الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مونتجمري حور يكتب : دعوة للقيادة الفلسطينية: ضرورة إحداث تقارب مع تركيا

د. مونتجمري حور يكتب : دعوة للقيادة الفلسطينية: ضرورة إحداث تقارب مع تركيا

مونتجمري حور

دعوة رقم 1 للقيادة الفلسطينية: ضرورة إحداث تقارب مع تركيا

بقلم: د. مونتجمري حور
جرت العادة أن تقوم الدول العظمى بالجمع بين المتناقضات السياسية المختلفة والمتنوعة لبسط هيمنتها وبدأنا نشهد في الآونة الأخيرة مغادرة مربع الجمود في إنشاء التحالفات الدولية وتقلص الالتفاف حول الولايات المتحدة الأمريكية وتحركات دبلوماسية وعسكرية ملموسة على هذا الصعيد من عدة دول إقليمية مما ولد نوعاً من التنافس بين دول عدة. أجتهد في هذا المقال لإلقاء الضوء على النموذج التركي الذي يتخلله اقتراحات للقيادة الفلسطينية وسأتبعها بأخرى في مقال لاحق.
قادت آمال وطموح الدولة العثمانية في التوسع والسيطرة والهيمنة إلى إحداث تغييرات جوهرية في سياساتها الخارجية في العقدين الماضيين وبلغت سياسة الجمع بين المتناقضات السياسية المختلفة والمتنوعة ذروتها مؤخراً وزعيم تركيا في هذا التغيير كان البروفيسور أحمد داوود أوغلوا بمجرد ظهوره على الساحة التركية واعتلائه بعضاً من المناصب القيادية المتقدمة كوزير للخارجية ولاحقاً كرئيس للوزراء. تقدم أوغلوا بنظرية جديدة عرفت باسم بنظرية “زيرو مشاكل” القائمة على تصفير مشاكل الدولة التركية مع دول الجوار ولست بصدد تقييم مدى نجاح هذه النظرية من فشلها في هذا المقال ولكني أؤكد أنها وصفت من قبل خبراء بالنظرية المثالية وأنها قفزت بمكانة تركيا السياسية والاقتصادية لدرجة أصبح العالم يصف تركيا بأنها نمراً اقتصادياً صاعداً. حاولت تركيا وقياداتها إخفاء نوايا الدولة التركية بالعودة إلى أمجاد الآباء والأجداد والتوسع ثانيةً لاستعادة الإمبراطورية العثمانية ورغم إخفاقها في ذلك إلا أنها حددت مشاكلها وأبرز هذه المشاكل أنها وجدت نفسها شبه معزولة وأقصد بالعزل هنا عدم وجود روابط أو قواسم مشتركة على صعيد اللغة مثلاً لتربطها بدول الجوار فلجأت إلى الروابط الدينية وأخرى قومية وحددت نقاط الاستهداف التي تركزت على منطقة الشرق الأوسط حيث الروابط الدينية الإسلامية المشتركة، ودول آسيا الوسطى التي تربطها بهم روابط دينية وأخرى قومية وكنت قد تناولت ذلك في مقال سابق. بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، سعت تركيا لتعزيز علاقاتها بمصر حيث الروابط الدينية مع المصريين وتحديداً مع حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين في مصر حيث القواسم التنظيمية المشتركة ومع قطاع غزة وبمجرد فوز حزب التغيير والعدالة المصري التابع للإخوان المسلمين، صبت تركيا تركيزها على مصر وسعت في كل الاتجاهات لدعمه وتثبيته وبعد الإطاحة به وتدخل تركيا في ليبيا، سادت حالة من شبه القطيعة بين النظام المصري والتركي، ولكن علينا الانتباه جيداً أن هناك مصالح كبرى مشتركة في المرحلة القادمة وبغض النظر عن التوجه التركي الدولي القادم، ستلعب تركيا دوراً ذا ثقل لا أقول إقليمياً فقط بل إقليمياً ودولياً فهناك أمور تميز تركيا عن غيرها ولا يتم التطرق لها وأظنها مهمة لنا كفلسطينيين على صعيد الدبلوماسية الفلسطينية وعلاقتنا بالسياسة الدولية. أهم هذه الأمور هي الموقع الجغرافي لتركيا من ناحية وعقليتها الدبلوماسية والاستراتيجية من ناحية أخرى.

على صعيد الموقع الجغرافي، تعتبر تركيا بوابة رئيسة لأوروبا وباكتشافات الغاز في شرق المتوسط التي تناولتها في مقال سابق، سعت تركيا الى استغلال موقعها الجغرافي وحاولت تحقيق الاستفادة الاقتصادية القصوى من هذه المشاريع لدرجة الاصطدام بمصر وكنت قد أشرت إلى تحول منطقتنا في شرق المتوسط الى منطقة مصدرة للطاقة بعد أن كانت مستوردة لها وإن كنا كفلسطينيين غير منتبهين لهذه الثروة التي ستمسنا وقضيتنا مساً مباشراً، يعد هذا الملف الأكثرَ خطورة بالنسبة للجانب التركي لأنه يتعلق بثروات هائلة من الغاز الطبيعي والهيدروكربونات وتسعى تركيا الى الاستفادة الاقتصادية القصوى من هذا الملف من ناحية ويستفزها تداخل أطراف أخرى فيه فهي على خلاف تاريخي مثلاً مع اليونان وقبرص اليونانية.

أعي تماماً الجهود المصرية والسعودية والأردنية والإماراتية المنصبة على تقويض التوسع التركي والإيراني في المنطقة وعلمت عن الغزل السعودي الأخير لإيران ولا أطلب من القيادة الفلسطينية انتهاج سلوك سياسي شاذ ولكن عليها ألا تغفل الأهمية الجيوسياسية لتركيا وأنها دخلت في مرحلة التدليل الدولي، وتتبعها في التدليل أفغانستان ولن يسعى أحد لخسارتها، وجميع القوى العظمى تسعى وستسعى لنيل رضى تركيا واستقطابها بصفتها رمانة الميزان في الصراع الدائر بين القوى العظمى فهي تتخذ إجراءات قوية على هيئة مشاريع لطرق تجارية جديدة غير معلنة للإعلام حتى الآن، وسأتناولها لاحقاً مع تقديمي لأبرز صفقات التسليح التي لم يتطرق لها إعلامنا المحلي ولم تقدم تفاصيل حولها. لقد نجحت تركيا في نسج علاقات متجذرة في آسيا الوسطى بجهود دامت عقدين من الزمان وأكثر وعلينا كفلسطينيين ألا تنصب أنظارنا تجاه صفقات التسليح الدائرة على قدم وساق في المنطقة في مرحلة يمكن لدبلوماسيتنا الفلسطينية أن تتعامل مع أكثر الملفات سخونة وهو الملف التركي، وهدفي النهائي هو التخفيف من حالة التبعية السياسية في هذه المرحلة، بل والمرحلة اللاحقة، التي كلفتنا الكثير والتي ستزداد تكلفتها (التبعية المطلقة) في المرحلة المقبلة. وصحيح أن أفغانستان باتت حالياً محط أنظار العالم ولكن الإجراء الذي لم يتم الإعلان عنه للملأ، والذي انفردت فيه في مقال سابق، هو تولي تركيا ملف أفغانستان في آسيا الوسطى باتفاق أمريكي شهدت توقيعه الدوحة من وبمباركة روسية صينية قلقة من ناحية أخرى، وهذا يعطي تفسيراً لسبب رئيس من أسباب تراجع صدى قضيتنا الفلسطينية حيث أصبحت منطقة آسيا الوسطى تحتل المكانة الأولى في أنظار السياسيين في جميع أنحاء العالم ورأس تلك المنطقة هي تركيا حالياً. وفي الوقت نفسه، لم تغادر تركيا منطقة شرق المتوسط وهي تعلم مدى الأهمية الاقتصادية لهذه المنطقة وهناك مصالح إقليمية بينها وبين باقي دول الشرق الأوسط.
أقول بكل ثقة ومسؤولية لم تعد أي قوة، حتى العظمى منها، قادرة على تقييد الدولة التركية وأنها دخلت فعلياً مرحلة التدليل الدولي وتولت مهمات مصيرية على رأسها احتواء حركة طالبان في أفغانستان وبات كل طرف يراهن على الدولة التركية في ذلك.
أقول للقيادة الفلسطينية: إن تبني سياسة اللون الواحد في هذه المرحلة غير مقبول وغير مجدي، قد سيعود علينا بمكاسب اقتصادية آنية ولكنه سيتبع بعثرات سياسية لاحقة تضعنا في الزاوية ثانيةً وإذا اعتدنا في السابق أن نجلس مكاننا ويأتينا العالم، فالآن دخلنا مرحلة تجبرنا على أن نذهب نحن تجاه العالم. توجهوا صوب الدولة التركية المحيرة والمثيرة للجدل التي هي ليست بالدولة العظمى ولكنها ليست بالعادية في نفس الوقت وهي الوحيدة التي لا ينافسها أحد في العالم في رسمها طريقها لنفسها بنفسها، وأحدثوا تقارباً كبيراً معها بغض النظر عن تقارب مصر وباقي الدول العربية معها أو ابتعادهم عنها وما الذي يمنع أن تلعب الدبلوماسية الفلسطينية دوراً على الصعيد الإقليمي في تقريب وجهات النظر بين تركيا وبين الدول العربية المستنفرة أو للجمع بين المتناقضات السياسية المختلفة؟! لقد تبنت تركيا أبرز صحوة عقلية استثنائية جديدة على المستويين السياسي والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين ونجحت للآن في الجمع بين المتناقضات السياسية المختلفة والمتنوعة وستضطر القوى العظمى لكسبها حتى وإن أغضبت إحداها أو جميعها وعلينا الاستفادة منها ومن نموذجها المعتبر.
montgomeryhowwar@gmail.com

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سليم النجار

سليم النجار يكتب: رواية سافوي- مهند الأخرس (حكاية لن تنتهي)

رواية سافوي- مهند الأخرس  (حكاية لن تنتهي)  سليم النجار  من الملامح البارزة في الرواية احتواء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *