الرئيسية / الآراء والمقالات / د. سالم سرية يكتب : في تجديد الفكر القومي- الدولة القطرية-الجزء الثاني

د. سالم سرية يكتب : في تجديد الفكر القومي- الدولة القطرية-الجزء الثاني

د.سالم سرية  :اكاديمي وكاتب (فلسطين)
د.سالم سرية :اكاديمي وكاتب (فلسطين)

في تجديد الفكر القومي- الدولة القطرية-الجزء الثاني

د. سالم سرية: أكاديمي وكاتب (فلسطين)

الموقف من الدولة القطرية: 

اولا-_البناء على ما هو قائم منها   

ثانيا- نسف الدول القطرية من جذورها

التيار الاول: يعتبر المفكر محمد جابر الانصاري1 ومعه اخرين ان الدولة القطرية واقعا قائما لا يمكن تجاوزه لتحقيق الوحدة وبالتالي يجب التعامل معه بالأساليب السلمية .فهو يرى ان هذه الدولة القطرية قد ولدت بفعل تطور طبيعي قائم على طبيعة الوطن العربي ، وربما بمعزل، مما هي نتاجا لخطة استعمارية. وهذا يعني ان الدولة القطرية في حالة انسجام مع الدولة القومية وبالتالي فهي ليست نقيضها وعدوها.

ولفهم العوامل الموضوعية الأكثر عمقا والتي عطلت قيام دولة عربية موحدة، رأى الأنصاري، أن هناك خمس عوامل معطلة : (1) الحواجز الصحراوية التي شكلت قطيعة مكانية وعزلة.

 (2) الهجرات والغزوات البدوية التي اجتاحت مراكز العمران والدول، وحسمت مصير المنطقة.

 (3) عدم نشوء وتطور قوة تماسك وتضامن اجتماعي مديني وحضري، تكون أساس لتوليد السلطة السياسية، مما جعلها في حاجة دائمة ل (قوة حماية) من الخارج.

 (4) ضعف مشاركة العرب في حكم الدولة وإدارتها، خلال الألف سنة الأخيرة، إذ ان العرب لم يمارسوا فن قيادة الدولة وإدارتها ونظمها ومؤسساتها.

 (5) غياب النظام الاقطاعي، بالمفهوم الأوروبي، في المنطقة العربية، باعتبار هذا النظام، يقود إلى تنامي وتفعيل النسيج المجتمعي الإقليمي، مما يؤدي إلى توحيد أجزائه المتواصلة في كيان واحد.

  ان فلسفة التجزئة الجغرافية بين اقطار الوطن العربي بناء على العامل الاول اعلاه وحسب تصور الجابري هو ان 90% من مساحة الوطن العربي كلها صحارى وان الاقطار العربية اشبه بجزر متناثرة في هذه الصحارى وبالتالي حالت دون التفاعل بين ابناء الامة. ان العرب في العصر الحديث قد استسلموا للقطيعة الجغرافية في ما بينهم، بينما تغلب عليها اجدادهم بوسائلهم البسيطة. وما لم يتم انماء الفواصل الصحراوية، وتوصيلها بطرق النقل الحديث وفتح الحدود العربية في سوق عربية مشتركة، فان الوحدة الطبيعية للوطن العربي ستبقى غير مستثمرة، بل لا يمكن الحديث عنها كوحدة طبيعية

وبناء على دراسته للمجتمع العربي عبر التاريخ وجد الأنصاري ان ظاهرة الصراع الاقتصادي في التاريخ العربي يتمحور عبر عاملين : 

  1ـ الصراع القبلي: العشائري العصبي (صراع الجماعات والاحلاف القبلية والعشائرية على المصالح والمنافع والسيادة، بدوية كانت تلك الجماعات ام حضرية وذلك مقابل الصراع الطبقي في البيئات الاخرى..   

2-ـ الصراع النمطي بين نمطين متناقضين من نظم الانتاج لم يحدث حسم تاريخي بينهما الى امد طويل، بسبب خصوصية الاوضاع الطبيعية والمجتمعية في المنطقة العربية، وبالنظر الى تداخل الامتداد القبلي بين النمطين “(البدوي والحضري) الامر الذي ادى الى تمييع” التناقض والحسم بينهما لوجود شرائح من الكيان القبلي ذاته على جانبي خط المواجهة بين النمطين الانتاجيين في البادية والحاضرة . .

كما يشير الجابري في اطروحته الى ان الامة مقسمة قبل الاستعمار العثماني وقبل سايكس بيكو وان العامل الداخلي في تركيبة المجتمعات العربية ذات الطبيعة القبلية والعشائرية –واستنادا الى منهج ابن خلدون-قد لعب دورا رئيسيا في شرذمة العرب – حيث بين في دراسته ان العصبية القبلية هي التي تفسر تاريخ المجتمع العربي منذ بزوغ الاسلام وحتى وقتنا الحاضر ووقف بالضد من التفسير الماركسي لتاريخ المجتمعات الغربية التي تعول على الصراع الطبقي فيه – من المشاعية مرورا بالإقطاعية وصولا الى الشيوعية- ذلك ان الإقطاع الاوروبي هو الذي ساهم في تحقيق الوحدة القومية في اوروبا!!!- واستنادا الى ابن خلدون –على حد اعتقاده –انه لولا الإستعمار الذي قسمنا الى دزينتين من الدول لتشظت الامة الى 500 عشيرة تحكم هنا وهناك!. ومن يؤيد الانصاري في طرحة يضيف مثلا معاصرا في ليبيا بعد القذافي بالقول ان المناطق المتناحرة حاليا- بنغازي وطبرق ومصراتة – سبق وان وحدهم الإستعمار الإيطالي بالقطر الليبي المعروف وها هو عاد الصراع والتناحر القبلي بينهم ليطل رأسه من جديد. وفي ملمح اخر وضع ابن خلدون يده على ذلك الجانب في المجتمع العربي الذي يجعل من السلطة المطلقة امرا لا بديل منه ويفسر منشأها عندما قال:( ان من عوائد العرب الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة … فهم متنافسون في الرئاسة، وقل ان يسلم احد منهم الامر لغيره ولو كان اباه واخاه … وقلما تجتمع اهوائهم “فتصبح الاحوال” كانها فوضى دون حكم.

  يقول المفكر البحريني يوسف الحسن: لقد أمضينا نحو قرن من الزمان، ونحن نلعن سايكس، وبيكو…(قسمنا وجزئنا….الخ). وما زال الفكر القومى.. ينظر إلى الدولة الوطنية.. ُقطرا مؤقتا.. وقد لا يعنيه كثيرا. وكذلك ظل أصحاب الفكرالإسلاموي… يتجاوزون الدولة الوطنية إلى(الخلافة) والبعض رأى فى الدولة الوطنية، جاهلية تستحق الهجرة عنها ولا تعنيه لو هدمت أعمدتها ونسيجها المجتمعى3. وهناك تيارات فكرية أخرى، لم تعط اهتماما فكريا كبيرا لمسألة تحصينها وتنميتها وتوفير إدارة رشيدة للحكم فيها. وفى كل األاحوال، لم يقدم الفكر العربى، ولا النظام الرسمى العربى(الجامعة العربية) نظريا وفى ممارساته، ما هو أفضل مما أعطانا إياه سايكس ورفيقه بيكو.. وها نحن اليوم عمليا.. نقبض على الدولة الوطنية. مدافعين عن سيادتها وترابها وخريطتها الجغرافية، ونخشى عليها من االاختراق والغرق وتمزق نسيجها األاهلى االجتماعى.. ونذود عنها مخاطر التقسيم، ومهددات اإلارهاب، وقد تربت أجيال فى ظلها وغنت أناشيدها… وتحملت أوجاعها وعثراتها، وحلمت بازدهارها، وتكاملها مع شقيقاتها. آن ألأوان.. أن يعيد الفكر العربى تثمين قيمة الدولة الوطنية العربية، وينشغل فى تعزيز مقتضياتها. إن ما نحتاج إليه اليوم، فى فكرنا المنشود، هو تعزيز هذه الدولة الوطنية،2

  ان هذا التيار يرى ان النضال السلمي لتحقيق ما ورد اعلاه لن يجعل هذه الكيانات تتوجس على انظمتها وتحارب الإتجاهات الوحدوية السلمية وربما تجعلها تحول دون استحضار العدو الصهيوني الى ملعبنا ليدافع عنا امام التغول الإيراني ولا استحضاره في المغرب العربي لحل مشكلة الصحراء كما سيكون له انعكاس ايجابي كبير جدا على القضية الفلسطينية التي اصبحت وحيدة بوجه الغول الصهيوني .

   ويرى البعض انه ومن الناحية الواقعية يمكن ان يتم تطوير الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والإنتفال من حالة التناحر حول النزاعات الحدودية الى مرحلة التفاهم ثم التنسيق والتعاون لغرض إحياء السوق العربية المشتركة وتعزيز التبادل التجاري بين الاقطار العربية حتى يشعر المواطن العربي –الفقير والغني – ان له مصلحة معاشية ملموسة في اقامة اي شكل وحدوي .ويتسائل هذا التيار : اليس ممكنا ان تقف كل دول الخليج بوجه التغول الإيراني اذا ارتقت بمجلس التعاون الخليجي عوضا عن التنناحر حول الزعامة بينهم وكذا الحال بين مصر والسودان حيث يمكنهما الوقوف بوجه التغول الاثيوبي وكذا دول المغرب العربي بوجه التغول الفرنسي ….الخ

 هذه بعض المبررات الواقعية التي تطرح لغرض البناء عليها انطلاقا من مبدأ إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الكيانات القائمة قبل ان تتشظى مستقبلا. وتضم شريحة كبيرة من مثقفي الانظمة4 معللة ذلك بان موجة الشرذمة والتفتيت للكيانات الفائمة اتية لا محالة (العولمة ونظرية برنار لويس وقرار الكونغرس بتقسيم العراق ….الخ من المنشورات الفكرية الغربية والصهيونية الهائلة ذلك لان الكيان الصهيوني يدرك قبل غيره ان مقتله بوحدة العرب (قرارات مؤتمر هرتزليا ). لذا يدعو هذا التيار الى ترصين التماسك الوطني كأولوية قبل القفز الى التماسك القومي بغض النظر عن طبيعة هذه الانظمة حيث يقول احدهم5 ان النزعة إلى الوحدة أو الاتّحاد بأيّ صيغة ونموذج، لا بدّ أن يسبقها بناء الدولة القطريّة على أُسسٍ سليمة أهمّها الاستقرار والحريّة والنموّ الاقتصادي والوعي الاجتماعي والسياسي الواقعي بالفوائد التي يجنيها القطر، ويجنيها الفرد اقتصاديّاً وسياسيّاً من الاتّحاد .ويتابع حديثه بان الدولة القطرية يمكن ان تكون اساسا لبناء الدولة الفدرالية العربية.- .ولياخذ العرب العبرة مما حل في العراق وسوريا واليمن وليبيا من دمار كمقدمة لتفكيكها مجددا الى كيانات على صيغة ملوك الطوائف في الأندلس تلك التي قسمت الى 22 كيان. 

 الهوامش :

1- محمد جابر النصاري-تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية-مركز دراسات الوحدة العربية 1994

 تحميل كتاب تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية pdf لـ محمد جابر الأنصاري – 

https://books4arab.me/%D8%AA%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%84-%D9…/

   2- دور المثقفين في تجديد الفكر العربي بقلم:يوسف الحسن (alwatanvoice.com)

    الدولة العربية القطرية والسيطرة الغربية الاستعمارية – سيف الهاجري (saifalhajri.com)3-

4-احمد الفقي –تجديد الفكر القومي رابط التحميل : تحميل كتاب تجديد الفكر القومي pdf – مكتبة نور (noor-book.com)

5-الدولة القُطريّة كأساس للدولة الفدراليّة العربيّة | Aleph Lam (aleph-lam.com)

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

محمد جبر الريفي

محمد جبر الريفي يكتب : المراهنة على تحقيق الوحدة الوطني

  المراهنة على تحقيق الوحدة الوطنية في مقابل أنقسام الموقف العربي الرسمي     محمد …