الرئيسية / الآراء والمقالات / اللواء الركن (م) جهاد جيوسي يكتب : للكرامة۔۔۔ كرامات

اللواء الركن (م) جهاد جيوسي يكتب : للكرامة۔۔۔ كرامات

97201537_3257097604323769_2477940407439196160_n

للكرامة ۔۔۔ كرامات
بقلم : للواء الركن (م) جهاد جيوسي
 
في مخيم الوحدات للاجئين كانت تدور معارك الأولاد بالحارات الذين انقسموا طوعاً لفريقين للعب لعبة (عرب ويهود)، ومن أسطح البيوت المنخفضة ومن بينها ومن الأزقة بينها كنت ترى الأولاد يتقافزون وبيدهم قطع خشبية أشبه بالبنادق، وأصوات تُطْلَقَ أشبه بصوت الطلقات المختلطة بانفجار القنابل، وصيحات الإنتصار والظفر إذا ما أمسك فريق بولد يلعب في صفوف الفريق الخصم، ولم يكن الأمر بالطبع يخلو من المناكفات، ومحاولات لتذكير الحكم المتفق عليه بين زعيمي الفريقين “أنه نسي وخربط”، والغمز بهمس من قناة الحكم بأنه “مغاوز” أي منحاز للفريق الآخر لأن أخيه الأصغر بلعب معهم…، ولكن الشوق للعفرته والنطنطه والفوز والانتصار كان يغلب على الخلافات، فتتقارب بين الفريقين المسافات وتتوارى المناكفات.
المخيم كان حاضنة وطنية للظاهرة الفدائية الجديدة، مِرْجَلٌ يغلي ويفور بساكنيه من أقصاه إلى أقصاه… شيباً وشباناً ذكوراً وإناثاً، وما كان لتلك الظاهرة الخضراء إلَّا أن يكون للأولاد حصة منها، الإهتمامات تغيرت، كبر الأولاد بسرعة، همهم فقط أن يكونوا داخل المرجل لا خارجه، لم تعد الألعاب المألوفة كافية، لعب البنانير الزجاجية والمُورْ والسبع حجار وطابة الشرايط والزَقْطَة والكُمِّسْتيرْ والسيارات المصنوعة من أسلاك الحديد…، وحتى لعبة عرب ويهود والجري في الأزقة والمناورات التي تصاحبها لم تعد بنظر الأولاد كافية.
للكرامة كرامات…، ذلك اليوم الذي جمع فيه موشيه ديَّان “ملك اسرائيل المتوج بأكاليل الغار الحزيرانية” بين غطرسة المنتصر وخيلائه بالغباء وقصر النظر، فبعد أشهر من تهديده لمئات الفدائيين (المغاوير) الذين أوجعوا جنوده ودكُّوا المستعمرات الصهيونية ووعيده للقطعات العسكرية الأردنية التي كانت تحتضن الفدائيين وتقدم لهم التسهيلات وتؤمن لهم الغطاء المدفعي عند انسحابهم لقطع النهر بأمان، تقدمت القوات الإسرائيلية يوم الواحد والعشرين من شهر آذار للعام 1968 عابرة نهر الأردن باتجاه بلدة الكرامة ومخيمها والمنطقة المحيطة بها في الأغوار الوسطى، تقدمها كان بشكل احتفالي واستعراضي أشبه بالصورة التي جسدها المخرج الراحل مصطفى العقَّاد في فيلم الرسالة عند تقدم كفار قريش إلى بئر بدر بجوار يثرب “المدينة المنورة”.. .
ياسر عرفات قائد حركة فتح بفطنته أمسك كقائد ملهم بتلك اللحظة التاريخية المفصلية، أن يصمد ورفاقه فتكون الثورة أو ينسحبوا فلا تكون، وأظن قراره هذا استند على عزم قائد الفرقة الأردنية دخول المعركة، فكان قراره الصمود في ذلك المنبسط من الغور ببلدة ومخيم الكرامة المجاور لها وعدم الإنسحاب إلى سفوح جبال السلط، فانسحاب الفدائيين سَيُسْقط مراهنة الجماهير عليهم كرواد للتحرير، قراره قلب كل قواعد حرب الغوار التي وضعها صن تزو وزاد عليها ماوتسي تونغ وجيفارا وجياب من وحي تجاربهم، وأولها: إذا تقدم العدو فعلى المغاوير التراجع، وسانده بقراره عبد العزيز الوجيه قائد قوات التحرير الشعبية .
في المخيم تحلق المواطنون أمام أجهزة الراديو بالمقاهي والدكاكين وفي البيوت، أجواء حماسية زادتها الأغاني الوطنية والمارشات العسكرية التهاباً، تتخللها البلاغات العسكرية من الإذاعة الأردنية المفصلة تباعاً لمجريات المعركة الأولى مع القوات المعادية بعد هزيمة حزيران الثقيلة، الكل يريد الثأر، مكبرات الجوامع صدحت بنداء (الله أكبر) تطلب من القادرين على حمل السلاح التطوع للقتال، رجلاي سبقتاني جرياً إلى المثلث الرابط بين شارع مأدبا والطريق النازل من جهة السوق المركزي إلى الأغوار الوسطى حيث تدور رحى المعركة، لأرى رجالاً يتدافعون للركوب في الباصات المتوقفة على المثلث لينالوا شرف المشاركة بالمعركة.
معركة خاضتها القوات الأردنية والفدائيين ببسالة نادرة ضد القوات الغازية، استبسال إلى حد الشهادة من وحدات الحجاب الأردنية المتمركزة على الحد الأمامي للجبهة، التحام بالسلاح الأبيض وعمليات استشهادية للفدائيين لتدمير الدبابات المعادية، المدفعية الأردنية المتمركزة في جبال السلط (المدفعية السادسة) لعبت دوراً هاماً في التصدي وإرباك الإمدادات للقوات المعادية، العميد مشهور حديثة الجازي قائد الفرقة الأردنية المشتبكة مع القوات المعادية تسلح بقرار الملك الحسين بعدم الموافقة على وقف إطلاق النار قبل انسحاب آخر جندي اسرائيلي من الأراضي الأردنية، وبعد تيقنه من أن وحداته الأمامية والفدائيين تمكنوا من كسر حدة الهجوم المدرع المعادي، دفع القائد باحتياطي فرقته المدرع لشن هجوم معاكس وقوي بالدبابات أجبر القوات الغازية على الفرار إلى ما وراء النهر وهي بحالة من الإرباك والتخبط متكبدة خسائر فادحة، تاركة قتلاها وآلياتها المدمرة والمعطوبة في ساحة المعركة، كانت معركة الكرامة انتصاراً مؤزراً للجيش الأردني واستعادة لكرامته بعد هزيمة حزيران، وشكلت المعركة مفصلاً هاماً في تعاظم قوة الفدائيين واحتضان الجماهير لنهج الكفاح المسلح.
وأراد الله عزَّ في عُلاه أن يكرم ذلك الشعب المقهور وتلك الأمة المجيدة بيوم نصر مؤزر، في يوم الكرامة في منطقة الكرامة، ذلك اليوم الواحد والعشرين من آذار يوم الكرامة ويوم عيد الأم ويوم الربيع، يوم الخصوبة وديمومة الحياة والفرح بربيع أخضر آت.
لروح ياسر عرفات ومشهور حديثة وشهداء الكرامة أردنيين وفلسطينيين أهدي هذا النص وتحية عسكرية .
 

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سليم الوادية

اللواء سليم الوادية يكتب : ياسامعين الصوت ،،القدس توحدنا ،،

القدس توحدنا ،، ياسامعين الصوت ،، بقلم اللواء سليم الوادية الاوقات الصعبه تعيد الاصاله لاصحابها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *