دراسة أمريكية تسأل: لماذا ثار السوريون؟
التاريخ: الجمعة 03 أغسطس 2012
الموضوع: متابعات إعلامية


دراسة أمريكية تسأل: لماذا ثار السوريون؟
في كتاب الثورة السورية

إبراهيم عباس – الترجمة

يلقي كتاب الثورة السورية (أو التمرد السوري) الصادر قبل شهرين عن معهد هوفر بجامعة


دراسة أمريكية تسأل: لماذا ثار السوريون؟
في كتاب الثورة السورية
 إبراهيم عباس – الترجمة
يلقي كتاب الثورة السورية (أو التمرد السوري) الصادر قبل شهرين عن معهد هوفر بجامعة ستاتفورد الأمريكية لمؤلفه الأمريكي الجنسية اللبناني الأصل البروفسور فؤاد عجمي الضوء على الحقبة الأسدية وتسلسل الأحداث التي أدت إلى تلك الثورة، ويعرض العجمي خلفية تاريخية وإثنية للشعب السوري وكيفية صعود الأسد (الأب) للحكم، مقدمًا صورة واقعية للشعب السوري بتركيبته الدينية والعرقية المعقدة، حتى يتسنى للقارئ فهم ما يحدث الآن ويعينه على استشراف معالم المستقبل في ضوء الأحداث الراهنة، وهو يشير بهذا الصدد إلى أن العلويين الذين يحكمون سوريا منذ أكثر من 40 عامًا ليسوا من العرب السُّنة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في سوريا، فهم يمثلون ما يقرب من 12% من السكان، وقد تمكنوا من الهيمنة على الجيش والمناصب العليا في الدولة منذ تسلم حافظ الأسد مقاليد الحكم في سوريا بداية السبعينيات من خلال حزب البعث.
يعقد الكاتب مقارنة بين حافظ الأسد وابنه بشار من خلال الاستشهاد بما جاء في مقدمة ابن خلدون حول السلالات الحاكمة، ويخلص إلى أن بشار كان شديد القرب من والده وتعلم منه الكثير لكنه لم يصل إلى مستواه في الدهاء، فالشخص الذي يتعلم الأشياء من خلال الدراسة أقل منزلة من الشخص الذي يتعلمها من خلال الممارسة العملية، لكن يبدو أن الأب كان منذ البداية يدرك أن بشار لا يصلح للقيادة، ولذا فقد كان يعد ابنه الأكبر باسل للحكم، تاركًا لبشار المجال للدراسة في أرقى المعاهد الأكاديمية في سوريا، ثم في بريطانيا، لكن باسل توفى في حادث سيارة عام 1994. ويسرد عجمي بعض الأخطاء التي ارتكبها بشار منذ تسلمه السلطة وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، عندما عمد إلى تهميش نائب الرئيس عبدالحليم خدام (من بانياس) الذي انتهى إلى المنفى في باريس وكان من أقرب حلفاء والده، والعماد مصطفى طلاس (من الرستن) وزير الدفاع، وكلاهما سني، ومعهما العديد من الجنرالات الذين كانوا مقربين من والده واستبدلهم بجنرالات جدد.
 لكن عجمي يجد أن القاسم المشترك بين الأب والابن يتمثل في دمويتهما وسفك دماء شعبهما دون شفقة بأعتى أنواع الأسلحة، وهو يرى أن الشعب السوري كان يمني نفسه عندما تسلم بشار الحكم بعد وفاة والده عام 2000 بأن يحظى بحريات أكبر وأن تنهض سوريا من جديد، في أجواء من الديمقراطية والحريات، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، وكان من الطبيعي والمتوقع أيضًا أن تتفجر مشاعر الصمت والكبت التي ظلت مختزنة على مدى 40 عاما من السكون والصمت خضعت سوريا خلالها لتسلط أجهزة المخابرات ولم يكن أمام الأغلبية العظمى من الشعب السوري سوى تقديم الولاء للنظام والالتزام بالصمت والقبول بالحكم المستبد، لكن الوضع سرعان ما تغير بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وهو ما أدى إلى اندلاع الثورة في شهر أبريل 2011 على الرغم من تأكيد الرئيس السوري بشار الأسد أن بلاده مُحصنة ضد الثورات التي تشهدها الدول المجاورة في إشارة إلى مصر، وهو ما أعتبر الفشل الأول في حساباته وتقديراته.
 
شرارة الثورة
 يرى العجمي أن اعتقال تلاميذ المدارس في درعا كان سببًا آخر لاندلاع الثورة، لكن السبب الأكبر الذي جعل تلك الثورة تنتشر في أنحاء سوريا وأدى إلى هذه الغضبة الشعبية العارمة جاء في أعقاب تعذيب وقتل الطفل - حمزة علي الخطيب ابن الثالثة عشرة على أيدي شبيحة نظام الأسد، وهو يصف الثورة السورية بأنها جاءت محصلة عدة عوامل متضافرة قوامها الدين والسياسة والحرب والسلام والعاطفة والانتقام التي جمعت الشعب السوري الباسل في وميض الأمل.
 ويرى عجمي أيضًا أن الأحداث الدموية التي تشهدها سوريا الآن في عهد بشار الأسد تذكر بمذبحة حماة التي ارتكبها والده عام 1980 وأودت بحياة ما يربو على 30000 من أهالي المدينة.
 
مفارقات النظام
 يضم الكتاب معلومات قد تبدو جديدة على البعض مثل أن زوجة بشار سنية من مواليد لندن لأب معارض جعل لندن منفاه الاختياري، هذا الأب (فواز الأخرس) الذي تخصص في أمراض القلب كان يتحدث عندما اقترن بشار بابنته بتكتم شديد عن خطايا النظام القديم (نظام حافظ الأسد)، واعتقد كغيره من الكثيرين من أبناء الشعب السوري أن سوريا ستعبر عتبة عهد جديد تبزغ فيه فجر الحرية، وكان هنالك العديد من مؤشرات التفاؤل، فكان بشار الأسد يرتاد هو وزوجته التي كانت على وشك الحصول على الماجستير من جامعة هارفارد عندما اقترن بها المطاعم بدون حراسة تقريبًا، ووعد برفع الحظر على استخدام أجهزة الفاكس في المراسلات، ورفع الحظر عن استيراد السجائر الأجنبية التي كانت محظورة في عهد والده، وازدهرت السياحة قي بداية عهده بشكل غير مسبوق، وازدادت معها الاستثمارات الخليجية، وأفرج عن مئات المعتقلين السياسيين. وأوضحت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في تقرير لها إثر لقائها بشار على هامش زيارتها لسوريا للمشاركة في تشييع جنازة والده عام 2000 أن بشار يبدو مصلحًا، وأنه يدفع بسوريا نحو التحديث، لكن ذلك سرعان من انقلب رأسًا على عقب، وبدا الأمر كما لو أن الحاكم الجديد لسوريا صورة طبق الأصل من والده.
 
الخلاصة
 يصل عجمي في نهاية كتابه إلى الاستنتاج بأن الأسد سيظل متشبثًا بالحكم حتى النهاية، وسيواصل حربه ضد شعبه مهما كانت الخسائر ومهما بلغ عدد الضحايا، معتمدًا في ذلك على دعم ومساندة روسيا والصين وإحجام المجتمع الدولي عن تقديم المساعدة للشعب السوري الذي يتعرض للإبادة الجماعية، ويقول عجمي بهذا الصدد إنه لا يبدو أن هنالك نهاية قريبة لمعاناة الشعب السوري، وليس الأمر أحسن حالاً في ليبيا، كما أن المصريين لا يغبطون أنفسهم على ثورتهم ذات الثمانية عشر يومًا التي أطاحت بالرئيس مبارك، حيث لم تحقق تلك الثورة كل آمالهم باستثناء الإطاحة بالفرعون. ولا يبدو الوضع في اليمن بأفضل مما هو في مصر وليبيا وتونس بعد الثورة، فهاهو لاعب الأكروبات علي عبدالله صالح الذي حكم اليمن ثلاثة عقود يغادر البلاد تاركًا إياها للحزن والفوضى. لكن تظل سوريا من بين تلك الدول العربية التي وقعت في اضطرابات 2010-2011 البلد العربي الوحيد الذي لا يزال شعبه يدفع ثمنًا باهظًا لعناد وقسوة حاكمه المستبد.
 
الكتاب
 يضم الكتاب الذي يقع في 229 صفحة تقديم لتشارلز هيل – مقدمة وشكرا ومدخلا، وأحد عشر فصلاً هي: الوريث - زمن المؤسس - فجر كاذب - أولاد درعا - فانتوم حماة - الحقيقة حول الطوائف - سرايفو في نهر العاصي - الجمود - أحلام وطن - ملاحظات حول المنفيين - مقتطفات من ماضي حزين ولعين - خاتمة. ولابد للقارىء من ملاحظة الخلفية التاريخية والسياسية والعقائدية للمؤلف البروفسور فؤاد عجمي الذي يعتبر النقيض للبروفسور الراحل إدوارد سعيد، كما لابد من ملاحظة أن المقدمة التي كتبها تشارلز هيل أستاذ الدراسات العالمية والعلوم الإنسانية في جامعة يال والباحث في معهد هوفر لا تمت لموضوع الكتاب بصلة وإنما تحمل شحنة كبيرة من التحامل على الإسلام.







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=12731