الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مروان محمد مشتهى يكتب : فن التفاوض

د. مروان محمد مشتهى يكتب : فن التفاوض

مروان محمد مشتهى

فن التفاوض
بقلم د. مروان محمد مشتهى

الإنسان اجتماعي بطبعه كما يصنفه علماء النفس ،ويميل فكرياً وعاطفياً إلى مد جسور الصلة بينه وبين بيئته المحيطة ، فمنذ القدم ومع كثرة التجمعات البشرية وتفاعلها وتنافسها فيما بينها ظهرت الحاجة الماسة للتفاوض واعتباره الوسيلة الأولى للتفاهم والتوافق، ولكن لم يكن بتلك الأسس والأهداف التى نعيشها في عالم اليوم ، حيث اقتصرت تلك المرحلة على إقرار هدنة أو صلحاً عشائرياً. ليس إلا .

ومع تطور المجتمعات وتشابك العلاقات الدولية والإجتماعية فيما بينها وتوسع أوجه النشاطات بكل أنواعها ومفاصلها ؛ أصبح الحوار والنقاش أسلوباً لا يمكن الاستغناء عنه للوصول إلى اتفاقات ثنائية أو جماعية .

 يمكن اعتبار نشأة الدول بشكلها الحديث وشكل الدولة ونظامها وهويتها ،ونشوء الصراعات والنزاعات فيما بينها  كترسيم الحدود ، ومشاكل المياه والملاحة الدولية ، والنفط والثروات الطبيعية، وأطماع الدول الكبرى ؛ ومع بروز كذلك  التجارة الخارجية وتطور العلاقات العامة وظهور الشركات العملاقة وشركات متعددة الجنسيات ، كل ذلك جعل من عملية التفاوض  هي الباعث الأساسي لجسر الهوة بين مواقف الأطراف المتنازعة للوصول إلى تفاهمات تسهل التعاون والحركة والتجارة وتبادل المنافع والخبرات بين جميع الأطراف لتحقيق مصالحها .

فالتفاوض اذاً  هو نوع من الحوار وتبادل الاقتراحات بين طرفين أو أكثر للوصول إلى اتفاق يؤدي إلى حسم قضية متنازع عليها بين طرفين أو عدة أطراف مختلفة للوصول إلى قواسم مشتركة لجميع الأطراف تعتبر الحد الأدنى لكل طرف يمكن أن يوافق عليه .

يتوقف النجاح في عملية التفاوض على الاعداد الجيد والتخطيط المسبق لذلك ، مع تحديد الظروف المحيطة والتركيز على قضية الحوار المركزية ، مع توافر بنك معلومات حول تلك القضية لتوظيفها أثناء جلسات الحوار .

ولا يفوت المفاوض الذكي تحديد استراتيجية التفاوض والتكتيكات الواجب استخدامها ،ومراعاة الاستخدام الذكي للوقت بما يخدم التأثير في جلب أكبر مكتسبات من خلال متى تتشدد ؟ متى تتساهل؟متى تضيع الوقت؟ فالوقت مهم جداً في كسب جولات الحوار وانهاك الطرف المقابل .

يجب أن يمتلك المفاوض الناجح مهارات صياغة الاتفاقات والتعهدات التى تم التوافق عليها وعدم استخدام عبارات غامضة المعنى أو تحتمل أكثر من تفسير .

يرتكز المفاوض الناجح على عدة  دعائم أساسية كوضوح الهدف من التفاوض ومرونته ،فالهدف الجامد يعتبر معوقاً  أساسياً لنجاح المفاوضات ،ولا نقصد هنا بمرونة الهدف التفريط بالهدف العام من التفاوض وانما امتلاك الأسلوب والحنكة والخبرة لتحقيق الهدف التفاوضي .

يجب أن يكون الهدف كذلك واقعياً وقابل للقياس والتحقيق وإلا ستنهار المفاوضات من أول جلسة تفاوض ، مع الحفاظ على السرية التامة بحيث من الضروري أن لا يعلم الطرف الآخر بما هي أهدافك وما أساليبك وتكتيكاتك التفاوضية وما تأمل تحقيقه أو ما هو سقفك التفاوضي وعلى المفاوض أيضاً التحفظ على حجم ومقدار التنازلات التى ينوى تقديمها من أجل إبرام الاتفاق .

لابد من التركيز على أن نجاح أو فشل عملية التفاوض تعتمد إلى حدٍ كبير على المفاوض نفسه فلابد له من الالتزام بالأهداف المركزية لعملية التفاوض ، والتمتع بالهدوء والسيطرة واستغلال المواقف ، ويجب التركيز على المصالح وأن يتفاوض مع الجهة التى تمتلك قرارت بإنجاز اتفاق دون رجوعها إلى قياداتها للتصديق على ما يتم التوافق عليه .

تقع على عاتق المفاوض الناجح كذلك تشكيل فريقاً تفاوضياً مناسباً من خلال امتلاكه قدراً كافياً من الخبرة والكفاءة والإنسجام التام بين أعضائه و تمتعهم  بالصبر وطول النفس وضبط لغة الجسد و القدرة على إدارة جلسات الحوار والتفاوض وحل النزاعات بكل فعالية واتزان عاطفي وانفعالي .

لابد للمفاوض الناجح أن لا يعطي تنازلات مجانية خاصةً في الحالات التى تتميز باختلال في موازين القوى ؛ فإن الميل إلى المساومة يقل في هذه الحالة ويتمكن الطرف الأقوي من فرض شروطه التفاوضية عن طريق الضغط والإكراه ، فالمفاوض المخضرم في هذه الحالة يترتب عليه تحديد أولوياته  وتقييم الموقف التفاوضي ،وتحديد المساحة التى يستطيع التحرك بها وما  هي مقدار التنازلات التى سيقدمها بحيث لا تمس القضية الجوهرية للتفاوض .

تعتمد مهارات التفاوض على عدم أحراج الخصم بحيث يخرج من جولات التفاوض صفر اليدين خالي الوفاض ،بل يجب إعطائه مكتسبات يستطيع تسويقها لجمهوره ويجب توظيف مبدأ انت تربح وأنا أربح والابتعاد عن الأنانية المفرطة من خلال توظيف مبدأ أنا أربح وأنت تخسر ،والابتعاد كل البعد عن مبدأ العند والنتيجة الصفرية التى تعتمد مبدأ أنت تخسر وأنا أخسر .

يعتبر التفاوض في الإسلام فناً من فنون الدبلوماسية ،من خلال المهارات التفاوضية التى امتلكها الرسول عليه السلام ، وتبين ذلك عند إبرامه لصلح الحديبية ،ولقد تذمر صحابة رسول الله من ذلك الاتفاق واعتبروه مذلاً لهم ، من خلال الشروط التى وضعتها قريش وتمثلت بأن يعود الرسول هذا العام إلى المدينة وأن يعتمر العام القادم ، إلا أن حكمة الرسول القائد والمفاوض الذكي ، أنجزت للمسلمين ما أرادوا دون سفكاً للدماء ودون التخلي عن الهدف الأساسي التى جاؤا من أجله وهو أداء مناسك العمرة وبذلك نشر وتثبيت الدين الإسلامي في مكة واعتراف قريش بقوة المسلمين

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سامي-إبراهيم-فودة

سامي إبراهيم فودة : استشهاد الأسير المحرر/ حسين محمد مسالمة بعد صراع مع مرض السرطان

استشهاد الأسير المحرر/ حسين محمد مسالمة بعد صراع مع مرض السرطان (1982م – 2021 م) …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *