عدلي صادقى : غلاء وبطالة وضآلة
التاريخ: الجمعة 07 سبتمبر 2012
الموضوع: قضايا وآراء



غلاء وبطالة وضآلة
عدلي صادق
بالطبع، ليست كل مصاعب الغلاء والبطالة،



غلاء وبطالة وضآلة
عدلي صادق
بالطبع، ليست كل مصاعب الغلاء والبطالة، من صنع حكومة سلام فياض. لكن الموضوعية تقتضي، أن يُصابر الى تدابير حكومية ضرورية، لا أحسب أن الحكومة بتشكيلتها، قادرة على الاضطلاع بها، لأن بعضها جاء من مواقع باذخة، أو حزبية ذات رغبة في الاستفادة من الموقع، وما يتيحه من مقدرات. ثم إن الانسجام مفتقد، بين مكونات النظام السياسي. أما الأداء المتعلق بتأمين الإمكانات المادية، فهو بائس، يقتصر على تصريحات تشكو من عدم القدرة على توفير مقدرات مالية وصرف الرواتب. هناك ضيق لافت، في أفق الاستثمار، من قبل الهيئة المعنية به، ونحن في حاجة الى أنموذج صيني مصغر، يتعاطى مع كون أفاق الاستثمار، تتسع باتساع العالم. ولدينا أيدي عاملة ماهرة، على الأقل في قطاعي الزراعة وصناعة البناء. فالصينيون يفوزون بمناقصات، ويضخون عمالتهم الى بلدان فقيرة تكتظ بالعمالة العاطلة وغير المؤهلة، ويربحون. وباتوا يهيمنون على قطاعات تنموية كبيرة في طول إفريقيا وعرضها، فضلاً عن آسيا. نحن لسنا بحجم بلدة صغيرة في الصين، لكن ما يتوافر، يسمح بالاستثمارين الداخلي والخارجي. أما الديبلوماسية الفلسطينية، في حال تطويرها وانتقاء كادرها بعناية، فإنها قادرة على أن تفتح خطوطاً للاستثمار، لكن المشكلة تكمن في غياب الرؤية والتكامل بين قطاعات ودوائر العمل الحكومي. فما يتوافر لدى النظام السياسي، من إمكانات لدفع عجلة العمل المجُزي وأينما كان مجزياً. فالإسرائيليون، يتجاوزون الحكومة الاتحادية في الهند، ويقيمون مشاريع استثمار زراعي وصناعي في الهند مثلاً، وحتى الزيتون، الذي لا يتذوقه الهنود ولا يتعاطونه ثمراً أو زيتاً، يزرعه المحتلون في الهند. إن لدينا معضلة سوء إدارة للموارد البشرية، ولدينا ضعف كارثي، في الروابط العملية والتفصيلية القائمة على خطط، بين الحكومة والقطاع العام. ثم إن من يضطلعون بوزارت ذات علاقة بالموارد البشرية، جاءوا في الأغلب، على قاعدة الحصص والترضيات والاعتبارات الخاصة. والصواب أنه لا يصلح لإدارة موارد يشرية، الوزير الذي يعلم الناس، أنه بدأ تجربته في أي عمل امتلك فيه قراراً؛ بالتركيز على توظيف زوجته أو ابنته، ورفع أكلاف حياته. فقد مرت فترة، كان فيها المال المتوافر، يغوي أصحاب القرار، بتوزيع أعطيات مالية، سعياً الى التمكين السياسي، وهذا مستوى من الممارسة، لم تشهده سوى الأقطار المتخلفة الأكثر والأفدح فساداً ومديونية.
*   *   *
في التاريخ كله، يبدأ الطامح الى دور سياسي، بأمثولة يصعد بشفاعتها الى أعلى، لكي تنعقد المقارنة، بينه وبين الذين سبقوه، فتكون له الأفضلية في وجدان الناس. وفي تجربة أخينا سلام فياض، كانت الأمثولة ذات صلة بالعامل المساعد الذي تمثله الضغوطات الخارجية، وكان دمج الحسابات الفلسطينية وتوحيدها في شريان يضخ الى الخزينة الوطنية العامة. على هذه الصعيد، ساعدت الظروف على إنجاز نحو 70% من الأمثولة التي لها آباء كُثر وكان هو ضابط أيقاعها. اليوم نسأل: هل هناك رقابة في الحقلين الأكثر حساسية وأهمية، في موضوع ما هو متاح من المقدرات المالية، على صعيد الحسابات كلها، وحركة ومضامين ومفردات وشروط الكادر الوظيفي الراهن، ومثيلاتها حركة ومضامين وشروط الكادر الوظيفي الجديد، الذي سيتلقى الرواتب من الخزينة العامة؟!
إن الحكومة القادرة على مواجهة أي حراك شعبي، هي تلك المنـزّهة على التجاوزات، جسيمها وصغيرها. والعبد الفقير، كاتب هذه السطور، لا يرغب في تناول القطاعات بالاسم والعنوان، ويعرف الكثير، ويعرف غيره أكثر. إن في مقدمة شروط العمل السياسي، وكذلك العمل في إدارة حياة المجتمع، هو عدم اختلاط المصالح الخاصة بالمصالح العامة. بل إن كل ذي مصالح اقتصادية عامة لا يصلح للوظيفة العامة. والتصرف في المقدرات، بشرف ورُشد ووطنية، هو الذي ينتج سلطة مهابة ومحترمة وجديرة بدعم شعبها، بل لا يستطيع خصومها النيل منها، مهما بلغوا من المهارة في اختلاق الأراجيف وتوظيف بعض الحقائق. وتحضرني في هذا السياق، عشرات الأقاصيص الصغيرة، عن سلوك جمال عبد الناصر، الذي ظل عصياً على محاولات الحط من شأنه أو المساس بنـزاهته، بألسنة وأقلام أولئك الذين يقيسون تجربته في شكل الحكم الذي كان في في الخمسينيات والستينيات، بمعايير العشرية الأولى من القرن الجديد. من آخر ما قرأته، من أقاصيص أوردها الطبيب الملازم له في سنواته الثلاث الأخيرة، واسمه الصاوي حبيب، أن جمال عبد الناصر، اعتاد أن تتجه الرحلة الجوية الأولى، لكل طائرة  جديدة، تشتريها شركة مصر للطيران، الى جدة تحديداً، لتنقل معتمرين من أسر الشهداء حصراً وبدون استثناء. وفي مناسبة ابتياع ذات طائرة، أعدت قائمة المسافرين للعمرة، وأبلغه المؤتمنون على عمله، أن أفراداً من الحكومة ومن المقربين في الرئاسة، يريدون السفر مع ذوي الشهداء لأداء العمرة. رفض الرجل ووبخهم بشدة، وقال لهم سافروا على حسابكم والأجور معقولة. بهذا السلوك، ما زال الإنسان المصري الفقير، بعد أكثر من أربعين سنة على رحيل الرجل، يرفع صورته كلما أحس بالضيق. ولمناسبة الغلاء، عاد جمال عبد الناصر مرة من الاتحاد السوفياتي، فاكتشف أن الحكومة رفعت في غيابه، سعر الخمسين غراماً من الشاي، مليمين. أي بدل 18 مليماً (أقل من قرشين بقليل) للعبوة، رفعوها الى قرشين كاملين. جُن جنونه، وقال لهم "أنتم تعرفون، إن الشاي هو فاكهة الفقير". لم يقبل التعليلات القائلة بأن سعر الشاي ارتفع عالمياً، ولما قيل له إن المليمين لا قيمة لهما، ازداد غضبه، وقال إن المليمين اللذين تستهينون بهما، يشتري الفلاح بهما "مشط" كبريت، يشعل به "لمبة الكاز" عشرين يوماً. كان يعرف أن "المشط" فيه عشرون عوداً، وأن سعره مليمان، ويحس بالناس الفقراء، وقد أمر بخصم مجموع الملاليم الزائدة من موازنة رئاسة الجمهورية. لذا ظل الرجل فوق الظنون، ولا يختلف اثنان، على أنه أدى مهمته الوطنية بنـزاهة، لن يصل الى مقدار ذرة منها، أدعياء أسلمة جديدة للناس، ولا أدعياء مأسسة ديموقراطية!
في بث مباشر، لتلفزيون فلسطين، من طولكرم قبل يومين؛ تحدث شبان وشابات، عن واقع الحال وعن الأفق المسدود. كان بعض الحديث صادماً، لكنه يعكس الحقيقة. وكان مؤسفاً أن عاملاً فنياً ـ ربما ـ كتم صوت بعض المتحدثين، لكن الصورة أظهرت استحسان وتصفيق الحاضرين. وبدا أن إدارة التلفزيون، تداركت خطأ العامل، وأبلغت الحاضرين بقرار تمديد زمن البرنامج. ليقل الناس ما يشاؤون، لأن هذا هو أبسط حقوقهم. الفلسطينيون قدموا المهج والأرواح ثمناً للحرية التي ينبغي أن نبدأ بمنحها لأنفسنا، قبل أن ننتزعها من عدونا.
أما الحكومة، فينبغي أن تعرف، أن إدارة حياة المجتمع، ليست بهللة ولا وجاهة ولا ياقات حمراء. هي نضال على كل الخطوط الداخلية والخارجية، ولا فلاح بلا حركة خلاّقة، قوامها مناصلون زاهدون نزهاء. بدون ذلك، سيتجاوزنا الزمن، ويغلبنا من هم أكذب من "حماس". أما بعض الفصائل، منتجة البيانات والحكي الفارغ، والواهمة بأن براهين الحضور، هي إصدار بيانات "تشجب" حرق المستوطنين لمسجد أو كنيسة مثلا (وكأن أحداً افترض أنها لا تشجب، مثلما لا تشجب منظمة من كوستاريكا) فعليها الإسهام بالأبرع والأنزه في الحكومة، والأرشد في السياسة. أول أمس، تفتق ذهن البعض، عن فكرة في حجم "مشط" كبريت، وهو الاعتصام أمام مبنى ممثلية جمهورية مصر العربية في رام الله، للاحتجاج على اعتقال الاحتلال لأسير محرر. كانت الفكرة، سترتفع الى مستوى "باكو" شاي، لو أنها اختصت سجن "عوفر" ـ مثلاً ـ بالاعتصام. إننا في زمن معتوه، زمن الغلاء والبطالة والضآلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
www.adlisadek.net
adlishaban@hotmail.com                       







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=13370