الرئيسية / الآراء والمقالات / بكر ابوبكر يكتب : مسارات الرأي ⁠

بكر ابوبكر يكتب : مسارات الرأي ⁠

بكر أبوبكر

مسارات الرأي

بكر ابوبكر

لماذا لا يتم الفهم الصحيح أو الفصل بين العقدي الفكراني (أو الثابت العقلاني)، وبين السياسي حيث الأول ثابت غالبا والثاني متحرك متغير؟ والتعامل تجاه أي من الاثنين مختلف ؟ ولماذا يسارع البعض لإدخال هذه في تلك فينفض يده من الحوار. ويلجأ إما للانفكاك عن الحوار والعزلة، أو يلجأ للشتم والاتهام والتحقير؟

في مسارات الرأي ثلاثة مواضيع مختلفة: الأول هو ذات ]الحق[، والثاني هو ]مضمون الرأي[، والثالث هو]صاحب الرأي[. وهي ليست واحدة أبدًا، بل مختلفة، ولاحظ أننا هنا نتحدث غالبًا في المستوى ما دون العقدي الفكراني، أي في المستوى الفكري المتغيّر أو في مستوى المواقف أوالآراء الاجتماعية أو الاقتصادية أوالسياسية والأخص الاجتماعية والسياسية هي السائدة بالاحاديث الانسانية.

تختلف اجتماعيًا او سياسيا معه أو معهم، رأي مقابل رأي، موقف مقابل موقف، فيسارعون لاستدعاء العقدي الأيديولوجي (أو العقدي الديني) وهو الأسهل ليشتموك ويحقّروك ويكفروك أو يطعنون بوطنيتك؟! فأين حق الحوار وحق الكلام؟ إنه إرهاب استغلال الدين، أو إرهاب العصا والسلطان، إنه إرهاب فكري واستبداد فاضح ومرير.

في المسار الأول أي مسار ]الحق[ فمن المفترض عدم الخلط بتاتًا بين الرأي والحق، فالحق هو حق الحوار، حق التعبير، حق الرأي، وحق النقاش وحق القبول أوحق الاعتراض فيما نسميه أدب الاختلاف حين يتم تنظيمه، إلا أن ذات الحق حتى لو خرج ممارسوه عن الآداب (وليس عن القانون) لا يعني إسقاط الحق عنهم، وهنا يكون الحق للجميع محميًا بالقانون.

لا يجوز أن يكون الحق (حق التعبير والحوار والرأي) كمثال متاحًا لجماعتي فقط! حين يكون الفضاء العام (للبلد اوالدولة، او حتى داخل الفصيل…) تحت سيطرتي كحكم، أو جماعة، أو كجهاز أمني أو كتنظيم سياسي مسيطر!

كما لا يجوز أن أمارس حقي بالتعبير وأصرخ عاليًا حتى تنشق حنجرتي حين تكون السيطرة ليست لتنظيمي مناديًا بحق التعبيرأمام الآخرين، وبالتالي أرفض كل الانتهاكات، بينما أصمت عن الانتهاكات ذاتها صمت سكان القبور حينما تكون السيطرة لفصيلي؟! فالمبدأ والقانون والحق لا يتجزأ.

صلاح خلف (ابوإياد) القيادي الفلسطيني الفتحوي الفذ في دفاعة عن حق فصائل المقاومة الفلسطينية بالمعارضة، وهي الفصائل التي ما فتأت تشتم حركة فتح وقادتها في مراحل الخلاف، كرر القول المنسوب (لفولتير) مرارًا ومارسه: “قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد ان أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك .”

التعامل بوجهين بما يتعلق بالحق دلالة على التمييز الوطني، وعلى فكر استبداد وتجبر واغتصاب لعقول الآخرين وهو لا يجوز أيضا لأنه يخالف القانون والقيم، وأيضًا من الزاوية المصلحية السياسية لا يجوز لأن الأيام دولٌ متعاقبة فمن نزعت عنه حقه القانوني (بالتطبيق الفعلي وليس بالضرورة بالقول النظري) هو في مرحلة قد يتسيّد أويشاركك القرار فأين المفر إن كانت العلاقة الحوارية هي علاقة رأيي وإلا فلا؟ وأنا ربكم الأعلى؟

إذن ]الحق[ يجب أن يكون مكفولًا للجميع مسنودًا بالقانون الذي وجب خضوع الجميع له.

المسار الثاني هو مسار الرأي أو الموقف، وذات أو مضمون أو فحوى ]الرأي[ هنا شيء مختلف، بمعنى أن دفاعي عن حقك في وجه الحكومة أو الفصيل المستبد أو الآخر… لا يعني أنني أوافقك الرأي بمضمونه كله أو جزء منه، وإنما أدافع عن حقك لتحاورني وتخالفني أو تناقشني، وسأبذل جهدي إما للتلاقي معك في الفكرة، أوبأجزاء منها، أو تعديلها، أو لرفضها وتفنيدها ودحضها. وهنا نكرر ثانية لا يعني اعترافي بحقك موافقتي على رأيك.

أما بالمسار الثالث فهو ]الذات أو الشخص[ مقابل الرأي، وهذه نقطة خطيرة أيضا وكثيرًا ما يخلط بها الناس، فالرأي أو الموقف السياسي يجب أن يتم النظر له منفصلًا عن ذات/كيان الشخص، فلا يتم التهجم على الشخص استتباعا لرأيه المخالف، فذات الشخص مصانة بالقانون، وحين يخرقه جنائيا فله القضاء الرادع.

إن عزل ذات الشخص عن الرأي المتغير يصون العلاقات الانسانية، والاخوية الرفاقية، ويصبح الجدل منصبًا عى ذات القول أو مضمون الموقف، وكما قال المفكر الكبير خالد الحسن (أبوالسعيد): لا تنتقد الشخص وانتقد الموقف فالأشخاص لا تنسى، والآراء تتغير.

بالرأي أو الموقف نحن نتعامل مع تعددية آراء ومواقف واجتهادات، والرأي على عكس العقيدة أو الفكرانية (الايديولوجية) -لدى المؤدلجين- متغير، وإن وجب أن يكون للرأي مرجعية صلبة بالتأكيد، بمعنى أنك قد توافق على رأي فلان اليوم، أو بعضه، وتختلف مع رأي أو موقف آخر لفلان ذاته غدًا، بل وربما في ذات الجلسة، وهذا هو سر نجاح فكرة الحواروأدب الاختلاف والديمقراطية في الدولة المدنية، أو داخل الفصيل المنفتح.

خلاصة الأمرهنا أن الحق بالكلام لا يجب أن يكون خاضعًا لفصيل مطلقًا، وإنما الى القانون فقط، فهو حق للجميع مكفول، ولا يعني موافقتي على حقك هذا، هو أنني موافق على موقفك أو رأيك، ولا يعني رفضي لرأيك او موقفك، رفضي لشخصك الانساني المقدّر.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

مونتجمري حور

د. مونتجمري حور يكتب : القيادة الفلسطينية تسبقنا بعقد من الزمن تجاه الدولة الواحدة

القيادة الفلسطينية تسبقنا بعقد من الزمن تجاه الدولة الواحدة كتب: د. مونتجمري حور كثيرة هي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *