الرئيسية / تحقيقات و حوارات / مشاريع التسوية السلمية من 1948 – 1967: حتى يومنا

مشاريع التسوية السلمية من 1948 – 1967: حتى يومنا

StaZCd86V7CrmMSydpbzzgI44JINWfrkBVMGGKPr

مشاريع التسوية السلمية من 1948 – 1967: حتى يومنا

رئيس تحرير افاق الفلسطينيه
رئيس تحرير افاق الفلسطينيه

اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله

 القاسم المشترك لمشاريع التسوية لتلك المرحلة هو التعامل مع قضية فلسطين بوصفها قضية لاجئين، وليس قضيه سياسيه . ففي 11 ديسمبر 1948 وبناء على مشروع بريطاني وافقت الأمم المتحدة على إصدار القرار 194 القاضي بوجوب السماح بالعودة للاجئين الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى بيوتهم في أقرب وقت ممكن، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وأن يتم تعويض أي مفقود أو مصاب بضرر من الجهة المسئولة عن ذلك. ويعني قرار العودة هذا أن:

1. العودة حق واجب التنفيذ.

2. وهي تتوقف على الاختيار الحر للاجئ.

3. وهي حق طبيعي وليس منّة من أحد.

4. ولا يجوز لأحد منع هذا الحق أو حجبه.

5. وأن عودته إلى وطنه هي عودة مواطن له كامل الحقوق المدنية والسياسيه

ومن الجدير بالذكر أن قرار حق العودة هذا قد جرى التأكيد عليه سنوياً في اجتماعات الأمم المتحدة، وصدر أكثر من 110 مرات حتى الآن، مع رفض “إسرائيلي” مستمر لتنفيذه، ودون أن تتحرك الأمم المتحدة بأي خطوة عملية لإلزام الكيان الصهيوني به. .

وقد تضمن القرار 194 نفسه مادة تنص على تشكيل لجنة توفيق ومصالحةبين الكيان الصهيوني والدول العربية. وتشكلت اللجنة من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، ودعت اللجنة في أواخر 1949 الكيان الصهيوني لقبول عودة 100 ألف لاجئ فلسطيني مقابل الحصول على صلح مع العرب، لكن الكيان الصهيوني رفض ذلك بشكل قاطع. وتعاونت الدول العربية مع لجنة المصالحة، لكن إصدار الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بيانها الشهير في 25 مايو 1950 بحماية الحدود “الإسرائيلية” القائمة (رغم أنها تحتل مساحة إضافية من فلسطين تقدر بحوالي 23%) كشف النوايا الحقيقية لهذه الدول، مما دفع الدول العربية لرفض مقترحات لجنة المصالحة المتعلقة بترتيبات التسوية مع الكيان الصهيوني. وقد عقدت اللجنة مؤتمراً في لوزان بسويسرا في 26 إبريل 1949 وكان الكيان الإسرائيلي تحت ضغط الحاجة إلى قبوله عضواً في الأمم المتحدة فوافق ووقع على “بروتوكول لوزان” الذي تضمن:

1. أن تكون الخريطة الملحقة بقرار تقسيم فلسطين هي أساس للمحادثات بشأن مستقبل فلسطين.

2. انسحاب “إسرائيل” إلى ما وراء حدود التقسيم.

3. تدويل القدس.

4. عودة اللاجئين وحقهم في التصرف بأموالهم وأملاكهم، وحق تعويض من لا يرغب بالعودة.

ولكن ما إن وافقت الأمم المتحدة على عضوية الكيان الإسرائيلي فيها حتى تنكرّت “إسرائيل” لاتفاقية لوزان، ورفضت تنفيذ شروطها. وقد عطَّلت “إسرائيل” أي عمل للجنة متعلقٍ بتنفيذ التقسيم أو عودة اللاجئين. وبدا واضحاً أن الموقف الصهيوني وجد هوى غير معلن لدى لجنة المصالحة التي تعمَّدت التقاعس وإماتة الموضوع، وافتقرت لأدنى درجات الجدية، وسكتت سكوتاً مريباً عن مصادرة الكيان الصهيوني لأراضي اللاجئين وأملاكهم. ومن الجدير بالذكر أن لجنة المصالحة هذه ظلَّت (من الناحية الرسمية) مشكلة لعشرات السنين، وظلّ تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة يأسف سنوياً لعدم تمكن هذه اللجنة من إيجاد الوسائل لتحقيق أي تقدّم بشأن عودة اللاجئين، ويطلب منها أن تبذل جهوداً متواصلة من أجل ذلك (مثلاً قرار ب3419 في 8 ديسمبر 1975).

وفي إطار التعامل مع قضية فلسطين كقضية لاجئين أُنشئت “وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وتشغيلهم (الأونروا)” بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 ديسمبر[13]. وأخذ يتضح مع الزمن أن مزاج القوى الكبرى العام يتجه نحو إيجاد حلول اقتصادية لمصاعب الحياة التي يواجهها اللاجئون، وتوطينهم حيث استقروا أو في أماكن أخرى، وليس إعادتهم إلى أرضهم أو إعطائهم حقوقهم السياسية في الهوية الوطنية وتقرير المصير والاستقلال.

وتوالت المشاريع التي تركز على قضية اللاجئين وعلى تحقيق تسوية بين الدول العربية والكيان الصهيوني، دونما إشارة لإنشاء كيان سياسي فلسطيني. فكان هناك المشروع النرويجي في 26 نوفمبر 1952 الذي دعا إلى توقف الأعمال العدوانية والدخول في مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية. وكان هناك مشروع “جاما” الأمريكي 1955 – 1956، حيث يذكر مايلزكوبلاند أن روزفلت حصل على موافقة كل من بن جوريون وجمال عبد الناصر على عقد لقاء سرِّي على متن يخت في البحر المتوسط. ولكن عبد الناصر أصَّر أن توافق “إسرائيل” من حيث المبدأ على قبول عودة الفلسطينيين الراغبين في العودة وأن تحصل مصر على ممر يوصلها بالأردن، لكن المشروع فشل لرفض الجانب الإسرائيلي مناقشة أي تنازلات من طرفه. وهناك مشروع جونستون الأمريكي 1953 – 1955 الذي استهدف تصفية قضية اللاجئين وقضية فلسطين، عن طريق تعاون الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي في استثمار مياه نهر الأردن بطريقة تكفل تطور المنطقة زراعياً، وتهيئة سبل الاستقرار فيها للاجئين، ولمزيد من المهاجرين اليهود. وقد رفض مؤتمر اللاجئين المنعقد في القدس في 20 مايو 1955

وهناك مشروع دالاس وزير الخارجية الأمريكي الذي دعا في 26 أغسطس 1955 إلى إنهاء مشكلة اللاجئين بعودتهم إلى وطنهم “إلى الحد الذي يكون ممكناً”، وبتوطين الباقي في المناطق العربية التي يقيمون فيها، ودعا إلى إجراءات جماعية لمنع أي حرب أو عدوان بين دول المنطقة، وإلى تسوية الحدود بين البلاد العربية والكيان الإسرائيلي

وتعاونت مصر مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) خلال الفترة 1953 – 1955 في تنفيذ مشروع لتوطين لاجئي قطاع غزة في شمال غرب سيناء، وقد اتخذ المشروع أبعاداً مفصلة وجدية، غير أنه لقي معارضة شاملة وعنيفة من فلسطينيي القطاع، الذين خرجوا إثر الهجمة الصهيونية على القطاع في 28 فبراير 1955 في تظاهرات قوية تطالب بتشكيل جيش تحرير فلسطيني، وإيقاف مشروع شمال غرب سيناء، وإطلاق الحريات … وتم إسقاط المشروع

وفي 9 نوفمبر 1955 طرح رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن مشروعه الذي يدعو إلى الوصول إلى “صيغة تسوية” بين الموقف العربي الذي يطالب بحدود التقسيم عام 1947، والموقف الإسرائيلي المتمسك بحدود الهدنة. ورفضت “إسرائيل” المشروع وقال بن جوريون “إن غزو الدول العربية لأرض فلسطين في حرب 1948 قد جعل كافة قرارات هيئة الأمم المتحدة حول فلسطين لاغية وباطلة بدون أية إمكانية لإعادتها إلى الحياة

وفي 15 يونيو 1959 صدر عن همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة مشروع ركز على حل مشكلة اللاجئين بتوطينهم واستيعابهم عبر مساعدة الدول التي يتواجدون فيها اقتصادياً، رغم إشارته إلى حقهم في العودة. وقد رفض الفلسطينيون هذا المشروع بقوة وأقام ممثلوهم في لبنان المؤتمر الفلسطيني الذي عقد في 26 يونيو 1959، والذي رفض تذويب الفلسطينيين في اقتصاديات الشرق الأوسط

وفي 2 أكتوبر 1962 قدَّم جوزيف جونسون رئيس مؤسسة “كارنيجي” للسلام العالمي مشروعه لحل مشكلة اللاجئين بعد أن كلفته الحكومة الأمريكية سنة 1961 بدراستها، وأكد في مشروعه على حق اللاجئين الحر بالعودة أو التعويض، مشيراً إلى بعض آليات تنفيذ ذلك

أما المشروع العربي الوحيد في تلك الفترة الذي يستحق الإشارة باعتباره اختراقاً للإجماع العربي حول “السلام” مع الكيان الصهيوني، فكان المشروع التونسي الذي قدمه الحبيب بورقيبة رئيس تونس في 21 إبريل 1965 وتضمن:

1. أن تعيد “إسرائيل” إلى العرب ثلث المساحة التي احتلتها منذ إنشائها لتقوم عليها دولة عربية فلسطينية.

2. يعود اللاجئون إلى دولتهم الجديدة.

3. تتم المصالحة بين العرب وإسرائيل بحيث تنتهي حالة الحرب بينهما.

وقد رحب الكيان الإسرائيلي بمقترحات بورقيبة بوصفها اتجاهاً جديداً في التفكير العربي، لكنه رفض التنازل عن أي جزء من الأرض التي استولى عليها. وقد قوبلت مقترحات بورقيبة باستهجان ورفض عربي شعبي ورسمي عارم.

وقد ردَّ “ليفي اشكول” رئيس الوزراء الصهيوني على بورقيبة بمشروع تسوية أعلنه في 17 مايو 1965 مبنيٍ على تثبيت الأوضاع القائمة مع تعديلات طفيفة، ومفاوضات مباشرة وإحلال سلام دائم وتطبيع العلاقات مع البلاد العربية

مشاريع التسوية 1967 – 1987:

أفرزت حرب يوليو 1967 حقائق جديدة على الأرض، فقد احتل الصهاينة ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، فضلاً عن سيناء المصرية والجولان السورية. وكانت كارثة بحق، فقد تبخرت ثقة الأنظمة العربية بقدرتها على تحرير فلسطين، كما تبخرت ثقة الجماهير العربية بهذه الأنظمة. وتحوَّل الشغل الشاغل للأنظمة العربية عن تحرير الأرض المحتلة عام 1948 إلى تحرير الأرض المحتلة سنة 1967، أو تحقيق أي تسوية سلمية تضمن “إزالة آثار العدوان”، أي عدوان 1967. وبالتالي تمكَّن الكيان الصهيوني من فرض جدول جديد لمشاريع التسوية، تركَّز على أراضٍ لم تكن محتلة أصلاً بحيث أصبحت هي موضوع المساومة، وليس أرض 1948 التي ضَمن الصهاينة أن تخرج عن دائرة البحث ابتداء. ورغم أن مؤتمر قمة الدول العربية الذي انعقد في الخرطوم في 29 أغسطس 1967 خرج باللاءات الثلاث الشهيرة “لا صلح، لا مفاوضات، لا استسلام”، إلا أن ذلك كان استجابة للحالة النفسية للجماهير العربية المصدومة التي تطالب بالثأر والانتقام، ولم يكن ذلك خطّاً أصيلاً يرفض على أساسه مشاريع التسوية، إذ إن الأنظمة العربية سرعان ما ستتعامل مع هذه المشاريع. كما أنها لن تقوم بتنفيذ خطط عمل استراتيجية تخدم تلك الشعارات المعلنة.

وقد أصبحت مشاريع التسوية من الكثرة بحيث يصعب مجرد سردها، غير أن الإطار العام للمشاريع العربية سيتركز على انسحاب الكيان الصهيوني من الأرض المحتلة سنة 1967، والإطار العام للمشاريع الإسرائيلية سيتركز على إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقة طبيعية مع البلاد العربية، مع إنكار حقوق الشعب الفلسطيني. أما الإطار العام للمشاريع الدولية فسيحاول الجمع بين الرؤيتين العربية والصهيونية، بحسب الجهة التي تقدم المشروع وطبيعة علاقتها بالطرفين.

مشروع آلون:

بعد شهر واحد من حرب 1967 طرح وزير الخارجية الإسرائيلية إيجال آلون مشروعه الذي حظي بشهرة واسعة وتضمنت أفكاره:

1. الحدود الشرقية للكيان الإسرائيلي هي نهر الأردن وخط يقطع البحر الميت من منتصفه.

2. ضم المناطق الغربية لغور الأردن والبحر الميت بعرض بضعة كيلومترات إلى نحو 15 كيلومتراً، وإقامة مستوطنات صهيونية زراعية وعسكرية ومدنية فيها بأسرع ما يمكن، وإقامة ضواحي سكنية يهودية شرقي القدس.

3. تجنُّب ضم السكان العرب إلى الكيان الإسرائيلي قدر الإمكان.

4. إقامة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية في المناطق التي لن يضمها الكيان الإسرائيلي.

5. ضم قطاع غزة للكيان الإسرائيلي بسكانه الأصليين فقط، ونقل لاجئي 1948 من هناك وتوطينهم في الضفة الغربية أو العريش.

6. حل مشكلة اللاجئين على أساس تعاون إقليمي يتمتع بمساعدة دولية. وتقوم “إسرائيل” بإقامة عدة قرى “نموذجية” للاجئين في الضفة وربما في سيناء.

ورغم أن آلون طرح مشروعه على حكومته إلا أنها لم تقم بمناقشته أو تبنِّيه رسمياً. ومع ذلك، فإن هذا المشروع أصبح بعد ذلك أساساً تنطلق منه معظم – أو كل – مشاريع التسوية الإسرائيلية حتى أواخر القرن العشرين مع بعض التعديلات أو الديكورات الطفيفة.

قرار مجلس الأمن 242 في 22 نوفمبر 1967[23]:

يعد قرار مجلس الأمن 242 من أهم المشاريع التي لا تزال تستند إليها كافة مشاريع التسوية إلى الآن. وقد قدَّمت بريطانيا هذا المشروع ووافق عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع. وكان مجلس الأمن قد انعقد في الفترة 9 – 22 نوفمبر 1967 واستمرت اجتماعاته 107 ساعات في 32 جلسة، قدمت فيها أربعة مشاريع: سوفييتي وأمريكي وبريطاني، ومشروع قدمته ثلاث دول هي الهند ومالي ونيجيريا.

أما نص القرار فنذكره لأهميته ولأنه الأكثر تداولاً حتى الآن:

“إن مجلس الأمن إذ يعرب عن قلقه المتواصل بشأن الوضع الخطر في الشرق الأوسط، وإذ يؤكد عدم القبول بالاستيلاء على أراض بواسطة الحرب، والحاجة إلى العمل من أجل سلام عادل ودائم تستطيع كل دولة أن تعيش فيه بأمن، وإذ يؤكد أن جميع الدول الأعضاء بقبولها ميثاق الأمم المتحدة قد التزمت بالعمل وفقاً للمادة الثانية من الميثاق:

أولاً: يؤكد أن تحقيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق المبدأين التاليين:

أ. سحب القوات الإسرائيلية المسلحة من أراضٍ احتلت في النـزاع الأخير.

ب. إنهاء جميع ادعاءات الحرب أو حالاتها واحترام السيادة والوحدة لأراضي كل دولة في المنطقة والاعتراف بذلك، وكذلك استقلالها السياسي، وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد أو أعمال القوة

ثانياً: يؤكد أيضاً الحاجة إلى:

أ. ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.

ب. تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

ج. ضمان المناعة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، عن طريق إجراءاتٍ بينها إقامةُ مناطق مجردة من السلاح.

ثالثاً: يطلب من الأمين العام تعيين ممثل خاص للذهاب إلى الشرق الأوسط كي يقيم ويجري اتصالات مع الدول المعنية بغية إيجاد اتفاق ومساعدة الجهود لتحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقاً للنصوص والمبادئ الواردة في مشروع القرار هذا.

رابعاً: يطلب من الأمين العام أن يرفع تقريراً إلى مجلس الأمن حول تَقدُّم جهود الممثل الخاص في أقرب وقت ممكن”.

ومن أبرز عيوب هذا القرار أنه:

– لا يعيِّن بوضوح الخطوط التي يجب أن ينسحب منها الكيان الإسرائيلي.

– يُقرُّ للكيان الإسرائيلي ما حازه من توسع غير قانوني قبل حرب 1967.

– لا يتناول جوهر “النـزاع” وهو قضية فلسطين إلا من زاوية اللاجئين، أي أنه لا يتعرض للحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني.

– يجعل الانسحاب “الإسرائيلي” رهناً بتحقيق شروط أخرى.

– تم حذف “ال” التعريف في النص الإنجليزي (The) ليصبح الانسحاب من “أراضٍ” وليس “الأراضي” التي احتلها الصهاينة. بمعنى أن الانسحاب لن يكون بالضرورة شاملاً من كل الأرض. أما النصين الفرنسي والإسباني فقد أبقيا على أداة التعريف، ولذلك ذكرت فرنسا والاتحاد السوفييتي ومالي والهند ونيجيريا قبل الموافقة على القرار أنها تفهم أن الانسحاب سيكون شاملاً. وبالطبع، فإن الكيان الإسرائيلي والأمريكان يرفضون الرجوع إلّا إلى النص الإنجليزي.

وفي الفترة 9 – 12 ديسمبر 1981 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات كان من ضمنها أن قرار 242 لا يؤمن مستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة، وأكدت حقه في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة الوطنية .[24].

وقد رفضت م.ت.ف وكل المنظمات الفدائية الفلسطينية قرار 242 حين صدوره لأنه يعني “تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية”. كما رفضت سوريا والعراق والجزائر هذا القرار، أما الأردن ومصر فقد وافقتا على القرار[25].

وقد عينت الأمم المتحدة جونار يارنج (سفير السويد في موسكو) مبعوثاً خاصاً لها لمتابعة تنفيذ هذا القرار، وقد قام بعدة جولات واتصالات على مدى يزيد عن ثلاث سنوات ..، حيث ركزت المطالب العربية على اشتراط أن أيَّ تسوية سلمية تعني العودة إلى حدود ما قبل حرب 1967 مع عودة اللاجئين. أما الكيان الإسرائيلي فركز على الدخول في محادثات سلام دون شروط مسبقة، كما عرض انسحابات من سيناء بشرط أن تكون منـزوعة السلاح وأن يبقى شرم الشيخ بيده، وعرض انسحابات من أجزاء من الضفة الغربية، لكنه رفض إعادة قطاع غزة والجولان، وأصر على بقاء القدس الموحدة (الشرقية والغربية) جزءاً من الكيان الإسرائيلي، مع رفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية. وهذا ما تم عرضه في مشروع إسرائيلي عرف باسم رئيسة وزرائها “مشروع جولدا مائير” في 9 فبراير 1971. وفشلت في النهاية مهمة يارنج، رغم كثرة المشاريع المتبادلة بين الطرفين[26].

مشروع روجرز 25 يونيو 1970:

وليم روجرز هو وزير الخارجية الأمريكي، وقد طرح مشروعاً على الأردن ومصر والكيان الإسرائيلي يستند أساساً إلى تنفيذ قرار 242، وإقامة مباحثات للتوصل إلى اتفاق سلام “عادل ودائم” على أساس الاعتراف بالسيادة وسلامة الكيان الإقليمي لكل طرف واستقلاله السياسي.

وافقت مصر في 23 يوليو والأردن في 26 يوليو 1970 على مشروع روجرز. وقد رفضته “إسرائيل” في البداية، لكنها عادت تحت الضغط الأمريكي فأبدت موافقة متحفظة في 6 أغسطس 1970. وقد أحدثت موافقة مصر والأردن انشقاقاً في الصف العربي، وهاجمته م.ت.ف وفصائلها الفدائية بشدة لأنه يعني التنازل نهائياً عن هدف تحرير فلسطين وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني. غير أن الكيان الإسرائيلي نفسه حاول التهرب وإفشال المشروع لأنه يتضمن انسحاباً من بعض الأراضي، ثم إن الأردن انشغل بتصفية العمل الفدائي في الأردن في سبتمبر 1970، كما توفي جمال عبد الناصر في الشهر نفسه، مما جمّد هذه المبادرة عملياً.

مشروع المملكة العربية المتحدة 1972:

بعد أن تمكنت السلطات الأردنية من السيطرة تماماً على الأوضاع وتصفية التواجد الفدائي الفلسطيني (أيلول / سبتمبر 1970، وتموز / يوليو 1971)، أعلن الملك حسين في خطاب له في 15 آذار / مارس 1972 مشروع “المملكة العربية المتحدة”. وهو مشروع جاء استثماراً من السلطات الأردنية لما بدا انتصاراً على م.ت.ف والفصائل الفلسطينية، وجزءاً من “المعركة” بينهما على تمثيل الفلسطينيين أو جزء منهم.

تلخص برنامج “المملكة العربية المتحدة” في أن تتكون هذه المملكة من قطرين فلسطين (الضفة الغربية وأي جزء يتم تحريره أو يرغب بالانضمام) والأردن، ويرتبط القطران بوحدة فدرالية تحت سلطة الملك. وهناك سلطة تنفيذية مركزية يتولاها الملك ومعه مجلس وزراء مركزي. وهناك سلطة تشريعية مركزية يتولاها الملك ومعه “مجلس الأمة” ينتخب أعضاؤه بالاقتراع السرِّي المباشر وبعددٍ متساوٍ من الأعضاء لكل من القطرين. ولكل قُطر حاكم عام من أبنائه ومجلس وزراء قُطري من أبنائه أيضاً، وله سلطة تشريعية خاصة به هي “مجلس الشعب”. وللمملكة قوات مسلحة واحدة قائدها هو الملك

ولم يكتب لهذا المشروع النجاح، فالضفة الغربية تحت الاحتلال “الإسرائيلي” الذي لا يرغب بالانسحاب. كما كان لـ م.ت.ف والمنظمات الفدائية تواجد وتأييد قوي في الساحة الفلسطينية يمكن أن يعطّل هذا المشروع. وقد رفضت م.ت.ف وكافة فصائلها المشروع الأردني، وعقد المجلس الوطني الفلسطيني لـ م.ت.ف دورة استثنائية في نيسان / إبريل 1972 وانعقد بموازاته مؤتمر شعبي حضره نحو 500 شخص يمثلون بشكل واسع الأوساط الفلسطينية حيث تم رفض المشروع[29].

قرار مجلس الأمن 338 (سنة 1973):

أصدر مجلس الأمن هذا القرار في 22 تشرين أول / أكتوبر 1973 والذي على أساسه توقفت حرب تشرين / أكتوبر 1973 التي خاضتها مصر وسوريا ضد الكيان الإسرائيلي. وقد دعا إلى البدء فوراً بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 بجميع أجزائه، وإلى عقد مفاوضات تحت الإشراف الملائم بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط[30]. ووافقت مصر وسوريا والأردن على القرار، كما وافقت عليه “إسرائيل” بشيء من التحفظ، بينما رفضته م.ت.ف مؤكدة أنها ليست معنية به، وأنها ستتابع الكفاح المسلح والجماهيري “ضد الكيان الصهيوني من أجل تحرير الوطن، وحق شعبنا في تقرير مصيره بنفسه وعلى أرضه”[31].

وبناء على قرار 338 فقد انعقد في جنيف مؤتمر السلام للشرق الأوسط في 21 – 22 كانون أول / ديسمبر 1973. وقد وضع الكيان الصهيوني تعقيدات كبيرة في وجه التنفيذ الفعلي للقرار، رغم مشاركته في المؤتمر. وقد شاركت فيه مصر والأردن بينما رفضت سوريا المشاركة. ولم يتمخض عن هذا المؤتمر شيء عملي سوى تشكيل لجنة عسكرية، تولت فك الاشتباك بين القوات المصرية والصهيونية على جانبي قناة السويس.

الفلسطينيون وحق تقرير المصير في الأمم المتحدة:

شهدت منتصف السبعينيات من القرن العشرين نجاحات دبلوماسية فلسطينية كبيرة على صعيد الأمم المتحدة باتجاه إقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها الحق في تقرير المصير والاستقلال.

وكانت الأمم المتحدة قد أشارت لأول مرة للفلسطينيين باعتبارهم شعباً في قرارها 2535/أ،ب،ج الصادر في 10 كانون أول / ديسمبر 1969 عندما ذكرت لأول مرة “حقوق شعب فلسطين الثابتة”. وفي نهاية 1970 اعترفت الأمم المتحدة لأول مرة بحق شعب فلسطين في تقرير مصيره، وعدَّت ذلك عنصراً لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. وقد اتخذ هذا القرار بأكثرية غير كبيرة من 47 ضد 22 وامتناع 50. ثم أخذت قرارات الأمم المتحدة تزداد قوة ووضوحاً وتأييداً عالمياً. كما في القرارين: 2787، و2792/د في 6 كانون أول / ديسمبر 1971، وقرار 2963/هـ في 13 ديسمبر 1972، وقرار 3089/ج، د في 7 كانون أول / ديسمبر 1973.

ويُعدُّ قرار 3210 في 14 تشرين أول / أكتوبر 1974 تطوراً ذا أهمية، إذ اعتبر أن الشعب الفلسطيني هو الطرف الأساسي المعني بقضية فلسطين. وقرّر دعوة م.ت.ف “الممثلة للشعب الفلسطيني للاشتراك في مداولات الأمم المتحدة”، وصوَّت مع القرار أغلبية ساحقة من 105 ضد 4 وامتناع 20. ودُعي أبو عمار ياسر عرفات لإلقاء خطاب م.ت.ف في الأمم المتحدة حيث ألقى كلمته في منتصف تشرين ثاني / نوفمبر 1974، والتي لقيت اهتماماً وتجاوباً عالمياً كبيراً.

وصدر إثر ذلك “قرار تاريخي” للأمم المتحدة يحمل رقم 3236 في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1974 بأغلبية 89 صوتاً مقابل 8 وامتناع 37، ويحمل هذا القرار عنوان “حقوق الشعب الفلسطيني” وفيه يؤكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين، وخصوصاً:

– الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

– الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.

– الحق في عودة اللاجئين، والمطالبة بإعادتهم.

– الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني، وأنه أمر لا غنى عنه لحل قضية فلسطين.

– أن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط.

– حق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكافة الوسائل، وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.

وناشد القرار جميع الدول والمنظمات الدولية مدّ يد العون للشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه، كما طلب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يقيم اتصالات مع م.ت.ف في كل الشئون المتعلقة بقضية فلسطين.

وبموجب قرار الأمم المتحدة 3237 (22 تشرين الثاني / نوفمبر 1974) مُنحت م.ت.ف مركز مراقب دائم في الأمم المتحدة. وفي السنة التالية قررت الجمعية العامة تأليف لجنة من 20 دولة للبحث في ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة وفق قرار 3236 حيث تقوم اللجنة بتقديم تقرير سنوي حول ذلك.

وقد رفضت الجمعية العامة 1979 اعتماد ما جاء في اتفاقية كامب ديفيد المصرية “الإسرائيلية” حول فلسطين. وفي 15 ديسمبر 1980 أصدرت قرارها 35/169 أكدت توصياتها السابقة في قرار 3236، وطالب مجلس الأمن الدولي بوضع جدول زمني لانسحاب الكيان الإسرائيلي من الأرض المحتلة سنة 1967، وتسليم الأرض للأمم المتحدة التي تسلمها بدورها إلى م.ت.ف بالتعاون مع جامعة الدول العربية.

وتكمن أهمية هذه القرارات في تحوّل قضية فلسطين من قضية لاجئين إلى قضية شعب له الحق في تقرير مصيره وتحرير أرضه، كما أنها ترفع الشرعية عن اغتصاب الصهاينة للأرض المحتلة سنة 1967 بما فيها القدس، فضلاً عن حق الفلسطينيين في العودة للأرض المحتلة سنة 1948. كما أصبح للفلسطينيين من يتحدث باسمهم باعتراف عربي ودولي باعتباره ممثلهم الشرعي الوحيد (أي م.ت.ف). ورغم أن هذا الأمر قد زاد من “إقليمية” القضية الفلسطينية، إلا أنه جعل هذه القضية عصيَّة على التذويب أو القفز عن حقوق الشعب الفلسطيني وفق أي تسوية قد تشارك بها أطراف عربية أخرى. ثم إن هذه المكاسب السياسية قد حققت تعاطفاً دولياً واسعاً، وعزلت الكيان الصهيوني سياسياً، بالإضافة إلى قطع معظم دول العالم علاقتها به.

غير أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تعني شيئاً كبيراً، فهي مجرد توصيات، والجهة الوحيدة القادرة على إصدار قرارات ملزمة هي “مجلس الأمن” حيث إن من حق أيٍّ من الدول الكبرى الخمس (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) اتخاذ حق النقض “الفيتو Vito” ضد أي مشروع لا يتوافق مع مصالحها. وعلى ذلك، فقد كان الأمريكان جاهزين دائماً لاتخاذ قرار الفيتو ضد أي قرار يلزم الكيان الصهيوني بأيِّ أمر يراه تنازلاً أو إضعافاً لخططه وبرامجه. وبذلك تظل الأمم المتحدة منبراً دولياً للدعاية والعلاقات العامة أكثر من أيِّ شيء آخر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية فلسطين.

م.ت.ف وبداية المسار السلمي:

كان المطلب الفلسطيني الشعبي والرسمي الذي لا يقبل التنازل أو المساومة هو تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر، وإخراج المهاجرين اليهود الصهاينة منها. وقد أخذ هذا الموقف بالتبدل من الناحية الرسمية أو من ناحية متصدري العمل الفلسطيني منذ 1968. إذ عرض أبو إياد صلاح خلف في 10 تشرين أول / أكتوبر 1968 هدف فتح الاستراتيجي وهو إنشاء دولة ديموقراطية في فلسطين يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في مساواة تامة وتكافؤ كامل. وهو ما تم تبنيه في م.ت.ف في المجلس الوطني الخامس في شباط / فبراير 1969[34]. ويعني ذلك أن الفلسطينيين لم يعودوا يُصّرون على خروج المهاجرين اليهود المعتدين من فلسطين، مهما كان عددهم وسنة هجرتهم، مع إعطائهم حق المواطنة الكاملة فيها.

وإثر الخروج الفدائي الفلسطيني من الأردن، والأوضاع المحلية والدولية بعد حرب تشرين / أكتوبر 1973، أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشر “البرنامج السياسي المرحلي” في دورته الثانية عشر في 1 – 8 حزيران / يونيو 1974 في القاهرة. وقد أفسح هذا البرنامج مجالاً هاماً للتحرك السياسي الفلسطيني، ووضع عبارات مبهمة تُهيِّئ لاحتمال المشاركة في التسويات السياسية. فقد نصَّ ميثاق م.ت.ف على أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، بينما ذكر برنامج النقاط العشر أن “منظمة التحرير تناضل بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح، لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كلّ جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها”. فلم يعد الكفاح المسلح طريقاً وحيداً للتحرير، كما وافق البرنامج لأول مرة على تجزئة مشروع التحرير خطوة خطوة، ورفض المنهج السابق الذي يؤكد على شمولية التحرير كأمر لا يقبل التنازل[35].

وقد أعطى هذا البرنامج انطباعاً لدى البلاد العربية والعالمية أن م.ت.ف قد أصبحت أكثر “إيجابية” وأكثر “واقعية”، وهو ما أعطى القيادة الفلسطينية مجالاً أكبر للمناورة السياسية. وقد تحققت نتائج ذلك عاجلاً في قمة زعماء الدول العربية في الرباط في تشرين أول / أكتوبر 1974 الذي اعترف بـ م.ت.ف ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وفي دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لـ م.ت.ف للمشاركة في أعمالها، وإلقاء عرفات لخطابه فيها في 13 تشرين ثاني / نوفمبر 1974. وحققت م.ت.ف العديد من المكاسب السياسية على منابر الأمم المتحدة.

غير أن الحملات العسكرية الشديدة التي تعرضت لها المنظمة في الأردن ولبنان وداخل فلسطين، مُترافقةً مع التوجه العربي، وخصوصاً المصري، نحو التسوية، قد أضعف من إمكانات التأثير العسكري الحاسم الذي يمكن أن تقوم به م.ت.ف وفصائلها ضد الكيان الصهيوني …، وهو ما فتح المجال أكثر لمزيد من النشاط السياسي على حساب غيره من خطوط العمل. ولأن أي تسوية سياسية هي عملياً انعكاس لحالة موازين القوى، فقد تضاءلت مع الزمن قدرة م.ت.ف على فرض شروطها وتصوراتها، وأخذت تتنازل تدريجياً عن مطالبها، كما سنرى لاحقاً.

وقد ترافق التحرك السياسي مع تنازل متعلق بالاتصالات السياسية باليهود (وخصوصاً داخل فلسطين) والتي كانت تعدُّ قبل ذلك نوعاً من الخيانة. إذ سمح المجلس الوطني الفلسطيني الثالث عشر (القاهرة 12 – 22 آذار / مارس 1977) بذلك مؤكداً على “أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديموقراطية والتقدمية المناضلة داخل الوطن المحتل وخارجه ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة”[38].

اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر والكيان الإسرائيلي 1978[39]:

قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة مفاجئة إلى الكيان الإسرائيلي في 19 تشرين الثاني / نوفمبر 1977 وألقى خطاباً في الكنيست “الإسرائيلي” ودعا إلى تسوية سلمية. وبدأت بعد ذلك لأول مرة مفاوضات مصرية – “إسرائيلية” مباشرة وعلنية. وقد نتج عنها توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في الولايات المتحدة في 17 أيلول / سبتمبر 1978 بين مصر (ويمثلها أنور السادات)، والكيان الإسرائيلي (ويمثلها مناحيم بيجين)، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 26 آذار / مارس 1979. والاتفاقية مقسومة إلى وثيقتين الأولى تتناول أسس علاقة الكيان الإسرائيلي مع البلاد العربية ومستقبل الضفة الغربية والقطاع، وأما الثانية فتحدد أسس معاهدة السلام بين مصر والكيان الإسرائيلي. وقد استرجعت مصر بموجب هذه الاتفاقية أرض سيناء وفق شروط تضبط وجود قواتها فيها. ووافقت مصر على إقامة علاقة سلام دائم، وتطبيع العلاقات سياسياً واقتصادياً وثقافياً … مع الكيان الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالشعب الفلسطيني فقد دعت إلى مشاركة ممثلي الشعب الفلسطيني في المفاوضات، واقترحت حكماً ذاتياً فلسطينياً في الضفة والقطاع بحيث يشترك في المفاوضات بشأنه وشأن مستقبله مصر والأردن و”الكيان الإسرائيلي” وممثلون عن الضفة والقطاع يضمهم في البداية وفدا مصر والأردن. وقد يضم الوفد فلسطينيين آخرين “وفقاً لما يتفق عليه” أي بمعنى أن للكيان الإسرائيلي حق رفضهم أو قبولهم. كما تضمنت التصورات التفصيلية التالية:

1. تكون هناك ترتيبات انتقالية بالنسبة للضفة والغربية وقطاع غزة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات.

2. تنسحب الحكومة العسكرية “الإسرائيلية” وإدارتها المدنية بمجرد أن يتم انتخاب سلطة الحكم الذاتي من قبل السكان عن طريق الانتخاب الحر.

3. تتفاوض الأطراف (مصر، الأردن، ممثلو الضفة والقطاع، الكيان الإسرائيلي) بشأن اتفاقية تحدد مسئوليات الحكم الذاتي التي ستمارس في الضفة والقطاع.

4. سيكون هناك إعادة توزيع للقوات الإسرائيلية التي ستبقى في مواقع معينة، وستتضمن الاتفاقية ترتيبات لتأكيد الأمن الداخلي والخارجي والنظام العام.

5. ستتم المفاوضات وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 بكافة أجزائه. وستعالج المفاوضات – من بين أمور أخرى – موضوع الحدود، وطبيعة الإجراءات الأمنية.

6. يجب أن يعترف الحل الناتج عن المفاوضات بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة.

7. سيشترك الفلسطينيون بتقرير مستقبلهم من خلال:

أ. يتم الاتفاق في المفاوضات بين مصر و”إسرائيل” والأردن وممثلي السكان في الضفة والقطاع على الوضع النهائي للضفة والقطاع والمسائل البارزة الأخرى بحلول نهاية المرحلة الانتقالية.

ب. يعرض الاتفاق على ممثلي الضفة والقطاع المنتخبين للتصويت عليه.

ج. تتاح الفرصة للمثلين المنتخبين عن السكان في الضفة وغزة لتحديد الكيفية التي سيحكمون بها أنفسهم تمشياً مع نصوص الاتفاق.

د. المشاركة في عمل اللجنة التي تتفاوض بشأن معاهدة السلام بين الأردن و”الكيان الإسرائيلي”.

8. سيتم تشكيل قوة شرطة محلية قوية قد تضم مواطنين أردنيين، وستشترك قوات “إسرائيلية” وأردنية في دوريات مشتركة، وفي العمل على ضمان أمن الحدود.

9. وعندما يتم إنشاء سلطة الحكم الذاتي (مجلس إداري) ستبدأ المرحلة الانتقالية من خمس سنوات. وستتم بأسرع ما يمكن، وبما لا يزيد عن السنة الثالثة من بدء هذه المرحلة، المفاوضات النهائية لتقرير الوضع النهائي للضفة والقطاع وعلاقتها بغيرها، والوصول إلى معاهدة سلام بين الكيان “الإسرائيلي” وبين الأردن مع نهاية المدة الانتقالية.

10. سيتم اتخاذ كل الإجراءات التي تضمن أمن “إسرائيل” وجيرانها.

11. خلال المرحلة الانتقالية تشكل لجنة من الأردن ومصر وممثلو الضفة والقطاع و”إسرائيل” للاتفاق على مدى السماح بعودة النازحين المطرودين من الضفة والقطاع سنة 1967. وستعمل مصر و”إسرائيل” والأطراف الأخرى المهتمة لوضع إجراءات متفق عليها لتحقيق حلٍّ عاجل وعادل ودائم لمشكلة اللاجئين.

وقد ذكرنا تفصيلات كامب ديفيد لأنها أول تسوية سلمية متعلقة بفلسطين يتم الاتفاق عليها بين “الكيان الإسرائيلي” وأحد الأطراف العربية. ولأن اتفاق أوسلو مع م.ت.ف فيما بعد (سنة 1993) سيشكل النسخة المعدّلة – وربما المشوهة – لهذه الاتفاقية.

لقد أثارت هذه الاتفاقية أحد أشد حملات الرفض والاحتجاج في العالم العربي، وانطلقت المظاهرات في كل مكان معبَّرة عن سخط جماهيري شامل. واتّهم السادات بأشنع أوصاف الخيانة وبيع الحقوق العربية. وقامت جماعة إسلامية باغتياله في 6 أكتوبر 1981، ولم تخف قطاعات واسعة من العرب والمسلمين فرحها بذلك و”شماتتها” به. وفي مؤتمر القمة العربية في بغداد 1979 تمَّ قطع العلاقات السياسية مع مصر، وجرى عزل مصر عن محيطها العربي. كما تم تشكيل جبهة الصمود والتصدي مع عدد من الأقطار العربية (سوريا، العراق، ليبيا، الجزائر، اليمن الجنوبي، وم.ت.ف) لمواجهة مشروع كامب ديفيد. وعدَّت م.ت.ف في بيان أصدرته هذا الاتفاق “أخطر حلقات المؤامرة المعادية منذ عام 1948” وأنه يمثل “استسلاماً كاملاً من جانب السادات لمشروع مناحيم بيجن” وأن السادات أعطى “تسليمه بكامل شروطهم لتصفية القضية الفلسطينية والعربية” وأن “الاتفاق بيَّن تواطؤ السادات التام مع الأهداف الصهيونية، في إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية بكاملها، وفي الاستعداد المشترك لضرب القضية الفلسطينية أرضاً وشعباً وثورة تحت إشراف وتخطيط الإمبريالية الأمريكية”. وأكدّ البيان أن شعب فلسطين “لا يمكن أن يساوم أو يهادن أي مشروع تصفوي على غرار الحكم الذاتي …” وأنهم لا يمكن أن يقبلوا أن يتقرر مصيرهم في “إطار خيانة كامب ديفيد”[40]. ومن العجيب أن قيادة م.ت.ف نفسها ستقوم بعد ذلك بخمسة عشر عاماً (إلا أربعة أيام) بالتوقيع على اتفاق شبيه وستتهم خصومها، بما اتهم به السادات خصومه، من عدم الواقعية والجهل، وستزجُّ كل القوى المعارضة والمجاهدة في السجون، وتتهمها بالوقوف ضد “المشروع الوطني”!!

وبالطبع فقد سقط الشق الفلسطيني من اتفاقية كامب ديفيد في ذلك الوقت لرفضه بالإجماع فلسطينياً، كما رفضته الأردن مما أفقده أيَّة إمكانية عملية للتنفيذ.

مشروع خالد الحسن 1982:

قدَّم خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الوطني الفلسطيني في 14 مايو 1982 مشروعاً سماه أفكار للنقاش لحل النـزاع، حيث دعا إلى انسحاب الكيان الإسرائيلي من الأراضي المحتلة سنة 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية على تلك الأراضي، وأن تكون أحكام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة هي المرجع القانوني.

والحسن بطرحه هذا يقترب كثيراً من المشروعات العربية – التي رفضتها م.ت.ف دائماً وبإصرار – التي تعترف ضمناً بالكيان الصهيوني وتقبل ما اغتصبه من أرض سنة 1948. وبالتأكيد فإن طرح الحسن (الذي ظهر وكأنه مشروعه الخاص) كان يعكس حالة النقاش الدائرة في صفوف القيادة الفلسطينية، وارتفاع أصوات التيار “الواقعي” المتراجع عن الثوابت ضمن م.ت.ف، وكان أقرب إلى بالون اختبار لجس نبض الشارع الفلسطيني والعربي وردود الفعل الدولية.

مشروع ريجان 1982:

مثَّل الاجتياح “الإسرائيلي” للبنان، وتدميرُ معظم البنية التحتية لـ م.ت.ف، وإجبارُ نحو عشرة آلاف من مقاتليها على الخروج من لبنان في صيف 1982، مرحلةً جديدة في مسار التسوية السلمية. إذ وجدت القيادة الفلسطينية نفسها في تونس معزولة عن فلسطين، محرومة من أي قاعدة استراتيجية أو لوجستية في دول المواجهة مع الكيان الصهيوني. وساعد هذا الوضع على إيجاد أجواء عربية وفلسطينية جديدة تسير باتجاه متابعة منحنى التسوية الذي اختطته مصر. وأسهمت حالة العجز العربي وعدم جدية أو فاعلية برامج المقاومة والتحرير التي تُعلنها في طرح مشاريع تسوية تلقى قبولاً وتبنياً رسمياً عربياً، وتتضمن التنازل عن أرض فلسطين المحتلة عام 1948، والتعايش السلمي مع الكيان الصهيوني.

كان مشروع الرئيس الأمريكي رونالد ريجان الذي أعلنه في 2 من سبتمبر 1982 من أوائل المشاريع التي طرحت إثر الاجتياح “الإسرائيلي” للبنان. وقد دعا إلى عدم تقسيم مدينة القدس والاتفاق على مستقبلها عن طريق المفاوضات. وتعهد بحماية أمن “إسرائيل”. ويبدو أن هذا المشروع كان مقدمة لاستثمار الظروف السياسية التي نتجت عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وهو لا يختلف كثيراً عن الشق الفلسطيني في اتفاقية كامب ديفيد.

مشروع السلام العربي (مشروع فاس) 1982:

وكان في أصله مشروعاً طرحه الأمير فهد بن عبد العزيز قبل أن يصبح ملكاً على السعودية، وقد تبناه مؤتمر القمة العربية المنعقد في مدينة فاس بالمغرب في 6 – 9 أيلول / سبتمبر 1982، إثر الخروج الفدائي الفلسطيني من بيروت. وقد تضمن النقاط التالية:

1. انسحاب “إسرائيل” من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس.

2. إزالة المستوطنات التي أقامتها “إسرائيل” في الأراضي المحتلة عام 1967.

3. ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.

4. تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بقيادة م.ت.ف، وتعويض من لا يرغب بالعودة.

5. إخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة لمرحلة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة لبضعة أشهر.

6. قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

7. يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات سلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة.

8. يقوم مجلس الأمن الدولي بضمان تنفيذ تلك المباد

وقد مثَّل مشروع فاس الخط السياسي العربي العام الذي ساد حقبة الثمانينات. والذي يجمع بين الاعتراف الضمني بالكيان الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية على الضفة والقطاع.

مشروع بريجينيف للسلام 1982:

وهو مشروع يمثل التصور السوفييتي للتسوية. وقد طرحه الرئيس ليونيد بريجينيف في 15 أيلول / سبتمبر 1982. وركز على حق شعب فلسطين في تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية. وأكد على حق جميع دول المنطقة في الوجود والتطور السلميين والأمنيين، وعلى إنهاء حالة الحرب، وإحلال السلام بين الدول العربية و”إسرائيل”، وعلى إيجاد ضمانات دولية للتسوية[44].

وقد رحبت م.ت.ف والدول العربية بهذا المشروع الذي لا يختلف في جوهره عن مشروع فاس. قد أيَّد المجلس الوطني الفلسطيني السادس عشر المنعقد في الجزائر عن 22 شباط / فبراير 1983 مشروع فاس ومشروع بريجينيف، ورفض مشروع ريجان[45].

مشروع الكونفدرالية الأردنية – الفلسطينية 1984 – 1985:

طرح الملك حسين لدى افتتاحه الدورة السابعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في عمَّان في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1984 الخطوط العريضة لمبادرة أردنية – فلسطينية مشتركة مبنية على قرار 242 كأساس للتسوية، وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام، في إطار مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة.

وقد جرت مباحثات أردنية – فلسطينية مشتركة تم في ختامها إقرار الاتفاق الأردني – الفلسطيني في 11 شباط / فبراير 1985، وكان من أبرز أفكاره:

1. يتم التحرك الأردني – الفلسطيني على أسس الشرعية الدولية التي تمثلها قرارات الأمم المتحدة، التي تنص على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مع مراعاة قرارات 242 و338.

2. يجب أن تتم عملية السلام من خلال مؤتمر دولي تشارك فيه م.ت.ف.

3. الاعتراف بمبدأ السلام مقابل الأرض، وانسحاب “إسرائيل” الكامل من الأرضي المحتلة عام 1967، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

4. تكون العلاقة المستقبلية بين الأردن وم.ت.ف علاقة كونفدرالية فيما إذا قامت الدولة الفلسطينية.

5. الاتفاق أنه في حالة نجاح مفاوضات الملك فهد في واشنطن وقبول الإدارة الأمريكية بمقترحاته، أن تقوم م.ت.ف بخطوات متقدمة نحو الاقتراح الأمريكي القاضي بالاعتراف المتبادل (مع الكيان الإسرائيلي.

عكس هذا الاتفاق تحسُّن العلاقة بين م.ت.ف والأردن، والتي شابها التوتر الحاد معظم فترة السبعينيات. كما عكس استجابة أكثر من م.ت.ف للتعامل مع الضغوط الدولية (الأمريكية و”الإسرائيلية” بالذات) التي تفضل التعامل مع قضية فلسطين من خلال البوابة الأردنية، فضلاً عن تراجع م.ت.ف عن إصرارها على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وعلى أي حال، فلم يكتب لها النجاح

وتوالت الاتفاقات وتم التوصل لاتفاق أوسلو حيث توخت اسرائيل من هذا الاتفاق تصفية القضيه الفلسطينيه وتمرير مشروعها الاستيطاني والتهويدي والتنصل من رؤيا الدولتين 

وصفقة القرن لن يكون بأفضل حالا من تلك المشاريع وجميعها فشلت لأنها لم تحقق مطالب الشعب الفلسطيني بحق تقرير مصيره واولويتها حق العوده

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

IMG-20220519-WA0012

هيئة الإذاعةو التلفزيون الفلسطيني تشارك في المؤتمر الإعلامي الأول في إسبانيا

هيئة الإذاعةو التلفزيون الفلسطيني تشارك في المؤتمر الإعلامي الأول في إسبانيا  نجاح الصوراني إسبانيا شاركت …