الرئيسية / الآراء والمقالات / محمد جبر الريفي يكتب : تراجع الدور الأمريكي وبروز أقطاب جدد في السياسة الدولية

محمد جبر الريفي يكتب : تراجع الدور الأمريكي وبروز أقطاب جدد في السياسة الدولية

116282509_3207508845995508_3880421885808630290_n

تراجع الدور الأمريكي وبروز أقطاب جدد في السياسة الدولية
محمّد جبر الريفي
 
 
 
تشهد المتغيرات النوعية على صعيد المنطقة العربية، وبعض مناطق العالم الناتجة عن أزمة الديموقراطية في موضوع تداول السلطة السياسية، حيث الصراعات الدموية المدمرة تراجع في الدور السياسي الأمريكي وضعف في الهيمنة الكونية لواشنطن على توجيه السياسات في الشرق الأوسط، وفي بقية مناطق العالم التي تشهد أيضًا صراعات قياسًا لما كان عليه في الماضي بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال القطبية الثنائية؛ فلم تعد الولايات المتحدة الآن هي اللاعب الرئيسي الذي يرسم مستقبل المنطقة العربية ويعمل على ترتيب أوضاعها خدمة لمصالحها الاحتكارية الإمبريالية، فقد أفرز الصراع على السلطة السياسية في الأقطار العربية التي شهدت ثورات ما سمي بالربيع العربي وجود لدول إقليمية ودولية كبرى لها مشاريعها السياسية ومصالحها الاقتصادية كإيران و تركيا وروسيا وفرنسا، وهي دول مؤثرة الآن في الصراع، لأنها منخرطة به سياسيًا وعسكريًا، ولا يمكن تمرير تسويات له إلا باتفاقيات ترضي كل هذه الأطراف مجتمعة، والدليل على ذلك أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في الماضي في إحدى فترات الصراع الدائر في سوريا، قد تم بتنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا، وتم الإعلان عنه من قبل وزيري خارجية البلدين. هكذا لم تعد واشنطن هي التي تقرر وحدها مستقبل المنطقة وتتحكم في قرار تسوية صراعاتها، وقد انعكس ذلك على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبسبب ذلك المتغير النوعي تسعى فرنسا منذ مدة لممارسة دورًا في مساعي التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وذلك اعتقادًا منها بتراجع الدور الأمريكي في المنطقة وفشله في تحقيق مشروع حل الدولتين.
 
إن فرنسا كقوة عظمى في العالم وعضو دائم في مجلس الأمن الذي يمتلك أعضاؤه استخدام حق الفيتو هي دولة ليست غريبة عن المنطقة؛ بحكم ماضيها الاستعماري في المشرق والمغرب العربيين، وهي بخلاف الدول الأوروبية الأخرى تتطلع دائمًا بالقيام بدور سياسي هام في المنطقة العربية، خاصة في موضوع الصراع العربي الصهيوني؛ أسوة بدورها السياسي والعسكري في بعض دول القارة الإفريقية، لكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت دائمًا تعارض أي دور سياسي أوروبي هام في المنطقة، يسجل لصالح الاتحاد الأوربي الذي أصبح قطبًا سياسيًا هامًا على المستوى الدولي وله مصالحة الخاصة القارية النابعة من اهتمامه المباشر بقضايا الشرق الأوسط؛ بسبب الماضي الاستعماري والجوار الجغرافي، وهذه المعارضة للدور الأوربي، وبشكل خاص الفرنسي منه، والتي تتوافق هذه المعارضة الأمريكية وتنسجم مع الرغبة الإسرائيلية في أن يبقى ملف التسوية السياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي دائمًا محتكرًا من قبل الدبلوماسية الأمريكية؛ تنطلق هذه المعارضة أساسًا من وجود تعارض في المصالح الاقتصادية في النظام الرأسمالي العالمي بين الدول الأوربية والولايات المتحدة، وكذلك نظرة واشنطن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتفكك المعسكر الاشتراكي وزوال حلف وارسو. فبعد هذه التغيرات الاستراتيجية باتت هي القطب الأوحد في العالم غير المسموح بمنازعته والقادر أكثر من غيره من القوى الدولية الأخرى على وضع حلول للصراعات والأزمات الدولية، غير أن المشهد السياسي الحالي على الصعيد الاقليمي والدولي لا يساير هذه الرؤية السياسية لواشنطن. فبعد تلك المتغيرات الاستراتيجية على الصعيد العالمي وانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي؛ شهدت الخارطة السياسية الدولية بروز أقطاب جدد في العالم، وفي مقدمة هذه الأقطاب روسيا الاتحادية بموقعها الجغرافي في شرق أوربا وعلى تخوم قارة آسيا وبتعدادها البشري وتاريخها الحضاري الغنية بالنفط والغاز ووريثة الاتحاد السوفييتي السابق في المقدرة العسكرية النووية، وأيضًا من الأقطاب الجدد الاتحاد الأوربي الذي يجمع أكثر شعوب القارة الاوربية في صيغة إطار نظام سياسي واحد، على الرغم من تاريخ هذه القارة المليء بالحروب بين قومياتها المتعددة، وعلى الرغم أيضًا من الخلاف بين مذاهب المسيحية الغربية فيها، وكذلك القطب الصيني جمهورية الصين الشعبية العملاق الاقتصادي الذي يغزو بنتاجه السلعي الاستهلاكي أسواق بلدان العالم الثالث، وكل ذلك البروز لفاعلية الاقطاب الجدد وحضورها على مسرح الأحداث الدولية، كان سببًا في تراجع الهيمنة الأمريكية على المستوى الكوني، وكان فشل السياسة الأمريكية في تحقيق تقدم في موضوع التسوية في الشرق الأوسط هو نتيجة لهذا التراجع، حيث لم تستطع الإدارات الأمريكية المتعاقبة في العهود الماضية حتى عهد ترامب المتصهين من إنجاز أي تقدم نوعي في عملية ما يسمى بالسلام في الشرق الأوسط. وكانت المساعي السياسية التي ترعاها منذ أكثر من عشرين عامًا تقابل بتعنت إسرائيلي مرده إلى الإحساس الصهيوني التي تمثله حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة المدعومة باللوبي اليهودي في الكونجرس بالضعف الأمريكي السياسي والاقتصادي على المستوي الدولي. هكذا تصبح هذه المرحلة مناسبة لقفل ملف الدور الأمريكي الاحتكاري للتسوية وعدم المراهنة على الرئيس الجديد جو بايدن، فهو لن يكون أقل انحيازًا في مواقفه السياسية لإسرائيل، والتطلع بدلًا من ذلك إلى أي دور سياسي دولي آخر يتولى رعاية تسوية عادلة للقضية الفلسطينية؛ أسوة بالأزمات التي تعيشها المنطقة كالأزمة السورية والوضع في كل من ليبيا واليمن، والتي تتضافر الأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى للبحث عن طرق للوصول لحلول لها، خاصة أن القضية الفلسطينية هي أم القضايا الدولية وأكثرها أهمية لكونها بدون حل؛ تشكل حالة عدم استقرار في المنطقة التي تزخر بالتعدد القومي والعرقي والطائفي، وهي عوامل من شأن التناقضات في المصالح فيما بينها إنتاج المزيد من حالات التطرف، وقد تكون الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام ترعاه الأمم المتحدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة وإيجاد حلول للقضايا الجوهرية للصراع، وهو المطلب السياسي الذي تسعى لتحقيقه الدبلوماسية الفلسطينية في حراكها الدولي الحالي هو الامكانية الواقعية الأخيرة المتاحة والمتبقية الآن أمام مشروع التسوية السياسية، وفيما لو فشلت هذه الامكانية وبقى الاحتلال الإسرائيلي قائمًا والقضية الفلسطينية بدون حل عادل وشامل، فإن الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة سيستمر لأجال طويلة.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سفير الاعلام العربي في فلسطين
رئيس تحرير جريدة الصباح الفلسطينية

سري القدوة يكتب : العمل الدبلوماسي الفلسطيني الاردني المشترك لدعم القدس ومقدساتها

العمل الدبلوماسي الفلسطيني الاردني المشترك لدعم القدس ومقدساتها بقلم :  سري القدوة الثلاثاء 11 أيار …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *