الرئيسية / تحقيقات و حوارات / نانسي الطويل.. الأُم المكافحة تهزم “الظروف القاسية” لإعاقة ثلاثة من أبنائها

نانسي الطويل.. الأُم المكافحة تهزم “الظروف القاسية” لإعاقة ثلاثة من أبنائها

 
860x484
 
 
 
رام الله / الصباح / روان الأسعد- إنّ ذكاء الأمومة الفطري هو الذي يحرك جميع الأمهات ممن رزقهن الله بأطفال ذوي إعاقة، فهؤلاء الأمهات اللواتي يرفضن التقاليد البالية للمجتمع، الذي ينبذ الأطفال ذوي الإعاقة، ويواجهن قولبة المجتمع لأنماط البشر، يعملن على قدم وساق ليدمجن أطفالهن كأفراد ناجحين متميزين في قلب المجتمع، فالعلم وتجارب الأمهات أثبتت أنه عند دمج هؤلاء الأطفال بالمجتمع، وإعطائهم مزيداً من الرعاية، مع الاستماع إلى مشاكلهم ومنحهم الفرصة للتعبير عن آرائهم، يصبحون أفراداً نافعين وناجحين.
 
ومن هنا، فإنّ لشخصية الأم عاملاً كبيراً في التعامل مع الطفل ذي الإعاقة ودمجه في المجتمع، فكلما كانت شخصيةً مرنة لديها سعة صدر للتعامل مع الطفل بطريقة خاصة مختلفة عن أشقائه، زاد احتواؤها للطفل ووضعته على أُولى خطوات التميز والتقبل المجتمعي، وكذلك الأمهات ذوات الوعي العالي وقوة الملاحظة يستطعن ملاحظة أي تغيرات أو انتكاسات تطرأ على أطفالهن، ويبدأن مبكراً في العلاج، فالأمهات الناجحات في تربية هذه الشريحة من الأطفال يتميزن بسعة الصدر والقدرة على حل المشاكل بطرق مختلفة مع هؤلاء الأطفال، حتى يصلن إلى الطرق الأنسب معهم، أما نظيراتهن اللواتي لا يتمتعن بالمرونة والثقافة والاستيعاب، فأكثر عرضة للعصبية والاكتئاب والزهد في الحياة، ما ينعكس على حالة الأطفال فتتدهور صحياً وعقلياً ونفسياً.
 
تحدي الإعاقة وإعطاء الأُسرة الدور الأول
 
في الوقت الذي تستسلم فيه بعض الأمهات لكون أبنائهن من ذوي الإعاقة، هناك أمهات أُخريات حققن هذا المستحيل مع أبنائهن من ذوي الإعاقة، واستطعن تحدّي إعاقتهم والوصول بهم إلى نجاحات تؤكد أننا أمام أُمهات ناجحات، ونانسي الطويل هي نموذج يُقتدى به، فقد سعت سعياً حثيثاً من أجل تربية أبنائها، وكانت مثال المرأة المثابرة والناجحة التي أعطت لأبنائها وأُسرتها الدور الأول، وفي الوقت ذاته أعطت عملها ودراستها كل الاهتمام والإخلاص والتفاني، لأن الطرفين جزء من معادلة نجاح الحياة.
 
نانسي عثمان الطويل (48 عاماً) اتصفت بالصبر والأناة وسعة الصدر والتعامل مع الصعاب ومواجهة الصدمات بالتصميم والحكمة والسعي نحو الهدف الأكبر (سلامة الأسرة) المكونة من خمسة أبناء، ثلاثة منهم من ذوي الإعاقة، فواجبها كأُم لم يمنعها من التفوق والتدرج في وظيفتها من معلمة إلى مشرفة تربية خاصة بوزارة التربية والتعليم، ومن تجربتها مع أولادها طلبت الوزارة منها أن تعمل مع ذوي الإعاقة لتكون أول معلمة بفلسطين في عام 2004 بمجال غرف المصادر، التي هي دمج ذوي الإعاقة بالمدارس الحكومية، وتكللت تجربتها بالنجاح، لأنّ ما حققته مع أولادها أقنعت فيه أُمهات أُخريات، واستطاعت أن تُسخّر تخصصها في مجال التربية الخاصة لتوصل خبراتها للمجتمع الفلسطيني وتخدم بلدها.
 
الأُمومة هدوء وسكن ونضج..
 
تحكي نانسي  تجربتها مع أبنائها الثلاثة قائلة: الأُمومة هدوء وسكن ونضج، عشتُ عبرها بقوة المحاربين أحياناً، فواجب الأُم أن تتحاشي الخطأ لتكون قدوة، وتسعى لسد الثغرات بغير حساب للربح والخسارة الشخصيين، وهناك حاجة التميز بالحلم لتتغلب على اعتبارات الواقع وعقباته، ويجب أن يرسخ جهد الأمومة لتعزيز القيم بين أفراد الأسرة، فهاجسي دائماً نجاه الأُسرة من العيوب لنرسخ السمعة الطيبة في كل الظروف، حيث إنّ الأُسرة والأبناء دائماً لديّ قبل كل شيء، ويسبق ذلك أي دور كانت فيه الصعوبات جمة وكبيرة وغير محمولة، وبفضل الله والترتيب كان النجاح حليفي، ومضت الحياة، وكانت الأُمور أكثر صعوبةً مع كبر الأبناء، لأنهم يحتاجون إلى مزيد من الرعاية والاهتمام، وكان همّي أن لا أُقصّر تجاه أُسرتي وبيتي وأبنائي، وكان التحدي، غير أنني نجحت، وحظيتُ باحترام المجتمع واحترام أبنائي.
 
وتتابع: قررتُ أن أُنجح التجربة وأُعممها، لأنّ المراة المثابرة والناجحة هي التي تعطي لأبنائها وأُسرتها الدور الأول، وفي الوقت ذاته تعطي عملها ودراستها كل الاهتمام والإخلاص والتفاني، لأنّ الطرفين جزء من معادلة نجاح الحياة، لم أكن لأكون هنا وأُواصل حياتي المهنية والدراسية وحياة الأُم لولا الدعم الذي حظيت به من زوجي ومن والدته التي وقفت معي دائماً، ودعمتني وساعدتني، خاصة في أوقات الدراسة، لأُنهي البكالوريس والماجستير وأبدأ في الدكتوراه، وبمساندتهما استطعتُ التوفيق بين الدور في الأُسرة كأم والعمل كمشرفة والدراسة.
 
وتكمل نانسي: هذا التفوق لم يأت من فراغ، فأنا كنت مصرة على أن يكون أطفالي أشخاصاً مندمجين في المجتمع وناجحين، وألا أتركهم، وكذلك كان لأبيهم دور كبير في أن يدمجهم في المجتمع الخارجي، حتى ننشط ذهنهم واستيعابهم.
 
دمج الأطفال ذوي الإعاقة بالمجتمع
 
وتقول نانسي: بالرغم من عدم وجود أي صلة قرابة بيني وبين زوجي، فإننا أنجبنا ثلاثة أطفال لديهم إعاقة ذهنية، إضافةً إلى التوحد.
 
وتضيف: كانت البداية مع أول طفلة وُلدت لنا بهذه الحالة، وظهرت العلامات عليها بعد سنتين، وقررنا أن نسعى لخدمتها وخدمة إخوتها بعد ظهور الإعاقة عليهم، بدأنا نتساعد أنا وزوجي الذي كان له دور كبير جداً في مساعدتي ومساندتي، فقد وقف دائماً إلى جانبي، ساعدني وشجّعني منذ بداية زواجنا، فقد تزوجتُ بعد إنهاء الثانوية العامة لأُسجل بالجامعة، والحمد لله أتممتُ البكالوريوس بتخصص تربية ابتدائية، وبهذه الفترة ومع ظروف أولادي ساعدني التعليم بشكلٍ إيجابيٍّ وكبيرٍ في أن أدعم أولادي، وأصبحت لديّ معرفة وإلمامٌ أكثر بالمراكز التي من الممكن أن أتوجه إليها، وكيف بإمكانها مساعدة أطفالي بعد أن كان من الصعب عليّ أن أعرف كل المختصين، وبعدها قررتُ أن أُكمل الماجستير في مجال التربية الخاصة، والتحقت بجامعة بير زيت، وبعد حصولي على درجة الماجستير، تقدمتُ إلى الدكتوراه، ولا أزال أدرس لحصولي عليها.
 
جهودٌ ومتابعة لدمجهم بالمجتمع
 
وتتابع نانسي: ظهرت الإعاقة عند البنت وهي في عمر العامين، وحالياً عمرها 29 عاماً، وبعدها بعام ونصف اكتشفنا إصابة أخيها، ثم اكتشفنا الطفل الثالث الذي هو ترتيبه الخامس، وقررتُ أنا وزوجي أن نساعدهم ونقف إلى جانبهم منذ 27 عاماً وحتى الآن في أيّ مجالٍ متاحٍ للتسجيل في مراكز أو دورات، ثم عملتُ على دمجهم بالمدارس الحكومية، وقررتُ مساعدة المعلمين بدمجهم من خلال أوراق العمل، وبجعل دوامهم نصف نهار بدلاً من دوام كامل، تساعدنا مع بعضنا.
 
وتضيف: الحمد لله تخرجوا مع باقي أقرانهم، وكان الهدف الأساسي هو الدمج الاجتماعي، وحققناه بالرغم من أنّ معرفتهم في البداية لم تتجاوز كتابتهم أسماءهم، وفي الوقت نفسه كنتُ بعد الدوام أذهب بهم إلى جلسات النطق والعلاج الوظيفي، وهذه الأُمور كما ساهمت نوعاً ما ليس بالحد من الإعاقة، ولكن على الأقل التقليل والتبسيط منها، وكان لدمجهم بالمدارس أثر إيجابي كبير.
 
دور الأُم وتضحياتٌ مضاعفة
 
وتتابع: بصراحة وضع العائلة التي فيها أطفال من ذوي الإعاقة مختلف عن غيرها، والأُم تحديداً لا تكون كأيّ أُمٍّ ثانية، فالعلاقات الاجتماعية تقل بشكل كبير، لأنّ جُل وقتها لأولادها، وهنا أشكر كل من دعمني بشكل كبير، وبالأخص والدة زوجي، وهي امرأة كبيرة في العمر وأُمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكن دعمتني بالعناية بالأولاد بشكل كبير، فقد كنتُ أتركهم عندها، وأذهب إلى الجامعة وأستيقظ بالليل لأدرس، واستطعتُ أن أُحقق ما طمحت إليه من خلال تنظيم الوقت، ومع ذلك كان هناك الكثير من التعب والإرهاق الجسمي.
 
وتواصل: لا يوجد شيء مستحيل مع الصبر والتعب والاجتهاد، لذلك فإنّ رسالتي لكل أُم لديها أطفال ذوو أنه عليكِ أن تُدركي أن رسالتك صعبة، فهم هدية لك من رب العالمين، اشعريهم بوجودهم، يجب أن تكون لديك رسالة وهدف، فعندما تابعتُ أولادي وتعبتُ عليهم فهم يستحقون كل التعب والجهد لأنهم لم يعودوا يخافون من المجتمع، وعوّدت الجميع على أن يتعاملوا معهم، وأن لا يُهمشوهم، فالاهتمام والدمج مهمان لسلوكياتهم، وكان لذلك كبير الأثر على نفسيتهم.
 
التوحد مقروناً بإعاقة ذهنية.. تجربة صعبة تكللت بالنجاح
 
وتقول نانسي: إذا كان الأطفال يعانون من التوحد فقط، فهذا أسهل بكثير من أن يكونوا مصابين بإعاقة إلى جانب التوحد، لأن بمقدورهم أن يتميزوا، لكن عندما يكون التوحد مقترناً بإعاقة عقلية يكون الموضوع أصعب بكثير، لأن قدراتهم تضعف بشكل أكبر كلما كبروا، إضافةً إلى أن خلايا المخ تضمر مع الوقت، ولكن نفسياً عندما أتذكّر نفسي كيف تعبت عليهم وهم أطفال أفرح، على الرغم من أن وضعهم يسوء عندما يكبرون، لكنني قدمتُ لهم كل ما باستطاعتي.
 
نانسي الطويل كأيّ أُم أراد لها الله أن تمر بهذا الاختبار الصعب ثلاث مرات، حيث رزقت بثلاثة أطفال ذوي إعاقة، وتحدت إعاقتهم، ما جعلها صاحبة تجربة طويلة وجهود مكثفة ومشوار فيه الكثير من الأوقات الصعبة والتحديات والإصرار على النجاة بأطفالها وغيرهم من ذوي الإعاقة حتى يصبحوا إيجابيين، لأن إعاقة أيّ طفلٍ هي تجربة شديدة القسوة على أهله، لتؤكد في النهاية من خلال تجربتها أن الإعاقة الحقيقية هي في فكر المجتمع القاصر وإشعاره هذه الفئة بالعجز، بالرغم من أن الواقع فيه نماذج كثيرة أثبتت العكس، وأثبتت قدرتها على النجاح والقيام بدورها في المجتمع على أكمل وجه.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

785

ما هو حائط البراق ؟

ما هو حائط البراق ؟ رام الله / الصباح / كتب أ.د. حنا عيسى   …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *