جي سوفت

Welcome to
( اضاءة ) الرئيس محمود عباس
https://pbs.twimg.com/media/Ed9bmlIXsAEiHj4?format=jpg&name=900x900



ملفات خاصة


اللواء ركن / عرابي كلوب ( مشاعل على الطريق )



اشراقة الصباح



https://images.alwatanvoice.com/writers/large/9999469051.jpg


حتي نلتقي ( يكتيها رئيس التحرير )
Serri Alqudwa


القائمة الرئيسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



من يتصفح الأن
يوجد حاليا, 303 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


اشراقة الصباح

العودة والتحرير
[ العودة والتحرير ]

·عاطف ابو بكر/ابو فرح : قصيدتان:لبطليْنِ  من بلادنا
·الذكرى الثامنه لرحيل الشهيد البطل نبيل عارف حنني (ابو غضب)..
·سقطت الذرائع ألأسرائيلية بشأن حقوق المياه الفلسطينية
·دورة الوفاء لحركة فتح دورة الشهيد القائد أمين الهندي
·سفارة فلسطين في رومانيا ووزارة الثقافة الرومانية تكرمان الشاعر والمفكر الفلسطيني
·الاتحاد العام لطلبة فلسطين بتونس يقيم احتفالا جماهيريا بيوم التضامن العالمي مع ا


الهروب من سجن الرملة رواية حقيقية
https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/38/%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9_%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85_%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%B3.jpg


مقالات رئيس التحرير
http://www.alsbah.net/archive/file/palestin.jpg

حتى نلتقي

1995 - 2005

ذاكرة وطن

سري القدوة




علي الدرب ماضون






مشاغبات : يوميا عبر الصباح
http://hosh.ps/wp-content/uploads/2015/02/ar-logo5.png







البحث في جميع المواضيع


  
متابعات: الصباح تعيد نشر قصة الهروب من سجن الرملة - رواية حقيقية 4
بتاريخ السبت 28 يوليو 2012 الموضوع: متابعات إعلامية

حمزة يونس
الهروب من سجن الرملة
رواية حقيقية
الهروب من سجن الرملة ( رواية واقعية)
المؤلف : حمزة يونس
جميع الحقوق محفوظة للناشر

يمكن أن أقتل ، وأريد أن يعرف قاتلي ، وقبل أن أتم كلامي قال محمد قاسم بلهجة متوعدة :
إذا واصلت التعاون معهما ( يقصد كرمان و سمير) فإنني سأبلغ إدارة السجن بنفسي !


رددت عليه مبررا موقفي :
إن الهروب مع سمير وكرمان إن كانا صادقين مضمون أكثر .
أضفت مدافعا عن سمير :
إن سمير شاب جامعي ويدرك ماذا يفعل ، وليس هناك فائدة تعود عليه في حالة عدم صدقه ، مقابل الضرر الذي سيلحق به حتى من المساجين حين يعرفون ما فعل! ولو خرج من السجن قسيكون هناك من يقتله .

لم يبد محمد قاسم مقتنعا ، لكنه سكت على مضض ، فواصلت كلامي :
لو نجحت في الهرب مع اليهود فذلك سيكون معناه أن اليهود هم الذين ساعدوني على الهرب ، أما إذا هربت مع العرب فستعتبر الخطة عربية وفي حالة نجاحها يكون مردودها لصالحنا كعرب .
وكانت خطة اليهود هي الهرب من المطبخ تحت تهديد السلاج ، أما خطة العرب فكانت التسلل من نافذة غرفة المغسلة ،ولم أكن حتى ذلك الوقت قد أخذت قرارا نهائيا بخصوص الخطتين .

رحت أنسق مع الطرفين (إيتان ، كرمان) دون أن أجزم بمن هو الطرف الذي سأهرب معه .

ذات يوم قلت لكرمان :

عندما نهرب فسوف تكون هناك سيارة من نوع بيجو ، بيضاء تنتظرنا عند الشارع الرئيسي على بعد 250 مترا من السجن ، وسيكون فيها ثلاث قطع من السلاح ، وستنقلنا هذه السيارة إلى القدس.
قلت هذا لأشجعهما ، وأبين لهما أن المشكلة تكمن في خروجنا من السجن ، وأن ما بعد ذلك سيكون سهلا .
هذا إن كانا ينويان الهرب فعلا ، أما إن كان الهدف هو كشف نيتي ونصب فخ لي لصالح المخابرات ، فسيتضح ذلك لأنهم في هذه الحالة يفترض أن يراقبوا المكان حيث سيارة البيجو الوهمية !

في الوقت نفسه كنت أحافظ على علاقتي بالمساجين اليهود المستمرين في تنفيذ خطة الهرب من المطبخ .

بدأت أتفحص الحراس وأحدد أوقات حراستهم وتبديلهم .
كنا نحبذ أن نهرب أثناء حراسة ضابط يدعى ( ديان) له نادي كاراتيه في ثل أبيب ، وكان معجبا بنفسه ، وعندما كنا نحتاج إلى شيء ما ، كان بعضنا يذهب إليه طالبا منه أن يحدثه عن مهارته وبطولاته ، وكان يستجيب ويسهب في الحديث عن نفسه.

أما التوقيت المناسب ، فكنا نفضل الهرب في يوم ماطر ؟ لأن المطر يحد من الرؤية ، خصوصا من أبراج المراقبة ، كما أنه يمحو الأثر شكلا ورائحة .

من جهة أخرى واصل سمير عملية قص القضبان بنشاط ، وكنت أقف مع كرمان نراقب له المكان حتى لا يفاجئه أحد من المساجين أو الحراس ، وكانت كلمة السر بيننا وبين سمير هي عبارة ( يا الله ) نرددها مرتين بصوت عال .

استغرقت عملية قص القضبان شهرا ونصف الشهر وصارت قضبان النافذة معلقة فقط تنكسر بمجرد دفعها ، وكنا نصبغ القضبان باللون الأخضر حتى لا يظهر أثر القص .

ومن أطرف ما حدث خلال هذه العملية ، أن ابن بلدي محمود ضعيّف كان أحيانا يقترب من النافذة خاصة أيام الزيارات ، فيلطخ معطفه بالدهان ، فيأخذه سمير منه وينظفه دون أن يشعر صاحبه .

وقد تعمدنا عدم إشراكه وإخباره بموضوع الهرب لأنه قضى جانبا كبيرا من مدة عقوبته،وكان يسمح له بالذهاب إلى أهله مرة كل شهرين لمدة 48 ساعة يعود بعدها ، وبالتالي فإشراكه غير مفيد له ، ولكن ربما يضره حيث كان يتوقع أن يتم الإفراج عنه خلال مدة قصيرة .

أما المساجين اليهود فقد واصلوا الاستعداد لتنفيذ خطتهم وشاركتهم في وضع الأسلحة والقنابل اليدوية في ورشات العمل البعيدة عن غرف السكن ، لنخرجها إلى المطبخ قبل الهروب بيوم واحد .

فاجأني (إيتان حيا ) ذات يوم بأنهم قرروا الهروب بعد يومين ، وكنت اتفقت مع سمير وعبد الرحمان كرمان على الهرب غدا أي قبل موعد إيتان بيوم ، وقد حددنا لهروبنا أن يتم في المساء ، بينما كان إيتان قد اختار للهروب من المطبخ وقت الظهيرة .


* * *

3

سمير درويش بطل

مضى عليّ حتى هذا اليوم في القسم العام من السجن ، سنتان وثلاثة أيام ، وكانت السعادة تغمرني كلما تقدمنا في الخطة واقترب وقت الهرب حسب التاريخ الذي حددته ووعدت الآخرين به!

بدأت أطمئن لسمير وعبد الرحمان وإلى خطتهما بعد أن لمست جديتهما في التخطيط والاستعداد ، فقررت الهرب معهما ، وكان عليّ أن أخبر إيتان بعدولي عن الهرب معه .

رأيته ذات يوم ، فسألته عن رأيه في سمير فقال لي بالعبرية
( أل تامين ، أل تامين ، أل تامين ) هذا يعني بالعربية ( لا تثق) وأضاف ( بالمخبر، والشرطي ) .
وكان المسكين سمير في نظر المساجين عميلا للإدارة ، أو محظيا لديها على الأقل ، الأمر الذي كان يجعل المساجين يحجبون ثقتهم عنه .

والآن سأفاجئ القارئ الكريم بما كنت أجهله عن سمير ، وكان جهلي سبب استمرار شكي فيه لمدة طويلة ، وشأني في ذلك شأن كافة المساجين باستثناء عبد الرحمان كرمان .

بعد أن قطع سمير شوطا طويلا في قص قضبان النافذة ، فاجأني عبد الرحمان كرمان ذات يوم بقوله :
قال لي سمير درويش منذ مدة طويلة بأنه سيعمل على كسب ثقة الإدارة حتى لو خسر المساجين ، استعدادا لعمل ما كان يراوده في سريرته!

فوجئت بما قاله عبد الرحمان وعتبت عليه قائلا :
لماذا لم تخبرني بذلك من قبل ؟
فقال: لو قلت لك ذلك قبل اليوم فربما كنت ستظن أنني أخترع لك مبررا لتقبل التعاون معنا وتثق في سمير ، وقد تركتك حتى تلمس ذلك بنفسك وعلى الأرض.
ضحكت وقلت له :
ليس على الأرض ، بل على النافذة!

بعد هذه المفاجأة السارة ، وبعدما لمست جدية سمير وجده ومثابرته على تنفيذ الخطة ، تحسنت علاقتي به ، لكن بعض الوساوس ظلت بحكم ظروف السجن وأزمة الثقة التي زرعتها الإدارة بين المساجين، تراودني في بعض الحالات ولكن بدرجة أقل بكثير مما كانت عليه .

وذهبت إلى إيتان حيا ونصحته بعدم إخراج السلاح لأنني أعتقد أن من المحتمل أن يحدث شجار بين المساجين ، الأمر الذي سيؤدي إلى تدخل الحراس والإدارة لفض الشجار ، وتفتيش جميع الغرف ، خصوصا إذا استعمل أحدهم آلات حادة كالشفرة أو السكين ، أو قضيب حديدي .
اقتنع إيتان وأجل إخراج السلاح لعدة أيام .

لم أقصد قط أن أخلف اتفاقي مع إيتان أو أخدعه ، ولكني لم أكن أستطيع أن أصارحه بأنني سأهرب مع سمير ، خصوصا بعدما عرفت رأيه فيه .
وكان هو وجماعته يحرصون على هروبي معهم لكي يتمكنوا من الوصول إلى لبنان وأسهل لهم مهمة عودتهم لتصفية حساباتهم مع الشرطة والمخبرين .

بدأنا نضع اللمسات الأخيرة ، والخطوات العملية لتنفيذ خطة الهرب .
كانت العقبة الكبيرة تتمثل في التسلل إلى غرفة المغسلة التي تقع بين العيادة الطبية والقسم الذي نقيم فيه ، ومما يزيد هذه الخطوة صعوبة أنهم كانوا يضعون حارسا على باب العيادة ، وآخر على مدخل القسم العام من السجن ، وكلا الحارسين يراقب الممر بين العيادة والقسم .

كان سمير هو الوحيد الذي يمكنه أن يدخل إلى المغسلة ويخرج منها متى شاء ، لذلك كانت مهمته حسب خطته أن يقف أمام باب غرفة المغسلة ليراقب الممر .

أما أنا وعبد الرحمان فكان أمامنا فرصتان فقط للدخول إلى المغسلة: إما أثناء ذهابنا إلى العيادة الطبية ، أو أثناء عودتنا منها .

حان وقت التنفيذ فذهبت إلى العيادة ، ورأيت عبد الرحمان كرمان يخرج منها، وعندما اقترب مني همس لي قائلا : الضابط المناوب عند سمير! واصلت السير إلى العيادة كبقية المساجين المرضى ، ثم عدت إلى غرفتنا في القسم العام، وهناك التقيت كرمان فوقفنا ننتظر سمير لنسأله عما طرأ .

جاءنا سمير بعد ربع ساعة تقريبا وهو يبتسم وقال : ماذا يمكن أن أفعل وقد جاء الضابط طالبا أن يشرب القهوة عندي ؟! لم أجد مناصا من تلبية طلبه .

فقلت له :
توشك قواي أن تنهار ، ولا أستطيع الانتظار أكثر من هذا وأريد أن أخلص مهما كان المصير الذي ينتظرنا .
قررنا أن نهرب بعد غد الذي يوافق يوم الأحد 03/03/1974 ، وكانت جميع الظروف ملائمة ؛ فالغيوم كثيفة ، وستكون نوبة الحراسة للضابط (ديان) الذي تمنينا أن نهرب خلال حراسته .

وفي اليوم التالي وهو السبت ، التقيت (إيتان حيا ) في الممر فقال ضاحكا :
هل الطوشة ( المشاجرة) بدأت أم انتهت ؟
وقبل أن أجيبه أضاف قائلا :
حمزة ... الرجاء أن تكون صريحا معنا ، هل تريد أن تهرب أم لا؟ مهما يكن جوابك فسنخرج السلاح غدا ، وسنهرب يوم الإثنين!

حاولت منعه من إخراج السلاح، ورحت أختلق مبررات وهمية ، لكنه هذه المرة لم يقتنع ، فطلبت منه أن نتحدث غدا أثناء العمل على أن لا يقدم على فعل أي شيء قبل أن نتفق ، فوفق على ذلك .

لم أذهب إلى العمل في اليوم التالي ، بل بقيت في الغرفة ؛ لأنني علمت بعد أن تم الإحصاء الأول الصباحي للمساجين ، وذهبنا إلى المطعم ، بأن عبد الرحمان كرمان قد غادر السجن إلى مصر ضمن صفقة لتبادل الأسرى بين مصر وإسرائيل .

لم أصدق طبعا ؛ لأن مثل هذا لم يحدث من قبل ، فلم يسبق لدولة عربية أن طلبت تحرير سجين فلسطيني من عرب 1948 ؛ إذ أن إسرائيل ترفض مبادلتهم لأنها تعتبرهم من رعاياها .

عندما بلغني هذا الخبر عاودتني الشكوك ، وتصورت أن هناك مؤامرة لإخراجي من السجن وإلقاء القبض عليّ خلف السور ، وقتلي بحجة محاولة الهرب .
تصورت ذلك لتوقيت المبادلة من جهة ، ولعدم تصديقي قصة الصفقة من جهة أخرى.

قلت في نفسي بتأثير الصدمة : ما دام لا يعقل أن تكون الصفقة حدثت فعلا ، فأين عبد الرحمان ولماذا تراجع عن الهرب إذا كان موجودا في السجن!

نسيت إيتان حيا ، واتفاقي معه ولم أذهب إلى العمل .
عرفت قصة الصفقة من سمير درويش ، فأخبرت زميلي محمد قاسم الذي كان يحثني على عدم التعاون مع سمير وكرمان ، لكن عندما رويت له الخبر ذهل وقال:
لا أستبعد أن تكون هناك مؤامرة!
فقلت له:
لا بد أن الهرب اليوم مهما كانت النتيجة ، فما عدت أستطيع الاحتمال أكثر ، والموت أفضل لي مما أعانيه .
قال محمد قاسم :
إذن سأهرب معك وليكن ما يكون!

واصلنا الحديث في الغرفة وكان المساجين في العمل ، واستمر حديثنا عن الهرب إلى أن عادوا بعد الظهر ، فنزلنا إلى المطعم في الطابق الأول لتناول الغداء.

وعندما عدنا إلى الغرف، جاءني إيتان حيا وأخبرني بأنهم أخرجوا السلاح ، وأنهم سيهربون غدا .
عندئذ احتدم في داخلي صراع حول مع من أهرب! هل أهرب مع سمير ومحمد قاسم رغم تصوري أن هناك مؤامرة ضدي؟ أم أهرب مع إيتان وزملائه .
إذا هربت مع إحدى المجموعتين فأكون قد غدرت أو أخلفت اتفاقي مع المجموعة الأخرى فما العمل ؟

بالرغم من كل شيء ، كنت أشعر بأن الهروب مع سمير أضمن إن صدق!
رجوت إيتان حيا أن يخفي السلاح جيدا ، فرد عليّ بهدوء قائلا : كلها ليلة واحدة!

بعد صراع داخلي شديد ، قررت أن أهرب مع سمير.
ذهبت مع محمد قاسم لتناول وجبة العشاء ، ولم أستطع أن آكل شيئا ، فراح محمد يلح عليّ قائلا : يجب أن تقتات لأن أمامك مهمة شاقة تتطلب مجهودا كبيرا!

خرجنا من المطعم واتجهنا قبل غيرنا إلى العيادة ، ودخلنا إلى غرفة المغسلة، حيث كان سمير ينتظرنا على الباب .
اختبأت أنا ومحمد تحت سريرين متقابلين ، وكانت الساعة حوالي السادسة إلا ربع ، وكان الوقت المحدد للهروب هو السادسة ونصف تماما ؛ حيث من المقرر أن تقطع الكهرباء في هذا الوقت ، وتكون الشمس قد غربت ، وعلينا أن نخرج من النافذة قبل ذلك بدقيقتين لنكون مستعدين عند انقطاع الكهرباء لنتجاوز جهاز الإنذار المربوط بالسلك الشائك الأول ، ونتوجه إلى مولد الكهرباء لتعطيله .

أثناء وجودنا تحت السريرين ، جاء ابن بلدي محمود ضعيّف وجلس على سريره فوق محمد قاسم ، وكاد يحول دون تنفسه ، أما سمير فقد جلس خلف المكتب وتظاهر بأنه يكتب رسالة ، وقال بلهجة من تذكر شيئا : يا محمود! حمزة يبحث عنك ويريدك لأمر ضروري.

وأثناء خروجه طلب سمير منه أن يغلق الباب وراءه بالقفل حتى لا يزعجه أحد السجانين ويحول دون إتمام الرسالة ففعل محمود ذلك .

خرجنا من تحت السريرين وتنفسنا الصعداء ، ورحنا نقص ما تبقى من القضبان.
استطعنا إزالة قضبان النافذة قبل الموعد المحدد، وصرنا مستعدين لأي طارئ .

كنا قد أعددنا ملابس مدنية خضراء بلون العشب حتى لا يكشفنا الحراس عندما نقفز إلى الأرض .
وكانت ملابس السجن سوداء تكشف أمرنا بسهولة .
كانت الملابس المدنية عند سمير ، فقمنا بارتدائها ، وكان لدينا ملابس مدنية أفضل منها ، أعددناها لنرتديها بعد القفز عن السور .

أكبر مشكلة ستواجهنا بعد الخروج من النافذة هي الوصول إلى السور الذي يبعد 150 مترا عن مبنى السجن ؛ فهناك برجان للمراقبة أحدهما على اليمين ، والآخر على اليسار ، وهناك أيضا طريق ترابي داخل السجن في أوله نقطة حراسة ، وفي آخره نقطة أخرى .
وعلى بعد خمسة أمتار من المبنى يوجد شريط شائك ارتفاعه متران تحته جهاز إنذار على ارتفاع 20 سم عن الأرض .

وهذا الجهاز يطلق صفارة إنذار لدى مرور أي جسم فوقه .

بعد نزع القضبان من النافذة ، وعند اقتراب موعد النزول منها ، نزلت من النافذة وتدليت برأسي ويدي وقفزت إلى الأرض واختبأت بين الأعشاب ، ثم أشرت إلى زميلي محمد لينزل بعد أن راقبت المكان ، فنزل واختبأ قريبا مني ، ثم أشرنا لسمير لينزل بدوره .

كان سمير ضخم الجثة بالنسبة إلينا ، ولم يكن ممكنا أن ينزل من النافذة الضيقة بنفس السهولة التي نزلنا بها .
وأثناء محاولة النزول علق في النافذة فلم يعد يستطيع النزول أو الرجوع ، فأشرنا إليه طالبين أن ينزل بسرعة أو يرجع إلى الداخل ، لكنه لم يتمكن من هذا ولا ذاك ، فذهبنا ورحنا نسحبه من النافذة ، فتألم ، وشاهدنا أحد الحراس يقترب ، وعندما صار على بعد 20 مترا رأى سمير وأكثر من نصفه خارج النافذة .
توقف العسكري وأطلق صفارة الإنذار ، فقلنا وداعا يا سمير ، وانطلقنا إلى أن وصلنا السلك الأول ، فقطعنا جهاز الإنذار ، ثم قطعنا السلك الثاني ، واتجهنا بسرعة إلى السور ، حيث كانت هناك ورشة لبناء برج للمراقبة ، مما ساعدنا على التسلق .

في هذه الأثناء كنا نسمع أزيز الرصاص ، فلم أصدق أننا سننجو ، قلت لزميلي محمد ، أسرع ، سينجو واحد منا على الأقل ، وقد نجونا نحن الاثنين ولله الحمد .

تسلقنا سلم البرج المعد للبناء (ورشة العمل) ونزلنا إلى الطرف الآخر وحتى هذه اللحظة لم ينقطع التيار الكهربائي وظل الرصاص يلاحقنا بغزارة ، وصفارات الإنذار تواصل دويها .

عندما صرنا خارج السور لم نعد نكترث بالرصاص فالظلام يحجبنا عن الأنظار ، وكانت المنطقة الواقعة خارج السور منطقة زراعية غير مضاءة .

رحنا نجري في اتجاه النقطة التي ذكرتها لسمير وكرمان حين حدثتهم عن خطة الهرب التي وضعتها ، بما في ذلك سيارة البيجو الوهمية .

علمت فيما بعد أن مساعدة سمير لنا لم تقتصر على قص القضبان وتهيئة الظروف المساعدة لهروبنا ، بل زاد على ذلك أنه تظاهر بالإغماء عندما سحبوه من النافذة حتى لا يجيب عن أسئلتهم المتعلقة بأسماء الذين هربوا ، وهذا أعطانا وقتا إضافيا للابتعاد عن السجن قبل أن يعرفوا من يطاردون .

لذلك فإنني أشعر بالخجل كلما تذكرت نظراتي الخاطئة لسمير ، وحقيقته التي لم أعرفها إلا بعد فوات الأوان .
كان سمير ذكيا وبطلا بالفعل وكان كرمان أعلم مني بالرجال .


٭ ٭ ٭




4
في الاتجاه المعاكس!

تخطينا الشارع المعبد ، وصارت القدس عن شمالنا ، وتل أبيب عن اليمين .

وعند مرورنا في الشارع المعبد اتجهنا شمالا وتركنا آثارا توهم بأننا سرنا في اتجاه الشمال حيث القدس والضفة الغربية .
وكانت الأمطار تهطل بغزارة ، وبجانب الشارع قنوات للمياه ، فرحنا نجري داخل قناة الماء المحاذية للشارع ثم اتجهنا نحو تل أبيب!

لم يتمكنوا من تتبع آثارنا أكثر من 250 مترا ، وهي المسافة التي تقع بين السجن والشرع المعبد .

هذا ما أعلنه وزير الشرطة في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع مدير السجون (نير) ، بعد هروبنا بعشرين يوما .
وأضاف وزير الشرطة في ذلك المؤتمر : ( إن هروبهما في اتجاه مخالف للخطة التي وجدناها في ملابس حمزة يونس يدل على الدهاء ، لأنهما تمكنا من تضليلنا ، ولا نعرف كيف تمكنا من وصول الحدود اللبنانية ) .

دخلنا البيارات وكان المطر يمحو آثارنا وتعمدنا أن نمشي في قناة الماء حتى لا نترك أثرا ولا رائحة تدل الكلاب على اتجاهنا .
ولكن مهمتنا ما زالت صعبة إذ لا نستطيع أن نسير في الشوارع المعبدة ، ولا أن نمر من فوق الجسور والعبارات ، لأننا كنا متيقنين من أن كل الجسور ومفارق الطرق مراقبة .

اضطررنا إلى السير في الوديان التي كان الماء في بعضها يرتفع نحو متر ونصف المتر.
تبللت ملابسنا المدنية التي كنا نلبسها تحت الملابس الخضراء ، وكذلك تبللت نقودنا والتصقت .

وأحيانا كنا نضطر إلى السير في أرض محروثة فتغوص أقدامنا في الطين .

عند منتصف الليل بدأ زميلي محمد يشعر بألم في معدته ، وكان يشكو من قرحة فيها ، ولم يحضر معه الدواء ، فعرضت عليه أن أحمله فلم يقبل وقال :
إن سبب ألمي هو البرد والجوع .
فقلت له :
هذا ما لا نستطيع أن نعالجه الآن ، ولكن ما رأيك أن أذهب إلى إحدى المستعمرات وأسرق حصانا أو حصانين !

فضحك وقال :
تريد أن تجلب لنا مطاردة ثانية بسبب السرقة!
فأجبته :
لا أخشى ذلك ، لأننا إذا حصلنا على حصان وفرس ، ستكون حركتنا سريعة.
فقال :
لا ، لكن لنسترح لمدة ربع ساعة فقط .

جلسنا للراحة ، ورحنا نتحدث عما يمكن أن يكون حصل لسمير!

لأول مرة شعرنا بالحرية منذ اعتقلنا وعندما ذكرنا كلمة الحرية دب النشاط فينا من جديد ، واستعاد محمد حيويته ، فاستأنفنا السير ببطء،غير مبالين بالمطر الغزير ، ولم نشعر بالوقت إلى أن فاجأنا شروق الشمس .
عندها عرفنا أننا وصلنا إلى غبات نهر ( اليركون) قرب تل أبيب!

بمجرد أن دخلنا الغابة توقف المطر وكأن مهمته قد انتهت!
دخلنا إلى وسط الغابة حيث الأشجار الكثيفة ، وجلسنا في موضع تصله أشعة الشمس لتجفيف ملابسنا ، ثم حفرنا حفرة كبيرة ودفنا فيها ملابسنا الخضراء التي هربنا بها ، أما الملابس المدنية التي تحتها فقد نشرناها على الشجر لتجف، وجلسنا على الأعشاب المبللة ، ورحنا نأكل بعض الأعشاب .

مكثنا على هذا الحال طوال اليوم ، وتعرفنا خلال النهار على الغابة التي كانت إلى جانبها بيارة برتقال .
وعندما خيم الظلام تسللنا إلى البيارة وقطفنا كمية من البرتقال وأكلناها ، فزاد ألم محمد بسبب البرتقال .

كنا حفرنا في النهار حفرة وأشعلنا داخلها النار باستعمال كمية من الحطب الأخضر واليابس ، ثم طمرناها بالتراب ، وجلسنا فوقها فأعطتنا الدفء الذي سمح لنا بالنوم دون غطاء .

وعند غروب اليوم التالي وهو اليوم الثالث لهروبنا ، لبسنا الملابس المدنية التي كانت قد جفت ونظفناها قدر الإمكان من الطين ، كما أن النقود كانت قد جفت أيضا .

طلبت من زميلي محمد أثناء فترة الاستراحة ، أن يفكر بعقلية ضابط شرطة، وكيف سيتصرف اتجاه هروبنا ، فقلت له :
نحن اثنان ، لهذا سيكون البحث عن اثنين ، إذن يجب أن لا نمشي كاثنين ، ونحن عرب ، إذن يجب أن لا نذهب إلى المناطق العربية ، وبخاصة قرانا وقرى أصدقائنا وعلى الأخص من زوارنا خلال وجودنا في السجن .
إن أقرب مكان لنا هو الضفة الغربية والأردن، لبنان بعيد وبالتالي غير وارد في احتمالاتهم ، إذن يجب أن نتجه إلى لبنان!

ناقشنا كل الاحتمالات التي يمكن أن يتصرف على أساسها رجال الشرطة ، و بعد ذلك قلت لزميلي محمد :
عليك الآن أن تقترح ماذا نفعل دون أن نقترب من هذه المحظورات .
ضحك وقال :
أقترح أن نبقى في الغابة إلى ما شاء الله .

ولأول مرة شعر محمد بجسامة العمل الذي أقدمنا عليه .
ليس الهرب هو مجرد الخروج من السجن ، بل يمتد إلى وصول بر الأمان .
ولم نستطع رغم انشغالنا بهذه الأفكار أن ننسى سمير ، وماذا يمكن أن يكون قد حل به ، وماذا قال عنا ، وهل اعترف لهم بأننا سنتجه إلى القدس!

أغلب الظن أنه سيقول ؛ لأنهم سيواجهونه بالخارطة التي رسمت عليها الخطة الوهمية .

كنت أعتقد جازما بأنهم سيركزون البحث عنا في اتجاه القدس والضفة الغربية ، لكن هذا لا يعني أنهم سيغفلون باقي الاحتمالات .

وهذا ما اتضح لي في وقت لاحق ، فقد عرفت أنهم كانوا قد فرضوا رقابة مشددة على كل مداخل قرية عارة ، وخاصة المسقاة حيث يوجد أهلي ، كما أنهم نصبوا كمائن من المشاة بملابس مدنية ، حتى إذا اقترب أحد من بيتنا كانوا يرسلون واحدا منهم للتعرف عليه دون أن يتحدث معه .
ولم يكن أهل القرية يعرفون سبب وجود سيارات الشرطة وخاصة في الليل ، وظل الأمر كذلك إلى أن تم الإفراج عن أصحاب سيارات البيجو الذين جرى اعتقالهم فور هروبي ، وحققوا معهم دون أن يشعروهم بالسبب الذي اعتقلوا من أجله .

وفي اليوم التالي للهروب سألوهم عني وعما إذا كانوا شاهدوني .
وهؤلاء هم الذين عرف منهم أهل القرية سبب تواجد سيارات الشرطة حول القرية ، وكذلك الكمائن القريبة من بيتنا .
وعندما انتشر خبر هروبي عمت عارة وعرعرة فرحة عارمة ، وقد صرح أحد الجنود الذين قاموا بالمطاردة والتفتيش بأنهم لم يتركوا شجرة ولا مغارة ، ولا بيتا مهجورا في الضفة الغربية إلا وفتشوه! بينما كنا نحن آنذاك ، نأخذ حماما شمسيا في الغابة قرب تل أبيب!


٭ ٭ ٭


5

في تل أبيب

عند غروب الشمس ،اتجهت مع محمد إلى طرف الغابة ، وطلبت منه أن ينتظرني حتى أعود ؛ لأنني قررت الذهاب إلى الحي القريب منّا لشراء بعض الضروريات .

تعمدت أن أدخل ذلك الحي من أحياء تل أبيب وقت الغروب ؛ لأن أشعة الشمس تكون ضعيفة ، وكذلك نور مصابيح الكهرباء .

لم أشتر من أطراف الحي ، بل ذهبت إألى وسطه تقريبا ، واشتريت سروالا وقميصا لي ، ولبستهما داخل المحل فصار شكلي مقبولا ، عندئذ بدأت التحرك في شيء من الثقة ، فاشتريت كمية قليلة من الطعام ؛ ودواء للقرحة ، كما اشتريت (فستانا) أخضر اللون ، وخمارا أحمر ، ولوازم الحلاقة وأشياء أخرى.
وحين خيم الظلام خرجت من ذلك الحي ، لكن من مكان غير مكان الدخول ، واتجهت نحو طرف الغابة حيث ينتظرني محمد .

عندما اقتربت منه أحس بحركتي دون أن يراني بسبب الظلام والغيوم ، فالتصق بجذع شجرة وهو ينظر إلى القادم إليه .
رحت أبحث عنه ، وحين وصلت المكان الذي تركته فيه ناديته بصوت خافت ، فرد عليّ قائلا :
لقد أرعبتني ، وقد تأخرت فساورني الشك .
وحين نظر إلى الأكياس التي أحملها أدركت أنه ينتظر شيئا معينا ، فأخرجت له الدواء ، ورغم الظلام الدامس قال :
عرفته ، إنه دوائي !

ذهبنا إلى الحفرة وكنت اشتريت مذياعا صغيرا وجريدة اليوم والأمس .
فتحنا المذياع الصغير لنسمع الأخبار ، كما حاولنا أن نتصفح الجرائد على ضوء الولاعة ، لم نجد أي شيء يتعلق بنا ، فتركنا الجرائد إلى الصباح .

أخذ محمد يتفحص ما في داخل الأكياس ، وكلما وقعت يده على شيء يعلن سروره به ، حتى عثر على الفستان والخمار فقال مستغربا:
ما هذا ؟ كل ما أحضرته ممتاز ، لكن لماذا اشتريت هذا الفستان وغطاء الرأس؟

فأجبته :
لقد انتهت مرحلة المطاردة بشراء الفستان والخمار! لم يفهم قصدي، فطلب أن أوضح ما أعني ، فقلت :

إنني أعتبر دخولنا غرفة المغسلة بداية الهروب ، وأعتبر شراء الفستان والخمار نهايته! يمكنني الآن أن أتصور كيف سندخل لبنان!
طلب محمد مزيدا من التوضيح فقلت له :
إن الفستان يجعلنا نخرج من الغابة ، ألم نتفق على أن الشرطة تبحث عن شخصين من الشباب ؟
فقال : بلى ولكن ما علاقة الفستان بهذا ؟
فقلت له : لن نظهر بعد الآن كاثنين من الشباب ، بل سيكون هناك شاب وفتاة!
فهم السبب وسر كثيرا وقال :
هذا صحيح ، ولكن من سيكون الفتاة.

قلت له مداعبا :
أنا أسمر أو حنطي ، وأنت أبيض!
فقال : لكن لي شاربا وذقنا! ملامحي لن تتغير حتى لو حلقتهما ، فأي واحد يراني عن قرب سيعرف أنني رجل في ثوب امرأة ، وهذا سيضاعف الشكوك .
فقلت : ومن قال لك أننا سنقترب من الناس ، إننا سنمشي على سفوح الجبال ، وقرب البساتين والبيارات ، وهذا مألوف هنا .
هذا إذا اضطررنا للسير في النهار ، أما في الليل فستكون في ملابسك العادية .

في الصبح ، عدنا إلى قراءة الجرائد بدقة ورحنا نسمع الأخبار، ولم نجد ذكرا ولا إشارة إلينا! العبارة الوحيدة التي تتعلق بنا شيئا ما ، كانت خبرا قصيرا عن محاولة هروب بعض المساجين اليهود من سجن الرملة ، حيث قاموا باحتجاز بعض الرهائن تحت تهديد السلاح، وجاء في هذا الخبر أن مدير سجن الرملة كان يصرخ ويقول : ألا يكفي ما حل بي في الأمس؟! كانت صرخة مدير السجن هي الإشارة الوحيدة المتعلقة بنا .

كان بودنا أن يكتبوا أو يذيعوا شيئا عنا لنستنتج منه طريقة بحثهم وتفكيرهم .

بررنا عدم نشر خبر هروبنا بأنهم قرروا قتلنا في حالة العثور علينا خلال البحث والمطاردة .
قال محمد مداعبا :
حتما سيقتلوننا إذا وجدونا ، فأنت تهرب للمرة الثالثة ، ورغم أنني مبتدئ فسيقتلونني معك! وأضاف ساخرا :
هل سيصفقون لك وأنت مصدر إزعاج لهم ، لا بد أن يفكروا في التخلص منك ومن هروبك المتكرر .
فقلت :
قتلنا في حالة الإمساك بنا أرحم من إعادتنا إلى السجن ، لأن ذلك المدير المتغطرس ، الملحد سيحتفل بنا أكثر مما احتفلوا بنا في سجن الصرفند!

وحسب ما علمته في وقت لاحق ، فإن ما قلناه لم يكن بعيدا عن الواقع، حيث علمنا أن ذلك المدير حمل رشاشه العوزي وراح يصيح بعصبية ويطلق بعض الطلقات في الهواء أمام المساجين العرب !

نمنا تلك الليلة في الغابة ، وقررنا أن نتجه في الصباح إلى لبنان .

في الصباح حلقنا ذقنينا وحلق محمد شاربه ولبس الفستان ، ووضع الخمار على رأسه ، وانتظرنا حتى ارتفعت الشمس ، ثم غادرنا الغابة في اتجاه شمال فلسطين.

مشينا في شيء من الثقة والطمأنينة ، لكننا كنا نبتعد عن الناس ، سالكين سفوح الجبال والطرق الترابية .
واشترينا كل ما نحتاج إليه ، وهدأت أعصابنا وصار لدينا وقت للتفكير والمناقشة .
وفيما نحن سائرين قلت لزميلي :
أنا متأكد من أنهم سيراجعون ملف هروبي الأول وكذلك الثاني .
في الهروب الأول واصلت الجري حتى وصلت إلى بر الأمان في غزة ، أما في الهروب الثاني فقد اختبأت حتى امتصصت غليانهم .
لكن هذا الهروب يختلف عن الحالتين السابقتين ، ولسوء حظنا لم يذكروا شيئا في إعلامهم عنا .
ثم تطرقنا باالحديث إلى السجن وزملائنا فيه ،ماذا يقولون الآن ؟ كنا مصرين على إنجاح هروبنا لا بقصد الحصول على الحرية فقط ، إنما أيضا لإرسال شحنة دعم إلى زملائنا الذين نتصورهم يصلون ويبتهلون إلى الله من أجل نجاحنا .
ولا شك أن صدمتهم ستكون عنيفة إذا تم إلقاء القبض علينا لا قدر الله، وفي المقابل ستتضاعف الغطرسة والعنجهية لدى السجانين ، وستجلدنا عبارات التبجح في كل مكان وعند كل مناسبة !

بعد ذلك كنا نذهب بالحديث إلى عدد الإحصاءات اليومية التي مرت دون أن نحضرها!
وعلى الرغم من أن حالتي النفسية كانت حسنة ، فإنني لم أستطع أن أنام طوال الأسبوع الأول للهروب ، ولم أشعر أنني في حاجة إلى النوم ، لكنني كنت أدرك أنه ضروري لاستعادة القدرة العقلية والفكرية.



٭ ٭ ٭


6

الطريق إلى لبنان

فرض علينا أن نسير في منطقة كلها قرى ومدن يهودية ، في اتجاهنا إلى الشمال .
كما فرض علينا أن نضع في اعتباراتنا الاحتملات والمفاجآت التي قد تظطرنا إلى الجري ، وكانت عضلات أرجلنا مشدودة بعد شوط الجري في اليوم الأول.

كلما تقدمنا نحو الشمال ، وقطعنا مسافة معتبرة في هذا الاتجاه، وكلما تعاقبت الأيام، ازددنا ثقة ، وقلت في خواطرنا احتمالات المطاردة ، على الرغم من أنهم حشدوا كثيرا من الرجال والمعدات والآليات بما في ذلك الطائرات المروحية التي كانت تجوب سماء الضفة الغربية بالذات ، مع أنهم في اعتقادنا كانوا جازمين بأننا ما زلنا في الداخل .

واصلنا السير وكنا نخشى الصدف ، خصوصا وأننا لا نعرف المنطقة الشمالية جيدا ، فقد غبت عنها مدة عشر سنوات ، وزميلي محمد كان قد مضى عليه في السجن ثلاث سنوات ، وكلانا من المنطقة الوسطى ، يضاف إلى ذلك أن ظهور العمل الفدائي جعل اليهود أكثر حيطة وحذرا .

كان علينا أن نتوقف عن السير ليلا في بعض المناطق التي يمكن أن تكون مراقبة ، ويكون السير ليلا فيها موضع اشتباه .

لهذا كنا نقضي الليل في مكان واحد ودون حركة ، وكان البرد شديدا ، مما اضطرنا إلى أن نحفر حفرة ، نوقد فيها النار دون لهب ، ونطمرها بعد أن تتقد جيدا بالتراب ، ونجلس فوقها إلى الصباح ، حتى إذا طلع النهار وارتفعت الشمس قليلا ، استأنفنا السير .

واجهتنا بعض المشاكل ، ونظرا لإحساسنا بأن المراقبة خفت ، فقد قررنا الاتصال ببعض الأصدقاء والمعارف من بعيد ، واخترنا من ليسوا معروفين كأصدقاء لنا .

قلت لمحمد :
مؤكد أن أصدقائي مراقبين أكثر من أصدقائك ؛ لأن الشرطة تعتقد أنني المخطط للهروب ، فإذن علينا أن نتصل بأصدقائك .

ذهبنا إلى أحد أصدقاء محمد ، وحين اقتربنا أشار إلى بيته ، فذهبت وطلبت منه أن نتحدث على انفراد .
وعندما صرنا منفردين قلت له :
محمد قاسم يسلم عليك ، وفور سماعه الاسم ، انتفض وقال :
لا أعرف أحدا بهذا الاسم ! والرجاء أن لا تزيد كلمة واحدة! قال هذا وتركني وانصرف!

عدت مسرعا إلى محمد وغادرنا المكان في أسرع وقت ، ولمسنا أن الشرطة ما زالت تقوم بتحريات مكثفة ومراقبات مشددة،فقررنا أن نصرف النظر عن أصدقائنا، وخاصة من أهالي قريتي وقريته .
ورحنا نفكر بمعارف بعيدين عن الشبهة ، وحددنا أحدهم وقررنا الذهاب إليه .
وحين قابلناه استعد لخدمتنا وأخذ يزودنا بالأخبار بعد أن ذهب إلى قريتي عارة ، وقرية الطيرة ، وهي قرية محمد قاسم .
وعرفنا أن الكمائن وسيارات الشرطة قد انسحبت ، ولكننا لم نطمئن كثيرا ؛ لأننا كنا متأكدين أنهم سيتركون عيونهم بدلا من سياراتهم ، وهذا أخطر .

طلبنا من ذلك الصديق أن يصحبنا إلى المثلث الشمال ففعل ، وحين وصلنا شكرناه وقلنا له : جزاك الله عنا كل خير ، يمكنك أن تعود ؛ لأننا نعرف بقية الطريق ، وسنتجه إلى الأردن .
لم يكن ما قلناه صحيحا بل كان من باب الاحتياط ، واقتنع الصديق المشكور بأننا ذاهبان فعلا إل الأردن .

وصلنا إلى منطقة الجليل عبر مرج ابن عامر ، وهناك وجدنا كثيرا من الأحراش والغابات ، الأمر الذي سهل لنا التحرك بين أشجارها ، وساعدتنا المواقف والإشارات المرورية على معرفة الاتجاه إلى المدن والقرى المحيطة بنا .

سرنا في اتجاه الشمال لمدة أسبوع ، ثم وصلنا إلى الحدود اللبنانية .
كان ذلك في 16/04/1974 ، على الساعة الحادية عشر قبل الظهر ، وأضحينا على مسافة أمتار من الأسلاك الشائكة المنصوبة على الحدود .
مكثنا في المكان بين الأشجار الكثيفة إلى المساء ، وفور غروب الشمس اتجهنا إلى السلك الشائك الذي كان ارتفاعه مترين ونصف المتر تقريبا ، ويشكل أعلاه زاويى حادة ، مما يزيد صعوبة تسلقه .
كنا بين الأشجار ننتظر الغروب ونراقب كل من حولنا لنتأكد من عدم وجود كمائن ثابتة أو نقاط مراقبة ، ثم تنفسنا الصعداء وقلنا : نحن على مسافة أمتار من الحرية.

كان هناك قبل السلك الشائك طريق معبد للدوريات ، يليه ممر ترابي بعرض ثمانية أمتار لمعرفة الأثر من طرف أي إنسان يعبر الحدود ، وكانوا يتفقدون الطريق الترابي كل صباح .

حل الغروب ، فاتجهت إلى السلك الشائك وتسلقته غير مبال بأشواكه ، وتمكنت من القفز إلى الطرف الآخر ، وأشرت إلى محمد ليلحقني ، وبينما كان يتسلق السلك علقت ملابسه بالأشواك السلكية ، فساعدته على التخلص,
وفي هذه اللحظة ظهر ضوء سيارة من بعيد ، فوقع الضوء على محمد وهو عالق بالسلك ، وبعد أن نزل بمساعدتي راح يضحك ، فسألته :

لماذا تضحك ؟
فقال : لأنني ظننت أن السيارة قريبة وأنني قد اكتشفت ، وأنت حر في الجانب الآخر ويمكنك أن تهرب بينما أكون قد وقعت في أيديهم .
ولاحت في ذهني خاطرة تذكرني بأنك تركت سمير درويش عالقا في النافذة في بداية الهروب ، وأنك ستتركني عالقا بالشريط في نهايته!

ضحكنا وتعانقنا وحمدنا الله على السلامة ، ثم قلت له :
لم ينته الهروب تماما،فعلينا أن نتجاوز الكمائن اللبنانية وإن كانت العلقة معهم أهون ، لكن علينا أن نتفادى أية عراقيل .

تخطينا مواقع الجيش اللبناني ، ووصلنا إلى المواقع التي يسمح للفدائيين بالتواجد فيها .
ركبنا سيارة أجرة إلى البرج الشمالي حيث مكتب فتح ، وفوجئنا بأن ذلك المكتب قد أغلق ونقل إلى داخل المخيم ، فذهبنا بالسيارة إلى المقر الجديد حسب ما وصف لنا .
وأثناء السير وقعت عيناي على فدائي أعرفه يدعى قسام ، فطلبت من السائق أن يتوقف ، وصحت مناديا : قسام! فاقترب من السيارة وحينما شاهدنا صاح قائلا : بسم الله! بسم الله!حمزة !!
ضحكت وقلت له : ادفع أجرة السيارة ، فدفع وهو ينظر إلي في ذهول .
كان ذلك مع بزوغ الفجر ، وبعد نزولنا من السيارة تعانقنا مع قسام ، وأخبرته بأننا هربنا من السجن وبعد أن استوعب ذلك ، وزالت دهشته ، أوصلنا إلى مكتب فتح ، وكان يتبع للقطاع الأوسط ويقوده ضابط يدعى المقدم بلال .

كان بلال نائما في المكتب فطلبت من الحارس أن يوقظه ويبلغه بأن حمزة يونس موجود هنا .
وسمعت بلال يقول للحارس : ماذا تقول ؟! حمزة في السجن! فرد عليه بأن الشخص الموجود يدعى حمزة!

جاء بلال وفور رؤيتي صرخ : مش معقول! لم أتصور أنه يمكنني أن أراك إلا إذا ألقي القبض عليّ وألحقوني بالسجن!

شربنا القهوة ، وتناولنا الإفطار ، وجهز لي ولصديقي محمد بطاقتين شخصيتين ، وفي طريقنا إلى بيروت مررنا بصيدا ، والتقينا بقائد المنطقة الجنوبية في ذلك الوقت وهو العقيد الحاج إسماعيل .

شربنا عنده القهوة ، ثم ذهبنا إلى مكتب ( أبو جهاد ) في بيروت .



ملحوظة:




 
روابط ذات صلة
· زيادة حول متابعات إعلامية
· الأخبار بواسطة المحرر


أكثر مقال قراءة عن متابعات إعلامية:
مصادر تكشف اسباب استقالة غسان بن جدو من قناة الجزيرة



تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ



خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة



جريدة الصباح
فلسطين - تأسست عام 1995

www.alsbah.net
عيش الخبر أينما كنت
جريدة كل الفلسطينيين
فلسطينية العمق : عربية البعد : عالمية التوجه
https://www.s-palestine.net/ar/thumbgen.php?im=../images_lib/images/1_1564988074_5367.jpg&w=690
المدير العام رئيس التحرير
سري القدوة

PHP-Nuke Copyright © 2007 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.30 ثانية