علي شكشك : تمامُ الكلام
التاريخ: الثلاثاء 22 مايو 2012
الموضوع: قضايا وآراء


تمامُ الكلام

علي شكشك

هل يكفي التحليلوالتعليق على مسلسلات القرارات والإجراءات التي يرتكبها عدونا بحقنا, وهل يُشفَىغليلُنا وتستقرُّ روحُنا لمجرد فضح نواياه وكشف بواعثه وخططه وتسليط الضوء على أهدافهومراميه,



تمامُ الكلام

علي شكشك

هل يكفي التحليلوالتعليق على مسلسلات القرارات والإجراءات التي يرتكبها عدونا بحقنا, وهل يُشفَىغليلُنا وتستقرُّ روحُنا لمجرد فضح نواياه وكشف بواعثه وخططه وتسليط الضوء على أهدافهومراميه, دون أن يعني ذلك التقليلَ من شأن هذا الجهد العظيم وضرورته وحيويته ودورهالفعال ولزومه الأكيد سلماً وحرباً في مسيرة الإنسان, فالكلمة والوعي هما مايُميّزان الإنسان وهما من سمات التكريم بل هما شرط التكليف وميزان التشريف, وأداةالتعبير والتواصل والتوصيل, ولقد كانت الكلمةُ رسالةَ الله إلى عباده وكانت"ألف لام ميم" مُفتَتَحَ القرآنِ الكريم, وقد حملتْ الكلماتُ كمالَالمرادِ من العباد في كدحهم الوافي من الميلاد حتى لقاءِ المعاد, واستوعبتْ فِكرَهوسلوكَه ونهجَه وطريقَه, وفي البدء كانت الكلمة, وما أمرُه إلا "كُنْ",وقد علّمَ اللهُ آدمَ الأسماء, ولقد "ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات",

فكلَّ حينٍ هناك قرار,قرارٌ شفويٌّ أو مكتوب, أو قرارُ فعلٍ يمارسه جنديٌّ أو مستوطنٌ أو جرافةٌ أوبندقية أو حاجز, أو قرارُ هدمٍ أو استيلاء أو سجن أو إبعاد أو بناء كنيس أو إغلاقمعبر أو إغلاق منطقةٍ بأكملها أو منعٍ من السفر, أو قرار شنّ حرب أو اجتياح أواغتيال أو اعتقال أو اقتحام أو "زيارة" للأقصى أو اقتسام الحرمالإبراهيمي أو بيع أملاك الغائبين ومنع عودة اللاجئين,

كلَّ يومٍ هناك قرار,لن يكون آخرها قرار طرد جزءٍ من الفلسطينيين من جزءٍ من فلسطين, واعتبارهم متسللينأو مخالفين,

وبعيداً عن الدوافعوالأهداف التي تكمن وراء هذا القرار, وهي كثيرةٌ بلا شكّ, وهي تُجْمِلُ كلَّ غاياتومقاصد الحركة الصهيونية, وهي نائية ودانية, وهي بعيدة ومرحلية, لكنها تقصدُ فيماتقصدُ ما يقصدُ الشيطان, إلى شيطنة الإنسان, وهي الجهةُ التي أصدرت القرار والتيتعرف قبل غيرها أنها هي التي جاءت متسلِّلةً إلى فلسطين, متسللة وغاصبة ومستترةًبغفلتنا وغفلة الزمان, وفي ثغرات وضباب الحروب وتحت جلباب الانتداب, حين كانقناصلُ بعض الدول الكبرى في فلسطين يحملون أكوامَ جوازات سفرٍ أجنبية جاهزةٍ إلامن الصور والأسماء, ويقابلونهم في عرض البحر قبل وصولهم إلى موانئ فلسطين,ويُزوِّرونها لهم ليدخلوا إلى الأرض التي حرّمَ الله عليهم أن يدخلوها, وكأنّ صبغةالجريمة تَشرَبُهم, ويريدون عبثاً إزاحتها عنهم في إسقاطٍ نفسيٍّ ينضَحُ من وجوههملو تصفحتموها جيداً وهم لا ينظرون, أو وهُم يحاولون أن يبتسموا بتلقائيةٍ, فتصفعهمتلقائية الخلق الكاشفة, إذ "الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره",ذلك أنّ نفوسَهم تُطاردُهم ويهربون منها بالعناد إلى الإيغال فيها, فلربمااستيقظوا يوماً ليجدوا أنهم كانوا يحلمون وأنّه لا تاريخ على الأرض إلا ما يظنون,وأنّ الأرضَ مزدحمةٌ بآثارهم وناطقةٌ بتراثهم وأن الحفرياتِ تناديهم وتمجّدُهموأنه لا يوجدُ عربٌ ولا مسلمون ولا مسيحيون ولا كنعانيون ولا فلسطينيون, وأنّالأمرَ لم يكن إلا حلماً مزعجاً استيقظوا منه, ولو كلّفَ تحقيق ذلك الأمر الحلماستخدام السلاح النهائي, الكذب والقنبلة النووية, فليكن إذن أنّ الفلسطينيينمتسللون, لعلّها وصفةٌ لعلاج أنفسهم مما هم فيه, أو لعلها ميلُ الشيطان لشيطنةالإنسان,

فليذهب المتسللون إلىالجهات التي جاؤوا منها متسللين ومغتصِبين ومزوّرين من ما وراء الآثار والكيدوالعجل والخطيئة, ليخرجوا من الكلمات التي لفقوها في الكتاب وتسللوا معها إلىالتراث بقصد صَلب الزمان ونفي الفلسطينيين,

أما اللاجئونالفلسطينيون في كلّ الوطن وكل الشتات فليرحلوا إلى متن المكان وصحيح الكلام حيث لاإسرائيليات في النَّصّ ولا تسلّلَ ولا تحريف, ولا حذف ولا انتقاص, ولا جدار فيالروح يأسِرُ الوعيَ والرؤية والقرار,

فقد كان القرارُالأوّلُ قبل أيّ قرار, وقبل إعلانهم الأول عنهم, هو قرار أسْرِ الفلسطينيِّ الذييُنفَّذُ بألفِ طريقة وطريقة, بأيديهم وأيديهم, إذ أنَّ شرط مرور أيّ قرار لاحقٍلهم سيكون عجزَ الفلسطيني وأسْرَه وتكبيلَه ومنعَه من القدرة على القدرة والقرار,وقد كان كلُّ ما كان منذ ذلك الزمان, من زمان بيكو والانتداب وما تلاهما من أحداث,بهدف إحكام هذا الأسر وإطباق العجز, ليُصبح هدفُ العالم محاصرةَ الفلسطيني وأسرَهبكلِّ خيوط ألوان الطيف والأشعة غير المرئية والقوانين الدولية وابتداع المفرداتفي القانون والإعلام وإعادة تعريف المصطلحات وتغيير قوانين التجنس, وامتدّت لمراكزالبحث والجامعات لحصار التاريخ وأسْرِ الوعي والأمل والوجدان, شعبٌ بأكمله فيالأسْر ووطن كامل, وما كان لهم ولا لقرارهم أن يكونوا لولا ذاك,

وبقدر طاقة الحريةالتي تنبجس في الروح يكون حجمُ السلاسل, ولهذا كان أسرانا داخلَ سجونِ سجنِ الداخلهم أكثرنا تجاوزاً للجدران وتجاوزاً للحالة, وهم الذين توغلوا إلى متن الوطنوأتمُّوه, ولقد "ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمّهنّ", ولقد أنجزَأسرانا حريتهم وأتمّوا الكلمات.







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=11279