الرئيسية / تحقيقات و حوارات / اللقاحات.. بين الدبلوماسية والعنصرية

اللقاحات.. بين الدبلوماسية والعنصرية

860x484
اللقاحات.. بين الدبلوماسية والعنصرية
 
رام الله 11-3-2021 وفا- رامي سمارة
 
“يتردد صدى نجاح حملة التلقيح التي تجري في إسرائيل حول العالم، إلا أن في طياتها جانبا مظلما يلقي بظلال تأثيره المروّع على سكان الضفة الغربية حيث أعمل، وعلى سكان قطاع غزة المحاصر، حيث يعمل زملائي في منظّمة أطباء بلا حدود”.
 
كان هذا جزءا من مقال لماتياس كينيس، المدير الطبي في مشروع استجابة منظّمة أطباء بلا حدود لتفشي مرض كوفيد-19 في الخليل، حذر فيه من تنامي اليأس في فلسطين، تبعا لعدم تكافؤ فرص الحصول على لقاح مضاد لفيروس “كورونا”.
 
نشر المقال في شباط/ فبراير المنصرم، بالتزامن مع الكشف عن توجه إسرائيلي لتقديم “فائض” اللقاحات كهبات سياسية لدول، إما لثنائها على قرارات افتتاح مكاتب تمثيلية في مدينة القدس المحتلة، أو لتشجيعها على المضي قدما في درب التطبيع.
 
التوجه الذي قاده رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قوبل بمعارضة داخلية من شريكه في الائتلاف الحاكم وزير جيشه بيني غانتس، الذي اعتبر أن “نتنياهو يتاجر في لقاحات دفع سكان إسرائيل ثمنها من أموال الضرائب، وهذا يظهر أنه يدير مملكة وليست دولة”.
 
وما أن خبت حمى هذا التوجه لأيام عدة، إثر الانتقادات الداخلية التي وجهت لنتنياهو لتفرده في اتخاذ القرار وتوجيه السياسات، أعاد الأخير الدفع بمخطط توزيع الآلاف من جرعات لقاح “كورونا” على عدة دول، بحجة أن صلاحيتها شارفت على الانتهاء.
 
وبموجب ذلك، سيعمل نتنياهو على تزويد 20 دولة بـ”كميات رمزية” قُدرت بـ46 ألف جرعة من لقاحات صنّعتها شركة “موديرنا” الأميركية تنتهي صلاحيتها في أيار/ مايو المقبل، مقابل الحصول على دعم تلك الدول في المحافل الدولية، أو انتزاع اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل.
 
ووفقا لما نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، فإن قائمة الدول تشمل: اثيوبيا، وتشاد، وموريتانيا، ورواندا، وقبرص، وسلوفاكيا، والمجر، والتشيك، وسان مارينو، وهندوراس، وغواتيمالا.
 
وعمليا، استقبلت عدة دول من بينها هندوراس والتشيك آلاف الجرعات من لقاح “موديرنا”، في إطار مكافئتها على مواقفها التي قبلت فيها ما تسمى بالسيادة الإسرائيلية على مدينة القدس المحتلة.
 
وتعهدت هندوراس في أيلول/ سبتمبر 2020 بنقل سفارتها من تل أبيب للقدس، بينما أعلنت وزارة خارجية التشيك عن نيتها افتتاح مكتب دبلوماسي في القدس يتبع لسفارتها القائمة في تل أبيب.
 
ومطلع العام الجاري، أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بوضع حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة مايكل لينك والمقررة الخاصة المعنية بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، تلالنغ موفوكينغ، أن “إسرائيل لم تضمن حصول الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، على اللقاحات في المستقبل القريب”.
 
وأضافا انه من الناحيتين الأخلاقية والقانونية، “فإن التباين في الوصول إلى الرعاية الصحية اللازمة في خضم أسوأ أزمة إنسانية عالمية منذ قرن؛ أمر غير مقبول”.
 
وبحسب الخبيرين، فإن إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، مطالبة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة بأن تحافظ “إلى أقصى حد ممكن من الوسائل المتاحة” على الخدمات الصحية في الأرض المحتلة.
 
وتحتم المادة 56 من الاتفاقية على المحتل تطبيق “الإجراءات الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة” بالتعاون مع السلطات الوطنية والمحلية.
 
وكان الرئيس السابق لبعثة منظمة الصحة العالمية في فلسطين جيرالد روكينشاب، قال في تصريحات لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية في كانون الثاني/ يناير الماضي، إن هيئة الأمم المتحدة طلبت من إسرائيل المساعدة في توفير لقاحات “كورونا” لتغطية العاملين في المجال الصحي في فلسطين، إلا أنها رفضت الطلب بداعي نقص اللقاحات لديها.
 
وأضاف روكينشاب في حينه، ان “الناس يموتون من الفيروس كل يوم على كلا الجانبين، ومن الضروري ضمان التضامن العالمي وتوفير اللقاحات للجميع لأنه لن يكون أحد في مأمن حتى يتم تحصين الجميع”.
 
واتهمت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية إسرائيل بتجاهل واجباتها كقوة احتلال، وبأنها تمارس التمييز العنصري ضد الشعب الفلسطيني وتحرمه من حقه بالصحة.
 
وجاء في بيان للخارجية، أن بحث القيادة الفلسطينية عن توفير اللقاحات من مصادر مختلفة، لا يعفي إسرائيل من مسؤولياتها تجاه تقديم اللقاحات للشعب الفلسطيني، استنادا إلى واجباتها بموجب قواعد القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف، ولوائح لاهاي للعام 1907، باعتبارها قوة احتلال.
 
وطالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية، إسرائيل بتوفير اللقاح المضاد لفيروس “كورونا” للفلسطينيين في الأراضي المحتلة بموجب “اتفاقية جنيف الرابعة”، التي تلزم القوة المحتلة بضمان تزويد السكان تحت الاحتلال بالإمدادات الطبيّة، وتطبيق الإجراءات الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة.
 
ونددت المنظّمة في بيان لها صدر في كانون الثاني/ يناير بترك إسرائيل للفلسطينيين دون حماية، بينما يتلقى المستوطنون الذين يقيمون على أراضي الضفة اللقاحات بموجب أحد أسرع المعدلات في العالم، ما يؤكد “أن إسرائيل لديها القدرة على توفير اللقاحات لبعض الفلسطينيين على الأقل في الأراضي المحتلّة”.
 
المسألة قانونية وليست إنسانية:
 
وقال المحاضر في جامعة بيرزيت المختص في القانون الدولي ياسر العموري، على إسرائيل أن تفي بمسؤولياتها بموجب القانون الدولي تجاه الإقليم الخاضع للاحتلال، قبل أن تفكر في التصرف بفائض اللقاحات لديها.
 
وقال: “بموجب أحكام وقواعد القانون الدولي، فإن الضفة الغربية -بما فيها القدس الشرقية- وقطاع غزة، جزء من الأراضي المحتلة، وبالتالي تتحمل إسرائيل تجاه الإقليم المحتل المسؤولية الكاملة، ويترتب على ذلك توفير الرعاية الصحية الكاملة في هذه الجائحة لكافة الأفراد، لا سيما أن وجود الاحتلال يمنع الدولة الفلسطينية من أن تمارس سيادتها الكاملة على هذه المناطق”.
 
وأضاف العموري ان مسؤولية تقديم اللقاحات والرعاية الصحية للفلسطينيين يحتم ألا تكون مما هو فائض عند إسرائيل، ولا يجب أن تنبع من وازع إنساني، نظرا لأن هذه المسؤولية ليست أخلاقية بل قانونية، بمعنى أن إسرائيل عليها تقديم اللقاحات لسكانها وللمواطنين في الإقليم المحتل على حد سواء.
 
وقال: على القيادة الفلسطينية ان تستغل هذه الفرصة وتعمل قانونيا بالتوازي مع فضح السياسات الإسرائيلية العنصرية في وسائل الإعلام، على تحريك دعاوى أمام المؤسسات الدولية.
 
وأشار إلى أن هناك بندا دائما على أجندة اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، والجمعية العامة للأمم المتحدة، يختص بالرقابة على التزام الدول بتطبيق اتفاقيات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، إلى جانب العمل لدى الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر إسرائيل شريكا رئيسيا في الكثير من الاتفاقيات الدولية، ويترتب على هذه الشراكة تطبيق اتفاقيات وحالة حقوق الإنسان.
 
وقال: إن عملية الضغط التي يمكن أن تمارس على إسرائيل من قبل شركائها والمنظمات الدولية من المؤكد أنها ستفضي لإجبار إسرائيل على الوقوف عند مسؤولياتها في تقديم اللقاح لكافة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، أو بالحد الأدنى لتتحمل مسؤولياتها عن إخفاقها وانتهاكها للقواعد القانونية الدولية.
 
إسرائيل تتعامل مع ملف اللقاحات من منطلق استعلائي:
 
وسلط مدير مركز القدس للدراسات الإسرائيلية عماد أبو عواد، الضوء على أن إسرائيل تتعامل مع ملف اللقاحات الفائضة من منطلق استعلائي.
 
وقال: إن نتنياهو قدم كميات محدودة من اللقاح الأدنى نجاعة لدول “فقيرة” مقابل الحصول على مواقف سياسية، ومنها عدم التصويت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة أو نقل السفارات والممثليات لمدينة القدس المحتلة، وهذا الابتزاز السياسي سينقلب اختراقا دبلوماسيا يتماهى مع الأهداف القومية الاستراتيجية لإسرائيل، والتي تركز في الوقت الراهن على استمالة مواقف غالبية دول العالم، سواء في الأمم المتحدة أو في المجالس والائتلافات والتحالفات المختلفة.
 
وابتاعت إسرائيل آلاف الجرعات من لقاحي “فايزر بيونتيك” و”موديرنا” بعد ترخيصهما بشكل رسمي، ولما تبين أن اللقاح من شركة “فايزر” أفضل من حيث النجاعة والفعالية في مقاومة الفيروس، تم اعتماده والاتفاق مع الشركة المنتجة على توريد ملايين الجرعات منه، في حين تم وقف التعامل بـ200 ألف جرعة حصلت عليها إسرائيل من لقاح “موديرنا”، فقام نتنياهو باستغلالها في جوانب سياسية”.
 
وأشار إلى أن أي إنجاز دبلوماسي سيصب في صالح صناديق حزب الليكود خلال انتخابات الكنيست المقبلة، المقرة في 23 من آذار/ مارس الجاري، وسيشكل ذلك استمراراً لخروج إسرائيل من حالة “فقدان الشرعية”، وبالتالي صعود أسهم نتنياهو باعتباره الأكثر قدرة وتأثيراً في الساحة الدولية، وبإمكانه أيضاً المحافظة على المصالح العليا لإسرائيل.
 
محلياً، بحثت خلية متابعة “اللقاحات” التي يقودها رئيس الوزراء محمد اشتية، الجهود المبذولة على الأصعدة كافة لوصول اللقاحات من الجهات والشركات الدولية للبدء في عملية التطعيم.
 
وتناول اجتماع اللجنة المكونة من وزارات الخارجية والصحة والمالية، الأسباب التي سببت تأخير توريد اللقاحات عن مواعيدها التي حددتها الشركات المصنعة.
 
وأكد رئيس الوزراء أن تأخر وصول اللقاحات عن مواعيدها ليس مالياً بل لأسباب تعود إلى الجهات الدولية والشركات المصنعة للقاحات.
 
وأعلن أن الأيام المقبلة ستشهد اتصالات مع الجهات الدولية والشركات للالتزام بتعهداتها لإيصال اللقاح في الأوقات التي تعهدت بها.
 
وزيرة الصحة مي الكيلة، أكدت من جانبها أن الشركات المصنعة للقاحات المضادة لفيروس “كورونا” تراوغ في إرسال “الطلبيات” للدول الفقيرة بما فيها فلسطين.
 
وأشارت في تصريح لتلفزيون فلسطين، إلى أن اللقاحات أصبحت قضية أمن قومي لكل الدول، فالدول المصنعة تعطيها أولاً لمواطنيها ثم لحلفائها، وهذا ما حدث بالنسبة للقاحي “فايزر بيونتيك” و”موديرنا”.
 
وأضافت ان اتصالات تجرى مع التحالف العالمي للقاحات “كوفاكس” من أجل تقديم موعد تسليم حصة فلسطين من اللقاحات إلى منتصف الشهر الجاري بدلاً من أواخر شهر أيار/ مايو القادم، إضافة إلى توقع وصول دفعة من اللقاح الصيني “سينوفارم” قريبا”.
 
وفي تطور لاحق، أكدت الكيلة، أن وزارة الصحة ستتسلم قريباً جداً 100 ألف جرعة من لقاح “سينوفارم” الصيني المضاد لفيروس كورونا، بتبرع من جمهورية الصين.
 
وكانت وزارة الصحة، قد أطلقت مؤخرا المنصة الإلكترونية للتسجيل لمطعوم كوفيد- 19، وأصبح بإمكان المواطنين الدخول إليها عبر الرابط http://vaccine.moh.ps والتسجيل لتلقي اللقاح لمن يرغب، وسيكون اللقاح مجانياً واختيارياً.

عن bilel2019

شاهد أيضاً

القدس

المنظمة العالمية للسلام لبناء الانسان والاوطان ترسل رسالة لهيئة الامم المتحدة

 المنظمة العالمية للسلام لبناء الانسان والاوطان ترسل رسالة لهيئة الامم المتحدة حول اوضاع الشعب الفلسطيني  …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *