عدلي صادق : حمادي الجبالي في تونس واتجاهات الرياح
التاريخ: الأحد 17 فبراير 2013
الموضوع: قضايا وآراء



حمادي الجبالي في تونس واتجاهات الرياح
عدلي صادق
يتمتع حمادي الجبالي، رئيس وزراء تونس، بذكاء فطري،



حمادي الجبالي في تونس واتجاهات الرياح
عدلي صادق
يتمتع حمادي الجبالي، رئيس وزراء تونس، بذكاء فطري، صقلته تجربة السجن الطويلة، ثم ضاعفت مدى رؤيته، اختصاصاته العلمية، كمهندس وخبير في علوم الطاقة الشمسية وقياس اتجاهات الرياح. فحمادي الجبالي يقول ما معناه، خذوها من قصيرها، وكفوا أيديكم عن تونس، واذهبوا الى حكومة كفاءات وطنية غير منتمية لأحزاب، نمنح شعبنا من خلالها، الفرصة لالتقاط الأنفاس، ومن ثم إتاحة الفرصة لكي ليختار من يحكمونه في رويّة. والرجل مُحق، فقد ثبت أن الاحتكام الى الصندوق، في مناخ اختلاط الحابل بالنابل، ومع دخول الليل في مؤخرة النهار؛ سوف يتمخض عن نتائج لا توفر استقراراً ولا انصرافاً الى حياة طبيعية خصبة. وبقدرته على قياس قوة الرياح، أدرك حمادي الجبالي، أن بلاده في حاجة الى حكومة تنقذها من الانهيار، وليس الى سياسين، إن توقف موج البحر فإن سجالاتهم لن تتوقف. والرجل يعرف ماذا يريد، ويطرح الصواب، حتى لو كان يقوم بدور "نهضوي" ضمن عملية توزيع أدوار، بهدف استعادة التأييد الشعبي لحزب "النهضة" أو كان ينفذ "إنقلاباً ناصع البياض" مثلما ألمح البعض.
في بداية السجال، بين الرجل وحزبه وشيخه المؤسس؛ كانت الفجوة واسعة. وقيل في الصحافة الفرنسية، إن تضييقها جاء على يد سفير أمريكا في تونس. وكان الحزب "الإخواني" يصر على التمسك بالحكم، بينما مفكر "النهضة" الثاني، الشيخ عبد الفتاح مورو، يؤيد الجبالي ويزيد قائلاً إن "الحركة خسرت كل شىء، ورئيس الحكومة النهضوي، يتصرف كرجل دولة، أنحى عليه إخوانه باللائمة فرفع الصوت أعلى منهم". وأتهم مورو الشيخ الغنوشي بالقضاء على "النهضة" وعلى سمعتها في تونس. فقد نصح الشيخ مورو "الإخوان" التونسيين ألا يستعجلوا على السلطة. لكنهم لم يتقبلوا النصحية واستعجلوا ليرثوا وضعاً اقتصادياً وأمنياً متردياً.
ما نحن بصدده اليوم في تونس، أن رجلاً يرتقي الى منصة سياسية وأخلاقية، ويطالب بحل حكومته واستبدالها بحكومة انتقالية من كفاءات. والرجل يعرف الشيخ راشد الغنوشي حق المعرفة، ويعرف خفايا الأساليب التي تتبعها حركة لها ظاهر وباطن، وتسير على نهج "الإخوان". وقد تحسس الجبالي مخاطر الفوعة الإسلاموية، ورأى أن يجنب جماعته والشعب التونسي، مرارات هم في غنى عنها.
الآخرون من الساسة والناشطين من الأطياف السياسية، ومن التواقين الى الديموقراطية؛ باتوا يخشون على حياتهم. فبعد اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، أصبح بعض المشابهين له سياسياً أو فكرياً، يرتدون سترات واقية من الرصاص لم يرتدوها أيام بن علي، حسب ما جاء في التغطيات الإعلامية للحدث التونسي. ويبدو أن حمادي الجبالي، من جانبه، يخشى من وجود خط سري لجماعة "النهضة" ورديفها السلفي، يشبه الخط الذي لازم مسيرة "الإخوان" في مصر منذ البدايات. فحسن البنا، أعلن صراحة في العام 1938 وفي احتفال مفتوح في ذكرى مرور عشر سنوات على تأسيس "الجماعة" إنه سيعتمد العنف بعد التحذير، في العلاقات الداخلية، وقال في خطبته: يتساءل كثيرون من الناس، هل في عزم الإخوان أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول الى غايتهم، وهل يفكرون في إعداد ثورة عارمة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي؟ أنا لن أدع الناس في حيرة بل أجيب على المكشوف:نعم"!
موضوع العمل السري العنفي، كان مواكباً لتاريخ "الجماعة" وكان الاغتيال السياسي يُدبر على مستوى حلقة ضيقة من المخططين والمنفذين، موصولة بالمرشد. وعندما يُنفذ الاغتيال، كانوا يشجبون ويترحمون على المغدور. بالنسبة لمصر، هم قتلوا رئيسين للوزراء، أولهما الزعيم الوطني أحمد ماهر الذي اغتيل في العام 1945. ولفرط ما ترحم عليه المرشد حسن البنا، وأدان اغتياله وبقدر ما تظاهرت "الجماعة" بالحزن لفقدانه؛ صَدّق الجميع أن "الإخوان" هم آخر من يمكن اتهامهم وهم فوق الشبهات، وألصقت التهمة بشاب مهووس كان ينتمي ظاهرياً الى حزب مدني. وبعد أربعين سنة، أي في الثمانينيات، أفشى المرحوم الشيخ سيد سابق (صاحب "فقه السنة") السر في مقالة له في صحيفة "المسلمون" السعودية. فقد كان مقرباً من "التنظيم الخاص" وكتب إن جماعة "الإخوان" هي التي قتلت أحمد ماهر. وبعد سيد سابق، أكد الأمر د. محمود عساف "أمين المعلومات" مع حسن البنا في مذكراته!
كأنما رئيس الوزراء التونسي، حمادي الجبالي، يتحسّب أو يخشى انكشاف أمر يجهله ولا علاقة له به. فهو بالتأكيد قرأ مذكرات قياديين سابقين في "الإخوان" وأصبح على دراية بالأساليب. على الأقل، هو يعرف أن "الجماعة" سوف تتمسك بالحكم وتستبسل في التشبث به، لأن أدبياتها أكدت من قديم على أن الحُكم هو الركن السادس من إسلامها. وللتأصيل الشرعي لهذا الركن، ذهبت "الجماعة" الى قول يُنسب للخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قاله أثناء حرب الردّة: "إن الله ليَزَع (أي يمنع) بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن". إن هذه الاستعارة، تعبر عن شوق لممارسة الإكراه بقوة الحكم، تماما مثلما استخدم عثمان القوة ضد المرتدين!
قال مرشد "الإخوان" في خطبته التي أشرنا اليها، وجاء على ذكرها الباحث المميز حلمي النمنم في كتابه عن حسن البنا: "إن قعود المصلحين، عن المطالبة بالحكم، جريمة إسلامية لا يُكفّرها إلا النهوض، واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف". ويعلق الباحث، بالقول إن مصلحاً في قامة الشيخ محمد عبده، يُعد في الفقه الإخواني مرتكباً جريمة إسلامية حين قال: لعن الله فعل ساس ويسوس!
رئيس الوزراء الجبالي، الخبير في الطاقة الشمسية وفي قياس اتجاهات الرياح، يريد أن يحسم أمره قبل وصول الإعصار، مثلما فعل الشيخ عبد الفتاح مورو، ومثلما "خَلَع" منذ عقود، بسبب الدم والدسائس، قياديون مرموقون، على مر تاريخ "الجماعة"!
نحن معنيون بتونس وبسلامها الداخلي واستقرارها وازدهارها الاقتصادي، وبحق شعبها الطيب الشقيق في الحرية، ونتمنى الأخذ برأي رئيس وزرائها، لكي تجتاز تونس بأمان، هذه المرحلة العصيبة!
www.adlisadek.net
adlishaban@hotmail.com

 







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=16577