الرئيسية / الآراء والمقالات / د.سالم سرية يكتب : العرب المسيحيون حضور وحضارة -الجزء الاول-

د.سالم سرية يكتب : العرب المسيحيون حضور وحضارة -الجزء الاول-

د.سالم سرية  :اكاديمي وكاتب (فلسطين)
د.سالم سرية :اكاديمي وكاتب (فلسطين)

العرب المسيحيون حضور وحضارة -الجزء الاول

د.سالم سرية :اكاديمي وكاتب (فلسطين )

بداية لابد من القول اني أفضل استخدام تعبير العرب المسيحيين عوضا عن المسيحين العرب ذلك لان التعبير الأول له بعد قومي بينما التعبير الثاني له بعد ديني .  ومع ذلك فان اكثر الدراسات ورسائل الدكتوراه والمؤتمرات قد استخدمت التعبير الثاني. ومع ذلك ساكون مجبرا على استخدامه ادناه

لقد تمحورت بعض هذه الدراسات حول دور المسيحيين العرب قبل الإسلام منذ القرن الثاني حتى القرن السابع في بلاد الشام والجزيرة العربية . والغرض من ذلك هو التأكيد على جذور عروبة المسيحيين  ورسوخهم في التاريخ والجغرافيا—ملوك الغساسنة وملوك الحيرة وامراء كندة ودولة الحميريين في اليمن  .حيث اعتنقت معظم القبائل العربية المسيحية بمذاهبها الشتى وقلة منهم اليهودية وديانات اخرى اضافة للوثنية  في سوريا والعراق واليمن والحجاز. وتحدثت دراسات اخرى عن العرب المسيحيين  في عهد النبي محمد (عليه الصلاة والسلام ) وكيف تعامل معهم ثم حقبة خلافة ابو بكر وعمر .  وتناولت بعض الدراسات العطاء الحضاري للعرب المسيحيين  في العصر الأموي والعباسي  والحقبة العثمانية حتى وقتنا الحاضر.

وعبر هذه المراحل التاريخية كان للعرب المسيحيين دورا بارزا في إثراء الحضارة العربية الإسلامية رغم ما عانوه من تكريم في بعض الحقب او تهشيم في حقب أخرى لأسباب سياسية بالدرجة الأساس .

ولكن كيف تم تناول علاقة العروبة بالمسيحية فيما ذكر اعلاه:

1- الرؤية المشرقية: وهي كتابات بعض المسيحيين العرب في لبنان الذين يقفون موقف العداء المفرط من العروبة ويعتبرون انفسهم مشرقيين وفينيقيين وما الى ذلك وهؤلاء هم التيار الإنعزالي الذي لاقى فلسطينيوا لبنان على ايديهم اقسى انواع العذاب والتنكيل المتواصل منذ نكبة 1948 حتى الان وهم الذين نسجوا علاقات التحالف والود مع الكيان الصهيوني .وهذه الرؤية تشمل بعض العرب المسيحيين الذين ارتموا في احضان فرنسا الكاثوليكية او امريكا وبريطانية الانجليكانيه البروتاستينية   او وروسيا الارثذوكسية .

2- الرؤية الاسلامية : وهي الرؤية التي عبر عنها المفكر الإسلامي محمد عمارة  والقرضاوي وغيره من المعتدلين الاسلاميين ,وهي رؤية الود والتعايش مع المسيحيين العرب ضمن دولة اسلامية يدعون اليها .

3- الرؤية القومية : وتشمل معظم الدراسات المنشورة عن مركز دراسات الوحدة العربية.

  نسرد ادناه بعض العينات من عطائهم الحضاري فقط لنحيي ذاكرة كل الاطراف التي تقلل او تلغي دور العرب المسيحيين الذين هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي من الامة العربية .فهم الذين هذبوا اللغة العربية وحملوا لواء القومية العربية وانجبوا فكرها وحفروا في صفحات التاريخ العربي بصمات حضارية وفكرية وادبية وثقافية رسخت في الوجدان القومي .

.    اولا:كان إنجاز المسيحيين العرب كبيرا في عمليات الفتوحات . فقد انضما إلى الفاتحين المسلمين ضد الفرس والروم وساهما في توسيع حدود الدولة الإسلامية نحو الشرق ( جيش تغلب ) . وأبدوا وفاء كبيرا لها وأسهموا بتراثهم وخبرتهم وسيطرتهم على أهم الطرق التجارية في تنشيط الدورة الاقتصادية داخل الدولة الاسلامية على المستوى الصيرفي والصناعي والتجاري لذلك أسهم  العرب المسيحيون، أعظم إسهام في عملية هضم الحضارات الأخرى وتوطينها في الوطن العربي اضافة   لدورهم في توطين الثقافتين اليونانية والسريانية ، ولا سيما في مجال الطب والعلوم والفلسفة . ، وكان نصارى الشام من القبائل التغلبية يشكلون سندا للامويين في الجيش، وفي الاسطول. وبقيت ادارة الدواوين في ايديهم، وسمح الخلفاء والولاة لهم ببناء كنائس جديدة”. حتى انه يقال أن النهضة الأموية والعباسية لم تستطع أن تقوم إلا بفضلهم

ثانيا:   تزعّم السريان حركة الترجمة من الحضارة الاغريقية إلى السريانية ثم إلى العربية، أي أن اللغة السريانية لعبت دور الوسيط بين اللغتين العربية واليونانية. ويذكر العالم ديمتري غوتاس: “ان حركة الترجمة في صدر الاسلام جاءت نتيجة حماسة علمية لدى المسيحيين الناطقين بالسريانية كما كانوا يجيدون اليونانية والعربية واشتهرت مراكزهم في الرها وقنسرين ونصيبين والموصل حتى جنديسابور. وكمثال على الهوس الترجمي فان ثاوفيل الرهاوي رئيس منجمي الخليفة هارون الرشيد قد نقل كتابي هوميروس (الالياذة والاوديسا) من اليونانية الى السريانية في عناية وفصاحة”. وتزعم حركة الترجمة بلا منازع حنين بن اسحق، ثم يوحنا بن ماسويه، واسحق بن حنين والحجاج بن مطر ويوحنا بن البطريق، وعبد الملك بن ناعمة الحمصي، ومتى بن يونس، وابو علي اسحق بن زرعة، وسواهم العشرات.ان حركة الترجمة  للفلسفة اليونانية –ارسطو وسقراط وافلاطون وغيرهم- قد فتحت الابواب لولادة الفلسفة العربية .اي انها شكلت انفتاحا  على ثقافة الغرب انذاك ادى الى نضوج الفكر العربي في تعاطيه مع مجمل قضايا الكون والانسان .

  ثالثا:اما مجالات الإبداع المسيحيين العرب في بناء الدولة الإسلامية  فقد كانت في عدة مجالات، منها مجال التاريخ، حيث واكب المسيحيون العرب المسلمين في تدوين الأحداث منذ الفتوحات وقد أتبعوا أسلوبا خاصا مغايرا للصناعة التاريخية الإسلامية ، لقد كتب المسيحيون فصولا عمن قبلهم من موارد تاريخية ورثوها عن أسلافهم ودونوا أحدثا تاريخية عاصروها وأعادوا تنظيمها ، واستعملوا الوثيقة التاريخية المكتوبة التي وصلت إليهم بالإضافة إلى الرواية الشفوية التي ينقلها لهم الآخرون   .ان  اشهر المؤرخين المسيحيين ديونيسوس التلمحري ومخائيل السوري وابن العبري .  إن كتابات المؤرخين المسيحيين أقرب الى التاريخ العام منه إلى التاريخ الخاص ، فهم يستعملون التاريخ الميلادي إلى جانب التاريخ الهجري والتاريخ الإغريقي.ومن هؤلاء المؤرخين: ابن نبكاية ، توما المرجي ، الياس النصيبي ، ابن العبري ، يعقوب الرهاوي ، ابن البطريق ، وسعيد بن البطريق كتبوا بالسريانية ، ومنذ القرن الرابع الهجري حدث تطور هام في هذا الشأن على يد المؤرخين الأرثوذكسيين والأقباط إذ عمدوا إلى كتابة التاريخ باللغة العربية وزاد اهتمامهم بالتاريخ الإسلامي على يد سعيد بن البطريق ، ويحي بن سعيد البطريق وابن المقفع وابن العسال وبولس الانطاكي ومحبوب المنجي وإبراهيم الانطاكي وأبو فتح بن الفضل. ولم تنحصر حياة المسيحيين ضمن العائلة بل انخرطوا في المجتمع الإسلامي وسموا أولادهم حسن وحسين وعلي وخالد ومروان.

 رابعا:اسهم العرب المسيحيون في الشعر والأدب والفن إلا أنه لم يصل إلينا من مؤلفاتهم الأدبية إلا المؤلفات الشعرية والحِكَم لان تراث العربي المسيحي تراث شفهي لم يدون إلا بعد الإسلام ومن أهم شعراء العرب المسيحيين : عمر بن كلثوم ، عدي بن زيد ، الحار بن كلدة، عنترة بن شداد : هو عنترة بن عمرو بن معاوية ابن قراد العبسي ، أمرؤ القيس، حاتم الطائي ، ميسون بنت بحدل الكليبة ، نابغة بني شيبان، الاخطل التغلبي .ومن ابرز الشعراء المسيحيين في الدولة العباسية : الشاعر   ” سليمان بن حسن الغزّى “ .  .لقد كان للشعراء العرب المسيحيين أثرا بالغا في الأدب العربي والتاريخ العربي الإسلامي، إذ احتوت قصائدهم على إشارات إلى الحوادث التي عاشوها كالحروب بين القبائل العربية   والعلاقات الاجتماعية والسياسية بينهم .

 التكملة والمصادر في الجزء الثاني

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

كاتب متخصص بالعلاقات الدولية

أحمد المالكي يكتب : زيارة ماكرون إلى واشنطن والتوافق الامريكي الفرنسي

زيارة ماكرون إلى واشنطن والتوافق الامريكي الفرنسي  بقلم :أحمد المالكي  كاتب متخصص في الشؤون الامريكية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *