إلى إرضاء الله عز وجل،، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: “مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي، إِنَّمَا مَثَلِي، وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”.. ونحن حينما نقارن عمرك الذي سوف تعيشهُ في الأرض بالفترة التي ستعيشها في القبر بعد ذلك، ستكون مختلفة تمامًا، فقد تساوي في الثرى راحلٌ غدًا، وماضٍ من أُلوف السنين، وعلينا أن نُقارن كل ذلك بالخلود في الآخرة فيوجد أناس ماتوا، ودخلوا القبور منذ أكثر من ألف سنة، وأناس منذ ألفين، وأناس منذ خمسة آلاف سنة، ومن يعلم ماذا بقي في عمر الدنيا، وأنت مهما عشت، فكم ستعيش.. ستين، أو سبعين سنة، أو مائة سنة؟ ثم ماذا بعد؟ راح، مات، وتركها، وماذا يكون الوضع عند البعث في يوم القيامة؟ سيكون الوضع لا موت مرة ثانية، بل خلود وحياة إلى ما لا نهاية، إما جنة أو نار إلى ما لا نهاية، والعملة الوحيدة يوم القيامة ميزان الحسنات، والسيئات ومن ثم فضل ورحمة رب العالمين، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره؛ جاء عن أم المؤمنين السيدة عائشة قولها: “توفي رسول الله، وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد – حي من إنسان أو حيوان- إلا شطر شعير في رَفٍّ لي، كل ما عندي هو شطر شعير في رف لي، هذا هو حال بيت قائد، ونبي ورسول، وزعيم الأمة كلها، لا يوجد في بيتهِ غير شطر شعير؛؛ ولذلك فإن التوازن الذي أراد النبي أن يعلمه للأمة كما هو في قوله سبحانهُ، وتعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ، وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ”؛ فالدنيا لا تعدل عند الله عز وجل جناح بعوضة، والدنيا مثل كبش أسَكّ ميت، والدنيا شجرة في صحراء كبيرة، والدنيا اختبار، والله نَاظِّر ما نعمل فيه؛ وإن التنافس على الدنيا مَهْلكة، فعن جابرٍ : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ، وَالنَّاسُ كنفتيه، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ فَقالوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟! ثُمَّ قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ قَالُوا: وَاللَّه لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا أنَّه أَسَكّ، فكَيْفَ، وَهو مَيِّتٌ؟! فقال: فَوَ اللَّه للدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلى اللَّه مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ “، وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ”؛ وقال تعالى : “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”؛ وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما : “إذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك”؛ وعلينا أن نعيش في الدنيا مستعدين للرحيل للدار الأخرة الباقية الخالدة، وكأننا نموت غدًا، وحينما تغادر الرُوح الطيبة والنفس المطمئنة الجسد فإن شاء الله تكون راضية مرضية، وحية منعمة وفي الجنة الأرواح الطاهرة تلتقي، وترتقي.

الباحث، والكاتب، والمحاضر الجامعي، المفكر العربي، والمحلل السياسي

الكاتب الأديب الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل

عضو نقابة اتحاد كُتاب وأدباء مصر، رئيس المركز القومي لعلماء فلسـطين

رئيس مجلس إدارة الهيئة الفلسطينية للاجئين، عضو مؤسس في اتحاد المدربين العرب

عضو الاتحاد الدولي للصحافة الإلكترونية

 dr.jamalnahel@gmail.com

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عمر حلمي الغول

عمر حلمي الغول يكتب : ريان يحاكم العالم

ريان يحاكم العالم عمر حلمي الغول دولة إسرائيل الفاشية، الدولة الأكثر وحشية، ولا إنسانية، لا …