عدلي صادق : في مسجد حمزة
التاريخ: الجمعة 06 فبراير 2015
الموضوع: قضايا وآراء



في مسجد حمزة
 
بقلم : عدلي صادق


كان أمس خطيب الجمعة، في مسجد حمزة الذي لا يبعد في رام الله، سوى أمتار عن مقر القضاء الشرعي وهيئة مكافحة الفساد؛ مجافياً لكل رمزيات وطني ولأمنيات الشعب الفلسطيني، وسخيّاً مع فضاء



في مسجد حمزة
 
بقلم : عدلي صادق


كان أمس خطيب الجمعة، في مسجد حمزة الذي لا يبعد في رام الله، سوى أمتار عن مقر القضاء الشرعي وهيئة مكافحة الفساد؛ مجافياً لكل رمزيات وطني ولأمنيات الشعب الفلسطيني، وسخيّاً مع فضاء إسلاموي غير محدد، ينافح عنه ويدحض اتهاماً له بالإرهاب. كان للخطبة عنوان "الأمن والأمان" فأخذ من هذا الموضوع مفتتحاً لكي يتحدث في وجهة عامة توحي بأن لا إرهاب في هذه الدنيا، وأن مَن يمارسون الإرهاب الأعمى وحز الرؤوس وإحراق الأسير، هم ضحايا ضحايهم. ربما تكون هذه هي وجهة نظره وهو حرٌ فيها. لكننا، وبإحساس عالٍ بحق كل مسلم في المسجد، بالقدر الذي يتأسس له الحق فيه؛ لنا مشاعرنا وآراؤنا ومطلبنا بأن يترحم خطيب منا، على أرواح شهداء شعبنا، وأن يستذكر القدس ويحث الهمم على الذود عنها والتشبث بالأرض، وأن ينطق بكلمة تتعلق بفلسطين. لكن هذا المحترم، لم يلفظ كلمة القدس ولم يدعُ للشهداء ولم ينوّه الى استيطان ولا الى حُسن صنيع مبتغى في مواجهة الاحتلال ولم يذكر إسرائيل ولا الصهيونية بكلمة واحدة. ذلك علماً بأنني في الجمعة الأخيرة في بلد عربي، تأثرت كثيراً وعميقاً لأن الخطيب العربي الشاب، غير الإخواني وغير التحريري وغير الفلسطيني المستلبة أرضه؛ أجهش بالبكاء مرتين وانقطع صوته، وهو يصلي بنا ويقرأ الآيات السبع الأولى من سورة الإسراء، وكان التوقف بكاءً، في المرتين، عند "المسجد الأقصى" في الآية الأولى، وعند "وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة" في الآية السابعة.
بخلاف هذا الاستنكاف المعيب، من فوق منبر رسول الله؛ كان ثمة منطق مُضلل في خطبة الرجل، مغلفاً ببلاغة الوعظ الديني. وهدف الخطبة، الذي يفهمه متوسط الذكاء، هو نهي الناس عن "الانجرار" الى تأثيم الأعمال الإرهابية. لم يجرؤ على قول ذلك صراحة، ولا على الإشارة الى واقعة بعينها، ولم يقل كلمة عن حُرمة إحراق الأسير الشاب العربي المسلم الطيار، داخل قفص، مثلما تقتضي العدالة ويوجب الشرع. كل ما يريد قوله بصيغة فضفاضة، هو أن لا إرهاب أبداً يُمارس باسم الدين. ولأن الجملة قصيرة والخطبة طويلة، فلم يستغل الشرح واللف، بطريقة يمكن أن تساعده على تمرير فكرته، كأن يركز على مظالم الاحتلال وعلى القدس وعلى الهجمة الاستيطانية وعلى بؤس غزة وكارثتها وضحاياها. وأقسم بالله، لو إن خطيباً في الفيلبين، خطب خطبته في مسجد صغير، لكان حريصاً على ذكر مظلومية الفلسطينيين في بلادهم وعلى عربدة الصهيونية. أما هذا الذي يخطب في مسجد من ثلاثة طوابق يكتظ بالمصلين؛ فكأنه مُفتي الجنود المسلمين في قوات البحرية الأمريكية "المارينز".
لا شأن لي بالانتماء الحزبي للخطيب. فإن كان "التحريريون" وجدوا أناساً يصدقونهم ويوالونهم من شعبنا، فإن هذا أمر له تحليله في إطار دراسة الوعي الجمعي الفلسطيني وسماته والأسباب النفسية لتفرعاته، بمعطيات الإحباط العام والإحساس المتنامي لدى شرائح اجتماعية باللا جدوى وغواية الهرب الى تخاريف، مثل تعطيل كل شيء وتعليق الحياة والعقل انتظاراً لحكم الخلافة. ولا أظن أن الخطيب الإخواني يتخذ الأسلوب نفسه، وإنما سيهرب في الاتجاه المعاكس، إذ سيدعو الى جحافل عاجلة، والى نصر ينتظرنا وراء باب الجامع، لولا أن الجنرال "دايتون" أعد لهذه الجحافل جيشاً أمنياً مضاداً!
لا أدعو الى قبضة للمرجعيات الدينية الرسمية الفلسطينية على المساجد. لا بأس من بقاء الجميع في ساحة الوعظ الديني، ولكن من الضروري ضبط الأمر بالحوار، لكي يتقدم الخطيب الفضفاض منكر الإرهاب، خطوة في اتجاه وضع النقاط على الحروف، ويؤدي واجبه حيال الواقع الفلسطيني، بطريقة مهذبة ومستنيرة ومعتدلة، وأن يؤدي خطيب الزلازل والتأثيم والتخوين، واجبه في بناء الوعي المقاوم المتفائل، والإقلاع عن المزاودة. فالخطاب ذو الوعود القصوى محبط كالخطاب الذي قدمه صاحبنا في مسجد حمزة!
adlishaban@hotmail.com






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=26249