الرئيسية / الآراء والمقالات / حسان البلعاوي يكتب : ملك القدس” البلجيكي”

حسان البلعاوي يكتب : ملك القدس” البلجيكي”

حسانً البلعاوي

ملك القدس” البلجيكي”

حسان البلعاوي

ليس لبلجيكا علاقة تاريخية مميزة مع المنطقة العربية، فتواجدها خارج حدودها، وخاصة الاستعماري منه يتركز في افريقيا، ومع ذلك هناك روابط قديمة مع فلسطين تركت أثرا حتى يومنا هذا.

فعلى بعد أمتار قليلة من القصر الملكي في بروكسل، في مكان اسمة “الساحة الملكية” والقريب أيضا من كافة المؤسسات السيادية البلجيكية من حكومة وبرلمانات وفي أهم منطقة سياحية في بلجيكا، يرتفع تمثال ضخم لفارس يحمل راية، يطلق عليه “ملك القدس” غودفروا دوبيون ومكتوب عليه :

– “غودوفراوا دبيون، أول ملك للقدس

– ولد في بايزي في منطقة باربان

– مات في فلسطين في 17 يوليو 1100

– مرسوم (انشاء التمثال) في 2 نوفمبر 1845

– في عهد ليبولد”

وحسب الرواية التاريخية البلجيكية المتداولة، فقد ولد غودوفروا دبيون حوالي عام 1058 في بايزي في منطقة باربان، في بلجيكا قبل أن تكون كيانا، سيحصل على استقلاله في عام 1830، بعد انفصاله عن هولندا، وانه سليل عائلة حكمت دوقية اللورين السفلى، وأنه بذلك اصبح احد النبلاء الذين حكموا مدينة انفيرس في بلجيكا.

وتضيف هذه الرواية ان غودوفروا كان من أوائل النبلاء الأوروبيين الذين لبوا نداء البابا أوربان الثاني، في 1095، لارسال “حملة صليبية” من أجل “تحرير قبر المسيح في القدس من اعتداءات المسلمين” وقد لحق به أخواه اوستاش وبودوان.

وبعد معارك عنيفة في العديد من مدن المتوسط، وصل ” الجيش الصليبي” الذي يقوده غودوفروا دو بويون الى مدينة القدس والتي حاصرها أولا ثم دخلها في 15 يوليو 1099، في ظل مذابح مروعة شهدتها المدينة، وكان غودفروا في مقدمة المهاجمين.

وفي 17 يوليو من نفس العام، قرر أمراء وقادة الحملة تعيين غودوفروا دو بويون ملكا على القدس وتوزيع الأراضي القريبة المسيطر عليها كالرملة واللد وبيت لحم.

وتذكر الرواية أن الأخير رفض لقب ملك، مفضلا عنه لقب “حامي القبر المقدس”، وان يكون حاكما للمدينة كما رفض في ذات الوقت أن يرتدي تاجا من الذهب في “بلد لبس فيه يسوع تاجا من شوك”.

في 17 يوليو 1100، توفي غودوفروا دبيون، على اثر معركة في مدينة عسقلان حاول خلالها صد جيوب المسلمين التي حاولت استرداد القدس، ولم يتم تحديد السبب الحقيقي لوفاته، رغم وجود العديد من الروايات في هذا الصدد، وتم دفنه في فلسطين، وتحديدا في كنيسة القيامة في القدس هو واخيه بودوان، وما زال قبراهما موجودين حتى يومنا هذا في مدخل الكنيسة.

 

بطل قومي أم غاز دموي؟

ترى الرواية الوطنية البلجيكية في غودفروا دبيون شخصية أسطورية، وانه أحد أهم ابطالها ورموزها، لذلك قررت الدولة البلجيكية الناشئة حديثا في عام 1830، من خلال ثورة فصلتها عن هولندا، ان تكتب روايتها التاريخية، كأمة لها حضور واسهامات في الماضي، كما فعلت كل الدول الاوربية القومية.

لذلك بحثت في الماضي عن شخصية تجسد “البطولة” من منظورها ووجدت في غودفروا دبيون هذا الرمز الذي يعزز مجدها.

وسعت الرواية الرسمية البلجيكية الحديث عما سمته “صفات قتالية شجاعة” في “الايمان بالله والارتباط بالأرض المقدسة” .

وعزز البعد الديني في “اسطورة” غودفروا دبيون من شرعيه المملكة البلجيكية، وهذا البعد الديني مكون هام في بناء الدولة، على عكس ما حدث في جارتها الكبرى فرنسا والتي بثورتها، في نهاية القرن الثامن عشر احدثت قطيعة تامة بين الدولة القومية الحديثة والكنيسة.

كما أرادت المؤسسة البلجيكية أن تجعل شخصية بطلها الاسطوري، والمولود في منطقة باربان الواقعة جغرافيا على مساحة الاقليمين الاكبر في بلجيكا، فلاندر الناطق باللغة الهولندية وولوني الناطق باللغة الفرنسية، عامل انصهار ووحدة وطنية المكونين الرئيسين للمملكة البلجيكية، في بلد تطفو فيه، من حين لآخر حتى يومنا هذا توترات قومية ولغوية.

لذلك لم يكن صدفة ان تختار الدولة البلجيكية وهي في مرحلة بناء كيانها الوطني الجامع لكل البلجيكيين، في عام 1845، بناء تمثال ضخم لهذه الشخصية الاسطورية في الساحة الملكية، على بعد أمتار قليلة من القصر الملكي وأين؟ أمام كنيسة سانت جاك سور كودينبرغ والتي تجسد السيادة البلجيكية، حيث أدى أول ملك للبلجيكيين، ليوبولد الأول، اليمين الدستورية في 21 يوليو 1831، وهو تاريخ العيد الوطني الرسمي لبلجيكا.

وأيا كان التقييم التاريخي والسياسي لهذه “الحروب الصليبية” من وجهة النظر البلجيكية والاوروبية، على فلسطين في مراحل مختلفة من التاريخ، فان الفلسطينيين والعرب يرون فيها حروبا استعمارية تم شنها باسم الدين، وارتكبت بها مجازر ضد سكانها من مسلمين ومسيحيين، سالت بها الدماء حتى وصلت الى ركاب الخيل، كما كان يقول الرئيس الراحل ياسر عرفات في أحاديثه وخطاباته الجماهيرية، حين كان يرفض مصطلح “الحروب الصليبية” مستبدلا إياه بمصطلح “حروب الافرنجة” لأنه كان يذكر ان المسيحيين العرب من سكان فلسطين شاركوا الى جانب اخوانهم المسلمين بمقاومة جيوش الفرنجة الاستعمارية بقيادة غودوفروا دوبيون والذي نظر اليه الفلسطينيون كغاز دموي ارتكب أبشع المجازر.

وحدها بلجيكا من الأمم الاوروبية والتي شاركت في هذه الحملات والحروب، اختارت ان تجعل من احد نبلائها، غودفروا دبيون، رمزا لمجدها ووحدتها الوطنية وتخصص له في مدينته بويون، متحفا حديثا، يقدم الرواية الحماسية عنه “كبطل اسطوري” وتحافظ على قصره وتجدده ليكون المتحف والقصر معلمين أساسيين في المنطقة يجتذبان السياح من كل مكان.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

تمارا حداد

تمارا حداد تكتب : دور المنظمات غير الحكومية في تعزيز الحقوق والحريات العامة

دور المنظمات غير الحكومية في تعزيز الحقوق والحريات العامة بقلم: تمارا حداد الحديث عن حقوق …