جي سوفت

Welcome to
( اضاءة ) الرئيس محمود عباس
https://pbs.twimg.com/media/Ed9bmlIXsAEiHj4?format=jpg&name=900x900



ملفات خاصة


اللواء ركن / عرابي كلوب ( مشاعل على الطريق )



اشراقة الصباح



https://images.alwatanvoice.com/writers/large/9999469051.jpg


حتي نلتقي ( يكتيها رئيس التحرير )
Serri Alqudwa


القائمة الرئيسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



من يتصفح الأن
يوجد حاليا, 290 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


اشراقة الصباح

قضايا وآراء
[ قضايا وآراء ]

·مروان مشتهى : أيها الإنسان .. صبرك يكمن في ابتلاءك
·صالح الشقباوي : الشياطين وابلسة الوطن يتحالفون لإسقاط الشرعية
·صالح الشقباوي : ردا على اخي وصديقي د.نافذ الرفاعي التنوير في الفكر العربي
·عائد زقوت : رسائل الرمال الساخنة والمياه الدافئة
·اللواء عرابي كلوب يكتب : ذكرى رحيل المناضلة لوسيا توفيق حجازى
·حنا عيسي : ما هي حقيقة وثيقة كامبل السرية وتفتيت الوطن العربي؟
·ابراهيم احمد فرحات : {{الطيب عبدالرحيم ابوالعبد}
·سالم سريه : اللوبي الصهيوني في فرنسا –الجزء الخامس
·سري القدوة : ميثاق الشرف بين الأحزاب والفصائل المشاركة في الانتخابات الفلسطينية


الهروب من سجن الرملة رواية حقيقية
https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/38/%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9_%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85_%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%B3.jpg


مقالات رئيس التحرير
http://www.alsbah.net/archive/file/palestin.jpg

حتى نلتقي

1995 - 2005

ذاكرة وطن

سري القدوة




علي الدرب ماضون






مشاغبات : يوميا عبر الصباح
http://hosh.ps/wp-content/uploads/2015/02/ar-logo5.png







البحث في جميع المواضيع


  
متابعات: الصباح تعيد نشر قصة الهروب من سجن الرملة - رواية حقيقية 3
بتاريخ السبت 28 يوليو 2012 الموضوع: متابعات إعلامية

حمزة يونس
الهروب من سجن الرملة
رواية حقيقية
الهروب من سجن الرملة ( رواية واقعية)
المؤلف : حمزة يونس
جميع الحقوق محفوظة للناشر



كانت هذه العملية تضايقني نفسيا ، فارتحت لتوقفهم عنها أكثر مما ارتحت لإزالة الحديد عن قدمي .

ومنذ ذلك اللقاء ، صاروا يقدمون لي علبة سجائر كاملة كل يوم .


واعترف بأنني أحببت ذلك الرجل لا لأنه خفف عني العذاب ، ورفع القيد ، ولا لأنه أكرمني بعلبة سجائر يوميا ، ولكن لأنني شعرت بأنه ليس وحشا، وليس عدائيا ، باختصار لم يكن ساديا مثل بعضهم .

ربما كان سبب ذلك هو أن مدير السجن يهودي فلسطيني أي من مواليد فلسطين قبل قيام الدولة العبرية .



* * *



الفصل السابع


جولة في السجون


بقيت في سجن صرفند مدة ثلاثة أشهر تقريبا ، ثم نقلت إلى قسم الشرطة ، ومنه إلى سجن الجلمة القريب من حيفا ، ثم إلى سجن عكا، ثم إلى سجن (أبو كبير) في تل أبيب ، ثم إلى سجن عسقلان الذي هربت منه سابقا .


كانوا ينقلونني بواسطة سيارات الشرطة المحروسة ، وفي حالة نقلي بواسطة باص السجن ، كنت الوحيد الذي يقيد بالحديد في قدميه .


وبينما كنت في سجن عسقلان مع عدد من المساجين في إحدى الغرف ، جاء بعض السجانين ومعهم ضابط .

سأل ذلك الضابط عن حمزة يونس ، فأجبته (أنا) ، فقال : ضعوا الحديد في رجليه !

حاولت الاستفسار عن هذا الإجراء ، فقال الضابط : ( أنت سجين غير عادي)!


بعد وضع الحديد في قدمي ، انصرف السجانون ، وأغلقوا باب الغرفة ، وإذا بالمساجين يتجمعون حولي ويسألونني :

حقا أنت حمزة يونس ، المنقذ ، وبطل الملاكمة ؟

هل أنت حمزة الذي هرب من ههذا السجن؟


عرفت أن بعضهم كان شاهدني على حلبة الملاكمة ، وأبدوا دهشتهم لما شاهدوا من تغيير في لياقتي البدنية وحالتي الصحية ، حيث كنت أزن حوالي سبعين كيلوغراما ، أما حمزة الذي يرونه الآن، فلا يزيد وزنه عن 50 كيلوغراما .


تكرر سؤال المساجين ( هل أنت حمزة يونس حقا )؟ هل أنت الذي هرب عام 1964 م ، هل أنت بطل الملاكمة ؟


كان بعض المساجين يعرفونني منذ كنت في سجن عسقلان قبل سبع سنوات، وحتى المساجين الجدد نسبيا كانوا يتحدثون عن هروبي بأدق التفاصيل ويذكرون ما نشرته الصحف عني وأسماء الشرطة الذين طردوا بسببي ، والذين جرحوا وأدخلوا إلى المستشفى .


وعلى الرغم من معرفتهم بالتفاصيل الكاملة لهروبي ، فقد كانوا يلحون علي في رواية القصة ولم أكن أتحمس لذلك ، لأنني كنت قلقا وخاصة بعد وضع الحديد حول قدمي .


في اليوم الثاني ، استدعيت إلى التحقيق ،وعندما وقفت أمام المحقق سألني :

هل تذكرني؟

فقلت: نعم أذكرك ..


كان هذا الشخص معي في كيبوتس (هاعوجن) ، وكان في شرطة عسقلان عندما هربت من السجن ، ولم يكن حاضرا في تلك الليلة ، يضاف إلى ذلك أنه كان صديقا لأخي الأكبر محمد .


قام المحقق وأغلق الباب بنفسه ، ثم صافحني بحرارة ، وقال مبررا إغلاق الباب:

إن كثيرا من الشرطة يريدون أن يؤذوك لأنك السجين الوحيد الذس ترك بصماته على هذا السجن ، ولسنوات طويلة !


وأضاف قائلا:

حقا أنك غير عادي ! حتى عندما كنت في الكيبوتس كنت تتصرف بكثير من الثقة.


قال بعد هذه المقدمة :

والآن أريد أن أسمع منك عن تلك الليلة التي لا تنسى !

فقلت: أية ليلة تعني ؟!

فأجاب: طبعا ليلة هربك ! مع العلم أنه لم يهرب من هذا السجن غيركم ( يقصد مكرم يونس ، وحافظ مصالحة ) ، كما لم يهرب بعدكم أحد .


كان يريد أن يعرف كيف استطعنا أن نفتح أبواب غرفة السجن التي كنا فيها ، وأضاف قائلا:

هذا ليس إلا لإغلاق ملف الهروب .


وفجأة دخل شرطي ضخم الجثة ، وسألني عن زميلي الملاكم الشاب، ولمحت الغضب في عينيه ، فأجبته : هو في مصر ، فقال : هذا الذي أريد أن أراه لأعلمه كيف يضرب ويهرب !


بعد انصراف الشرطي سألني المحقق:

ألست الملاكم المقصود ؟

فقلت: ولماذا يسأل؟

فقال : لأنه ممن عوقبوا لعدم استعمال السلاح !


عرفت بعد أيام ، أن الهدف من أخذي إلى سجن عسقلان هو أن أقوم بتمثيل كيفية الهرب ، لغلق الملف .


فوجئت ذات يوم أثناء مروري بين العنابر ، بسجين يصرخ وبشتمني ، فسألت من هذا ، ولماذا يشتم ؟




أجاب ذلك السجين قائلا :

ألم تعرفني ، أنا هنا بسببك منذ هروبك عام 1964 م ، وعندئذ تذكرته ، وقلت له ساخرا :

تستأهل لأنك لم تهرب معنا كما اتفقنا !


إنه السجين اليهودي (شلومو) الذي طلبنا منه أن يدق الباب ليأتي الحارس ويفتح .. كان يعلم بأننا سنهرب ، وساعدنا لكنه لم يهرب معنا .

وكما ذكرت سابقا فإن كل المساجين الذين كانوا في السجن معنا ، عوقبوا بعد هروبنا بإضافة ستة شهور إلى عقوبتهم المقررة ، بسبب عدم التبليغ عنا .


نقلت إلى سجن الرملة – قسم الموقوفين – وفي يوم 31/01/1972، قدمت إلى محكمة اللد ، وهناك التقيت زملائي الذين كانوا معي في الزورق عند أسرنا.


كانت المحاكمة شكلية ، وقصيرة ، ولم أتكلم في المحكمة مطلقا ، وحسب الشكليات القانونية، كلفت المحكمة أحد المحامين بالدفاع عنا ، لكن لم نره إلا يوم المحاكمة ، لهذا رفضت أن يدافع عني .


ودون أية مرافعة ، وفي أقل من نصف ساعة ، أصدرت المحكمة حكما بالسجن المؤبد علي، وعلى وليد حطيني ، وزياد ، أما وائل الذي كان عمره آنذاك ستة عشر عاما ، فقد حكم بالحبس لمدة خمس وعشرين سنة .


التقيت في المحكمة يوم الجلسة بأهلي،و كان معهم بعض الجرائد التي كتبت عني ، ومنها جريدة (معاريف) التي كتبت في 25/10/1971 :


( ألقي القبض على مجموعة من المخربين في عرض البحر، وهذه المجموعة من الضفادع البشرية ، وتعتبر من أخطر الخلايا على إسرائيل ، يقودها ملاكم ناجح هو حمزة يونس ، الذي سبق أن هرب من سجن عسقلان بعد إلقاء القبض عليه بتهمة التعامل مع المخابرات المصرية .

وكان هذا الملاكم سافر ضمن منتخب بيطار إسرائيل إلى اليونان عام 1963 ، وكلف من طرف المخابرات المصرية بمراقبة حافظ مصالحة ، وعندما دخل سجن عسقلان وجده هناك ، وعمل حمزة على تهريبه مع ابن عمه مكرم يونس الذي ألقي القبض عليه بالتهمة نفسها).


قبل صدور الحكم ، كان المحامي قد لجأ إلى والدي لإقناعي بالاعتذار عما فعلته ، لكنني رفضت، فأصدرت المحكمة أحكامها المذكورة في حقنا .


بعد صدور الحكم ، تقدم عدد من الصحفيين وسألوني : ( كيف كنت بطلا مرموقا ، وتحولت إلى سجين قد يموت قبل أن يرى الشمس )؟!


ضحكت ورددت عليهم قائلا :

إن القاضي لم يستشيرني قبل إصدار الحكم ، لهذا أنا غير مسؤول عما قال ! وإنني أقول لكم سأبقى في السجن لمدى سنتين فقط؛ وهذا الكلام أنا مسؤول انه!


ضحك الصحفيون وقالوا : (حمزة يحلم ) !


في اليوم التالي نشرت جريدة معاريف خبر صدور الحكم في حقي وحق زملائي ، ونشرت في العدد نفسه خبر استشهاد ابن عمي عصام سليمان يونس وكان ضابطا برتبة نقيب في فتح ، وهو من أصغر الضباط وأكثرهم شجاعة ، وأقدرهم على تنفيذ العمليات داخل الأرض المحتلة .

كان عصام التحق بالثورة بعد هزيمة 1967 م ، وتلقى عدة دورات تدريب في الصين ، مصر والجزائر .

ومن أبرز العمليات التي نفذها عملية تفجير مصنع شركة فورد في مدينة الناصرة ، ثم استشهد في حادثة غامضة في جنوب لبنان .


آلمني خبر استشهاد عصام كثيرا ، ولفت انتباهي أن معاريف تعمدت في ما يبدو أن تربط خبر وفاته ، بخبر صدور الحكم علي ، بقصد التشكيك !


أذكر هنا أنني سمعت من النزلاء خلال جولتي بين السجون ، أن المخابرات الإسرائيلية روجت إشاعة مفادها ( أن دوريتهم التي أسرتنا ، كانت تناديني بمكبر الصوت قائلة : حمزة يونس ، سلم نفسك) ، علما بأن الظلام كان دامسا ، وأن مداهمتنا كانت بطريق الصدفة ، ولم يعرفني أحد ممن قاموا بأسرنا .


اندهشت لما سمعت حول هذه الحكاية المفبركة لأسباب تشكيكية ، ونفيت ذلك بشدة لمن سألني عنها .

وأشير هنا إلى أن لدى كثير من الناس حتى في صفوف المقاومة قابلية لتصديق الإشاعات والأكاذيب التي تروجها المخابرات الإسرائيلية عن طريق عملائها بقصد التشكيك والتشويه ، على الرغم من عدم منطقية تلك الإشاعات .

من ذلك أنه كان يتردد عند نجاحي في الهرب ، أن الهروب من تدبير المخابرات الإسرائيلية .

وكان بعضهم خصوصا ممن لا يعرفونني ولا يعرفون شيئا عن عملياتي ، يصدق الإشاعة ويساهم في ترويجها ، ومعلوم أن الإشاعات طالت حتى بعض الأسماء القيادية وما يزال هناك من يرددها دون تأمل أو تحفظ !


الفصل الثامن 1 الهروب من سجن الرملة

بعد صدور الحكم تمت إعادتي إلى سجن الرملة المركزي، ويمتاز هذا السجن الذي بناه الإنجليز خلال الانتداب البريطاني ، وأدخلت إسرائيل عليه بعض الإضافات ، بأنه أكبر سجون إسرائيل وأكثرها تحصينا،ولم يسبق أن هرب منه أحد ، وهو مخصص للمحكومين مددا طويلة .

ينقسم سجن الرملة إلى ستة أقسام ، أولها خاص بالموقوفين الذين لم يقدموا إلى المحكمة بعد ، وثانيها قسم الغرف الانفرادية والزنزانات ، أما الثالث فهو خاص بالنساء ، والقسم الرابع خاص بالمجانين ، ويشمل مستشفى لجميع المرضى من المساجين ، والخامس خاص بأهالي القدس العربية ، أما القسم السادس فهو القسم العام ، وكنت أنا في هذا القسم الأخير .

بعد فترة وجودي في السجن تشاجرت مع مديره ، وهو يهودي روماني اسمه (الياس) ، كان حاقدا ، شرسا ، ومتغطرسا ، شديد البطش .

حدث الشجار بيني وبينه في غرفة الطعام أمام المساجين . صرخ المدير بصوت عال موجها كلامه إلي بالذات مهددا ومتوعدا وقال حرفيا: عليكم أن تكونوا مطيعين لي ، ( واعلموا أن الله لن يخرجكم من هذا السجن إلا بأمري ) !

فرددت عليه أمام السجناء قائلا : أنا سأخرج من هذا السجن بعد سنتين ودون أمرك !

شعرت بنوع من الغبطة عندما كفر وتطاول على المولى عز وجل ! وعندما رددت عليه ، تضاحك وقال : انظروا ... هذا مجنون آخر يفكر بأنه سيخرج دون أمري !

كنت في الغرفة رقم 16 مع اثني عشر سجينا ، أغلبهم سجناء أمنيون ، وكانوا شبابا لطيفين ومؤدبين . لاحظوا أنني أظل مستيقظا أدخن حتى ساعة متأخرة من الليل ، رغم أنهم كانوا يلزموننا بالاستيقاظ على الساعة السادسة صباحا ، حيث يقومون بالإحصاء الأول ، ثم نذهب إلى غرفة الطعام للإفطار ، ثم نستعد للذهاب إلى العمل . شعرت بأن زملائي يشفقون علي ، ويريدون مني أن أتخلص من الأرق والقلق ، لأنام مثلهم ، حتى أن بعضهم قال لي : إن كنت تفكر في الهرب فعليك أن تنسى ذلك تماما ، لقد فكرنا هذا قبلك بكثير ، ونحن أقوى منك وأقدر على الحركة ، ونعرف السجن والسجانين أكثر منك ، لكننا يئسنا من هذا التفكير وتركناه لأنه لا يوجد بصيص أمل في إمكانية نجاحه، وإن كنت نجحت في الهرب مرتين ، فذلك لم يكن من سجن الرملة المركزي !فرددت عليه قائلا :

ليس على الأرض قوة كاملة ، فالكمال لله وحده ، لهذا لا بد أن يكون لهذا السجن نقاط ضعف ، وعلي أن أكتشفها خلال سنتين! وإمعانا في التحدي وتأكيدا لثقتي في ما قلته ، وعدتهم بأن أعطيهم علبة سجائر كل يوم بعد مرور السنتين !

كانوا يسمعون كلامي ويأخذونه على محمل التسلية والهزل .

تعرفت خلال فترة قصيرة على معظم المساجين من عرب ويهود ، وكان عددهم مائة وثمانين شخصا .

كان عدد المساجين في الأقسام الستة يبلغ ستمائة سجين ، أما العاملون في السجن من سجانين وإداريين وعمال وممرضين ، فكان عددهم ثلاثمائة شخص.

لاحظت أن معظم السجناء كانوا من المتعلمين وكانوا ظرفاء ، حتى المساجين اليهود الذين تطلق عليهم الشرطة وأجهزة الإعلام (العالم السفلي) ، وأصحاب العصابات ، كانوا ظرفاء أيضا ، ونستطيع التعامل معهم ، ولا سيما أصحاب الجرائم الكبيرة كسرقة البنوك ، والعصابات المسلحة .

ونظرا لكثرة المساجين ، وضيق المساحة ،كان من الصعب أن أجلس وحدي، فلا بد من حضور بعض الزملاء لمحادثتي . ولم أجد أمامي فرصة للاختلاء بنفسي ، إلا فترة عرض الفيلم السينمائي الذي يقدم مرة كل أسبوعين في ساحة السجن . هذه الفرصة تستقطب معظم المساجين ، الأمر الذي يسمح لي بأن أجلس في الغرفة وحيدا لمدة ساعتين ، أستطيع خلالها أن أرسم خريطة السجن دون أن يراني أحد .

كنت أرسم أجزاءه ، وأعيد تقسيمه باحثا عن نقطة الضعف المجهولة فيه .

توالى مرور الأيام والشهور ، وأنا أراوح مكاني دون أن أتقدم خطوة واحدة نحو خطة الهرب .

والسؤال الذي كان يلح علي ويزعجني هو : ماذا سيقولون عني إذا مرت السنتان دون أن أهرب؟!

كان الوفاء بوعدي يشدني أكثر من الفوز بحريتي ! كنت أفلسف الأمور على طريقتي الخاصة ، فأقول لنفسي : لقد وقعت في الأسر نتيجة خطأ ، وأضعف الأيمان أن أحاول تصحيح الخطأ بالهروب من السجن .

وضمن تأملاتي الفلسفية أو المتفلسفة ، كنت أقول : إن الذي بنى هذا السجن شخص عادي ، لكنه حصل على ما يلزمه للبناء ، أما التحريب فيحتاج إلى إمكانيات أقل ، إذن يمكنني أن أتفوق على من بنى هذا السجن بقدراتي العقلية دون أن أحتاج إلا إلى أشياء بسيطة جدا ، وأخلص من هذه الخواطر إلى السؤال الكبير : كيف أهرب ؟!

ذات يوم هرب أحد المساجين الأمنيين من قاعة المحكمة ، وهو جمال سلطان من قرية الطيرة الواقعة في المثلث الشمالي ، إلا أنهم تمكنوا من إلقاء القبض عليه في اليوم التالي من هروبه . وعرفنا أن فشله يعود إلى أخطاء ارتكبها خلال هروبه ،منها أنه طلب بعض الطعام والماء من أحد البيوت ! وقد لامه المساجين وقالوا له : ما دمت قد فكرت في الهرب فكان عليك أن تستشير حمزة يونس .

ذات يوم قامت القوات الإسرائيلية بالتعاون مع ( حرس الحدود ) في تمرين احتياطي شمل مهاجمة السجن ، فانطلقت صفارات الإنذار، ودخلوا السجن وأمروا المساجين بالدخول إلى غرفهم ، ملوحين بالعصي والهراوات والأسلحة، ثم قاموا بإحصاءالمساجين ، واعتقدنا أن هناك محاولة هرب بالفعل. كنت آنذاك في نادي السجن حيث أغلقوا الباب علينا ، الأمر الذي جعل المساجين يعتقدون أن الذي هرب لا بد أن يكون حمزة .

هذه النظرة إلي كانت تزيد من عزيمتي وتصميمي ، وكنت فخورا بثقة المساجين في قدراتي ، كما أن المعاملة الاستفزازية التي كانت تمارسها علينا إدارة السجن ، ووصفها لنا بأننا جبناء ولا قدرة لنا على التخطيط ، ولم يكونوا يخصون المساجين بهذا الوصف بل كانوا يطلقونه على العرب جميعا في سياق النغمة التي ظل يرددها الإعلام الإسرائيلي إلى أن نشبت حرب رمضان عام 1973 م . هذه النظرة المتحاملة وتلك المعاملة الاستفزازية التي كانت تنتقص من رجولتنا وقدراتنا العقلية ، زادتني تصميما على مواجهة التحدي ، والقيام بالهرب حين تسمح الفرصة المناسبة .

وقد خطر في بالي أن أقسم أمام المساجين أنني سأهرب في تاريخ محدد أعلنه لهم ، كما فعلت في الهروب الأول عام 1964 ، حيث أقسمت لزملائي بأنني سأنام تلك الليلة في غزة ، أو في المستشفى ، أو في القبر ، ولن أنام في السجن. كما ذكرت في حينه ، كان ذلك القسم من أقوى الدوافع التي جعلتني أقدم على الهرب دون تردد . والآن أحتاج فقط إلى بارقة أمل دون أي اعتبار لنسبة النجاح في المغامرة التي سوف أقدم عليها ؛ فقد صرت عصبيا في التعامل مع زملائي بسبب ما أعانيه من ضيق، ولأنني لم أتوصل بعد إلى معرفة نقاط الضعف التي أبحث عنها لوضع خطة الهرب على أساسها .

استمر هذا الحال معي إلى 06/10/1973 ، وكان هذا اليوم عيد الصيام أو الغفران عند اليهود . وبينما كنا في غرفنا رأينا سيارات الإسعاف تدخل السجن ، فيما راح السجانون يدخلون الغرف طالبين من المساجين التبرع بالدم. ولاحظنا أنهم قاموا بتشديد الحراسة ، وبخاصة على أبراج المراقبة ، ولم نكت نعرف سبب ما يحدث أمامنا ، وكان المذياع مغلقا بسبب يوم الصيام ، واستمر إغلاقه عدة أيام ، مما جعلنا متشوقين إلى معرفة ما دار ويدور !

كانوا يقدمون على غلق المذياع عادة حين تجري أحداث أو عمليات لها علاقة بالمساجين مثل عملية ميونخ ، وخطف طائرة سافينا ، وكلتا العمليتين كان هدفهما إخراج المساجين .

وبدأت الأخبار تتسرب لنا من مصادر مختلفة ، وعرفنا أن الحرب قد اندلعت مع سوريا ومصر ، وكنا نشاهد بوضوح علامات الحزن والبؤس على وجوه السجانين . وقد تعودنا على استشفاف الأحوال والأخبار مما يبدو على وجوههم في كل المناسبات، فإذا رأيناهم يضحكون ، شعرنا بأن هناك خبرا سيئا بالنسبة إلينا كعرب ، أما إذا رأيناهم مكتئبين – كما هو حالهم اليوم – فقد كنا نضحك مدركين أن هناك خبرا مفرحا . ومن الطبيعي أن ما كان يسرهم يحزننا ، وأن ما كان يحزنهم يسرنا .

استمرت الحالة غير المعتادة في السجن حيث تواصل إغلاق المذياع إلى اليوم الثالث من الحرب ، وبلغنا أن المصريين عبروا قناة السويس ، وأن السوريين توغلوا في الجولان وجبل الشيخ .

بعد ذلك سمح للأهالي بزيارة المساجين فعرفنا منهم ما حدث بصورة أدق وأكثر تفصيلا ، وعاد المذياع يعمل من جديد ، وصار في وسعنا متابعة أخبار الحرب ولكن من المصادر الإسرائيلية فقط . كانت فرحتنا غامرة عندما عرفنا بوجود أسرى من اليهود لدى العرب ؛ لأن هذا يعني بالنسبة إلينا إمكانية حدوث تبادل قد يشملنا . ولكننا تألمنا كثيرا عندما شاهدنا في الصحف الإسرائيلية صورا للأسرى اليهود وهم يزورون الأهرام والقناطر الخيرية ولم يمض على وجودهم في السجن إلا أسابيع قليلة . هذا الكرم العربي الزائد كان في نظرنا عملا سيئا لأننا منذ دخول سجونهم نتعرض للتعذيب والإذلال !

رحنا نتساءل : هل ستشملنا مبادلات الأسرى ، وخاصة نحن عرب 1948 ، الذين يعتبرون عربا لدى إسرائيل ، وإسرائيليين لدى العرب !

والحقيقة أننا في قرارة أنفسنا كنا نستبعد أن تشملنا المبادلات ؛ لأننا نتذكر أنه عندما احتجز الفدائيون عددا من الرياضيين الإسرائيليين في ميونخ ، وطالبوا بالإفراج عن 225 سجينا ، لم يرد بينهم أي واحد من عرب 1948 ، علما بأن تلك العملية قام بها من ننتمي إليهم في المقاومة الفلسطينية ، وعلى الرغم من ذلك كنا نميل إلى تصديق احتمال أن نكون ضمن المبادلات .

لقد تمنينا أن نكون مخطئين في تقديرنا للمسألة في ضوء ما نعرفه من حقائق أو وقائع ، وأن تصدق الإشاعات التي لم يكن يدعمها أي دليل !

تذكرنا ما حدث عام 1967 ، عندما بث اليهود إشاعات تزعم بأن عرب 1948 شاركوا في احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ، وأن فلانا من الضفة تعرف على قريبه فلان الضابط الكبير في الجيش الإسرائيلي ، وأن فلانا وبناته شاركوا في الحرب كاليهود واليهوديات.

وقت ذاك كنت في غزة وأذكر أن كثيرين من السذج صدقوا تلك الإشاعات ، لأن الإعلام العربي لم يتصد لها بالتكذيب والتفنيد ، بل لم يقدم أية حقيقة عن موقف عرب 1948 ، علما بأن ما كان يقال في الإعلام الإسرائيلي بصورة واضحة هو أن العرب في إسرائيل شوكة في حلق دولتهم ، ويجب خلعها أو كسرها ، إضافة إلى الوصف اليهودي المعروف بأن هؤلاء العرب قنبلة زمنية موقوتة . رغم هذه النظرة السائدة تجاه عرب الأرض المحتلة في العمق ، فإن الإعلام العربي لم يفند الإشاعات الكاذبة التي ترددت خلال حرب 1967 .

بعد أيام عديدة ، انتهت حالة الطوارئ في السجن وفتحت أبواب الغرف كالمعتاد . حدث أن تقدم مني سجين يهودي شاب كان قد اشتبك مع الشرطة ، فصار يبدي كراهية شديدة لإدارة السجن والشرطة . طلب ذلك الشاب مني أن نمشي معا في ساحة السجن ، وخلال المشي قال لي : هل لديك استعداد لأن تتعاون في الهرب ؟ فأجبته مطمئنا لصدقه: طبعا لا مانع لدي ! ولاكن نتعاون لوحدنا ؟ فأجاب: لا ، يوجد معنا ثلاثة . سألته عن أسمائهم فذكرهم لي ، فشعرت بالاطمئنان إليهم أيضا وقلت : لكن يجب أن أعرف مقدما تفاصيل خطة الهرب .

وافق ذلك الشاب واسمه (إيتان حيا ) وشرح الخطة ، فعلقت عليها قائلا : إنها مجازفة خطيرة ، ولكن نسبة النجاح لا بأس بها .

بعد ذلك كنا نجلس مع بعضنا كثيرا ، وضاعفت فترة ممارسة الرياضة ، وخاصة الجري . ومضى على ذلك أسبوعان ، وبينما كنت وحدي في النادي وأمامي رقعة الشطرنج ، رأيت سجينا عربيا اسمه عبد الرحمان كرمان ، وهو متهم بالتعاون مع المخابرات المصرية وبأنه زود المصريين بتصاميم خط بارليف .

رأيته قادما نحوي ، وعندما وصلني سحب رقعة الشطرنج وأزاحها من أمامي وقال: أعرف أنك لا تفكر في الشطرنج بل في خطة الهرب ! فقلت له مبتسما: أرجو أن لا تخبر إدارة السجن! فقال: لا أستطيع إخبار الإدارة لأنني لا أعرف الخطة!

وأضاف قائلا: لن أفعل ذلك لأنني أفكر في الهرب أيضا ، وخطتي أفضل من خطتك! فقلت: كيف حكمت بذلك وأنت لا تعرف خطتي ؟!

كنا نتحدث ونضحك دون أن أعطي الحوار أية أهمية،وعدت إلى رقعة الشطرنج ، فتناولها مرة أخرى وقال : أنا أحدثك بجدية ، وعندي خطة مضمونة ، لكن أريد أن أعرف هل لديك استعداد للهرب ؟ فقلت: بالطبع عندي،وأعتقد أنه لا يوجد سجين محكوم عليه بالمربد لا يفكر في ذلك .

عندما شرح لي خطته وجدتها مستحيلة ، وكانت تسمح بهروب شخص واحد فقط . تتلخص خطته في أن يقطع هو التيار الكهربائي بواسطة ماس ، على أن أكون في تلك اللحظة في ساحة السجن ، وينبغي أن أتسلق ثلاث طوابق في سبع ثواني الوصول إلى السطح ؟ لأن المصابيح في الداخل ستضاء بواسطة المولد الاحتياطي الذي يعمل آليا فور انقطاع الكهرباء ، ومدة الانقطاع هي سبع ثواني فقط ، أما المصابيح الخارجية القوية الإضاءة ، فستضاء بعد دقيقتين ، وعلى الهارب أن يكون خلالهما قد غادر السجن من خلفه بالقفز عن سوره . بدت هذه الخطة مستحيلة عمليا ؛ لأن الهارب يحتاج إلى مدة أطول ، ومع ذلك فقد طلبت من عبد الرحمن كرمان ، أن يمهلني بعض الوقت لدراسة الخطة بتمعن. خلوت إلى نفسي ، ورحت أفكر في هذا العرض ، وتساءلت : لماذا اختارني أنا بالذات دون سائر المساجين؟! ولم نكن صديقين حميمين، وما هي الفائدة التي سيجنيها من خطته حتى لو نجحت وهربت أنا ، فالخطة كما ذكرت لا تسمح بهروب أكثر من شخص ، وفي حالة فشلها فإنه سيعاقب لأنني من المحتمل أن أذكر من الذي قطع الكهرباء. إذن يمكن أن يكون شريكا في الخسارة ولا يحتمل أن يكون شريكا في الربح؟!

راودني الشك في صاحب الخطة ، فقلت في نفسي : هل هو مدفوع من طرف الإدارة لنعرفة ما يدور في خاطري وهل عرفت الإدارة ؟

وهل عرفت الإدارة ما عرض عليّ (إيتان حيا) وزملاؤه ؟ ألا يمكن بالتالي أن يكون ما عرضه كرمان مجرد فخ لي ؟!

ومما زاد نسبة الشك لدي ، أنني كنت أعرف أن إدارة السجن تتعمد أحيانا أن تدس شخصا لمعرفة ما يفكر فيه السجين الذي يكون موضع شك لديهم . ولإدارة سجن الرملة سوابق كثيرة يعرفها المساجين ،حيث أن سجن الرملة كما ذكرت سابقا هو من أكبر السجون الإسرائيلية ، وأدارته من أشرس الإدارات . وكان يطلق على السجن اسم (المسلخ) لأنهم كانوا ينقلون إليه من يرغبون في تعذيبه، فهو يحتوي على غرف عازلة للصوت.

ومن جملة ألاعيب إدارة هذا المسلخ أنها إذا سمعت سجينا ممن جرى تعذيبهم ، يشكو أو يحاول أن يشكو ، كانت تدفع إليه شخصا بلباس رجال الصليب الأحمر ، ليبوح له بكل ما حدث له ، وبعد أن يفرغ السجين المخدوع ، يقوم ذلك الشخص بخلع ملابس الصليب الأحمر، فتبدو ملابسه العسكرية ، وينهال على السجين المشتكي ضربا ، ويساعده بعض السجانين ، قائلين : ( تريد أن تشتكي )؟!

هذه الخواطر والهواجس جعلتني أتحفظ كثيرا على عديد من زملائي بمن فيهم عبد الرحمن .

جاءني عبد الرحمن في النادي بعد يومين ، وسألني : هل فكرت جيدا في الخطة ؟

فأجبته : نعم ، وأراها خطة فاشلة ، ويجب أن تعرف أنني أقبل خطة تكون نسبة المغامرة فيها معقولة ؛ لأنني إذا حاولت وفشلت ، سيقومون بوضعي في الغرف الانفرادية حيث تصبح محاولة الهروب مستحيلة، وأعلم أن أمامي محاولة واحدة فقط ، لذلك لن أضيعها في أية خطة فاشلة !

ضحك عبد الرحمان وقال : اتفقنا سأخبرك بخطة جديدة ومقبولة .



* * * 2

خطة الهروب

قلت لعبد الرحمان : لنتكلم بصراحة ، فهذه مسألة لا تحتمل أنصاف الثقة . نظر إليّ وقال: كيف تنظر إلى سمير درويش !

سمير درويش كان سجينا معنا ، وقد ألقي القبض عليه عام 1967 بتهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية – القيادة العامة -،وكان يقيم في الطابق الأول في غرفة المغسلة ، مع أحد أبناء قرية عرعرة ، يدعى محمود ضعيّف ، محكوم بالمؤبد بتهمة مدنية ، وقد مضى على وجوده في هذا السجن أربعة عشر عاما ، ولسمير ومحمود علاقة مميزة مع إدارة السجن ، حيث يسكنان وحدهما في معزل عن سائر المساجين ، وكنا نتجنب إطلاعهما على خواطرنا وأسرارنا ، ولا نشركهما معنا في حالة الصراع مع الإدارة .

باختصار كانت شكوك المساجين تحوم حولهما ولم يكونا موضع ثقة، ولذلك عندما سألني عن سمير درويش سألته مستغربا :

لماذا تسألني عنه ؟!

فأجاب : يريد سمير أن يهرب ، وتستطيع أن نهرب معه من غرفة المغسلة! كان ما قاله عبد الرحمان مفاجأة ، حيث لم يخطر في بالي للحظة واحدة أن سمير يفكر في الهرب .

وتساءلت في نفسي : لماذا يريد أن أهرب معه ؟ إنه يستطيع أن يهرب وحده ، خصوصا وأنهم سمحوا له عندما توفي والده ، بحضور جنازته في قريته (البروة) من قضاء عكا ، وكنا نتساءل في استغراب: كيف سمحوا له بحضور جنازة والده ، ولم يكن ذلك من عادتهم بالنسبة إلى السجناء الأمنيين ، والعرب منهم خاصة .

قلت لعبد الرحمان : إن هروبك معه أفضل من هروبنا الجماعي! فقال: نحن في حاجة إلى مساعدتك . قلت: وما الذي يمكن أن أساعدكم به . فقال: إننا في حاجة إلى مناشير لقص قضبان الحديد ، وأنا على يقين من أنك تملك ذلك! قلت: هل يعقل أن أتمكن أنا من الحصول على المناشير ، وهل يعجز سمير الذي يزار في غرفة مستقلة ، ويحظة بمعاملة خاصة ، عن الحصول عليها ؟! ثم تابعت كلامي بلهجة حادة وصارمة : تأكد أنني لا أملك مناشير ولا أفكر في الهرب !

قلت ذلك وقمت لأغادر النادي ، فقال عبد الرحمان بلهجة رقيقة : أرجو أن تفكر فيما قلته لك ، وأن لا تضيع هذه الفرصة ! حملت الشطرنج وذهبت إلى غرفتي ، ورحت أفكر بما سمعته من عبد الرحمان متسائلا عن هذا العرض ، وعن سبب اختياره لي دون الآخرين؟ مع العلم بأنه لا تربطني بسمير درويش أبة علاقة ، وتساءلت : هل هما مدفوعان من الإدارة ؟

وهل تعلم الإدارة بعلاقتي واتفاقي مع الشبان اليهود ، أم أنه أبلغهم أني أملك مناشير ، ويريدون معرفة أين أخفيها ؟

ثم أجدني أتساءل في الاتجاه الآخر : ولماذا لا يكون العرض صادقا ، وأنهما يفكران في الهرب فعلا؟! في هذه الحالة تبدو خطتهم أكثر ضمانا من خطة اليهود.

مضى يومان وأنا مضطرب ومتوتر الأعصاب ، ولا أستطيع أن أتخذ قرارا، وبقيت على هذه الحالةإلى أن رأيت كرمان الذي كنت أناديه أحيانا على سبيل المداعبة ( كروان). وعندما اقترب مني قال بصوت مسموع : أين المناشر ؟ يجب أن نسرع في قص القضبان! أجبته قائلا: إنني أبحث عنها ، ولعلي سأجدها عند بعض المساجين! راح عبد الرحمان يشجعني ويطمئنني ، فوعدته بأنني سأحاول أن أحصل عليها .

في اليوم التالي وضعت تحت مخدة عبد الرحمان منشارا بعد أن مسحت بصماتي عنه ، ثم بحثت عنه وأخبرته بأن المنشار في غرفته وتحت مخدته .

ذهب كرمان إلى غرفته وأخذ المنشار ونزل إلى الطابق الأول ، وتوقف عند الباب ونادى سمير وأعطاه المنشار دون أن يشعر أحد . أخبرني كرمان في اليوم التالي ، بأن سمير بدأ في قص القضيب الأمل من قضبان النافذة ، وأنه يريد دهانا أخضر كلون قضبان النفذة، إضافة إلى المزيد من المناشير . ذهبت إلى غرفة المغسلة بحجة زيارة محمود ابن قريتي الذي يسكن مع سمير ، وكان محمود يعمل في المطبخ ، فطلبت منه مزيدا من الحليب والبيض يوميا ، لأستطيع أن أتردد على تلك الغرفة كلما اقتضى الأمر ذلك .

دخلت غرفة المغسلة ، ونظرت إلى النافذة وكانت على ارتفاع 1,75 متر . لاحظت أن أحد القضبان مقصوص فعلا ، وإن كان بعضه ما يزال عالقا ، ليكسر عند الهرب .

كانوا يتفقدون نوافذ الغرف بعصاة طويلة كل يوم ، أما غرفة المغسلة فلم تكن موضع اهتمام السجانين .

بعد أن شاهدت القضيب المقصوص ، رحت أفكر في طلبهم مزيدا من المناشير، ورغم أنني شاهت ذلك ، فقد ظل الشك يراودني لأن مسألة قص القضيب يمكن أن يحدث باتفاق مع الإدارة والمخابرات ، كما كنت أعتقد بأنهم يمكن أن يتيحوا لي فرصة الهرب لقتلي بحجة محاولة الهرب .

لذلك لم أقدم لكرمان مزيدا من المناسير ؛ كما أن ما عندي لا يكفي لقص اثنين وعشرين قضيبا .

جاءني كرمان في اليوم الثالث وأخبرني بأن سمير درويش يريد أن يتكلم معي ؛ لأن المصباحين القريبين من غرفة المغسلة مقابل النافذة معطلان رغم أن كل مصابيح السجن سليمة . وكنت لاحظت ذلك قبل يومين ، وهذا لا يحدث عادة في السجن ؛ لأنهم يتفقدون كل شيء يوميا ولا يتركون أي مصباح معطلا ؛ فالإضاءة أهم ركائز الحراسة.

لم أذهب إلى سمير فورا ، بل ذهبت إليه في اليوم التالي ، وأخفيت كل ما يمكن أن يشعره بأنني أشك فيه ، وفور وصولي إليه قال :

أريد المناشير بسرعة ، فالمنشار الذي استعملته انكسر ، ونحن في حاجة إلى عدد كبير من المناشير ، لأن القضبان التي في النافذة مكونة من صفين متقابلين.

كنا نقف في غرفة المغسلة ، واعتبرت أن هناك احتمالا لوجود آلة تسجيل ، وآلة تصوير في حالة وجود سوء نية ؛ لهذا طلبت من سمير أن نذهب لمتابعة الحديث في النادي .

سرت أمامه ، وأعددت ورقة وقلما ، وقلت له علينا أن نتحاور كتابيا زيادة في الاحتياط . ولاحظت أنه كان يقرأ سؤالي بصوت عال ، ويرد عليه كتابة متبوعة بصوت مسموع كذلك ، الأمر الذي جعلني أتوهم أنه يحمل آلة نقل صوت!

حاولت أن أداعبه بالأيدي ، فاندهش لأنه يعرف أن هذا ليس من عادتي ، وقال :

باختصار المصباحان معطلان ويجب أن نستغل هذه الفرصة لقص القضبان والهروب قبل أن يتفطنوا إليها ، فقلت له مستغربا :

ما هذه الصدفة؟ قال : أتشك فيّ ؟ فقلت: طبعا لا ، ولكني أستغرب هذه الصدفة الجميلة! ثم أضفت : ليس عندي مناشير أخرى وقد أعطيتك المنشار الوحيد الذي كان في حوزتي. فقال: إن مقاس رجل أخي الذي يزورني مطابق لمقاس رجلي ويمكنك أن تضع المناشير في نعل حذاء قياس 44 ، بحيث توضع المناشير تحت نعله ويسلم الحذاء إلى أخي ليحضره لي دون أن يعرف ما في داخله .

وافقت على هذا الاقتراح ، وأخذت منه اسم أخيه وعنوانه ، وكلفت أحد الأصدقاء بتنفيذ هذه المهمة دون أن يعرّف نفسه إلى شقيق سمير، ويمكن أن يقدم نفسه بأي اسم وينتسب إلى أي بلد .

خطر لي أثناء حديثي مع سمير عن حذاء أخيه أن أشرك طرفا آخر في عملية إدخال المناشير ، لأرى كيف ستكون ردة فعل سمير وكرمان ، وفي الوقت نفسه يمكن الحصول على عدد أكبر من المناشير . فكرت في ذلك السجان ذي القدم الكبير ، وكنت لاحظت نهمه في الأكل والسعي إلى أي مكسب من المساجين .

أخبرت سمير بما خطر لي فاستبعد إمكانية ذلك ، ثم ابتسم وقال : لا بأس ، لنحاول. بدأ تنفيذ المخاطرة فورا ، حيث ذهب سمير إلى ذلك السجان وراح يتحدث معه، ثم التحقت بهم في الساحة . لاحظنا أن الغيوم كثيفة وأن المطر سيهطل خلال وقت قصير . وعندما صرت بجانبهم قلت موجها الكلام لسمير : إنني أجزم بأن المطر لن يهطل رغم هذه الغيوم ! رد السجان على الفور قائلا : بل سيهطل بالتأكيد بعد قليل . فقلت له: أراهنك على أنه لن يهطل . فتدخل سمير قائلا: يراهنك من حذاء إلى حذاء فقلت لسمير : موافق!

وأمسكت يد السجان لعقد الرهان فرد هو بالموافقة أيضا , تحدثنا قليلا ثم انصرفنا ، ولم يمض من الوقت غير دقائق قليلة حتى هطل المطر ، فصرخ سمير مناديا ، فذهبت إليهما ، وعند وصلت إليهما قال سمير مبتسما : لقد خسرت الرهان يا شاطر! فقلت بصوت هادئ :

نعم ، أعترف بذلك ، وأضفت موجها الكلام إلى السجان ، هل تريد أن يأتيك الحذاء مع زواري أم أرسله إليك في بيتك ؟

قال سمير بجد : الأفضل أن ترسله إلى بيته ، وسيعطيك العنوان!! فقلت : أهلا وسهلا هات عنوانك . قدم لي عنوانه فقلت له : تكرم سيكون الحذاء عندك قريبا .

بعد ستة أيام رأيت ذلك السجان وهو يلبس حذاء جديدا ويتجه إلي بصحبة سمير وهما يبتسمان . قال سمير : شكرا على وفائك بالوعد . سألت السجان : هل هذا هو الحذاء الذي وصلك من طرفي ؟ فقال: نعم هو .

كان من جملة المساجين العرب سجين يدعى عمر السيلاوي ، يقيم في غرفتي ، وهو ذو علاقات كثيرة مع المساجين والسجانين وكان يميل إلى المزاح والحركات المضحكة . طلبت منه أن يقوم بحركة ما تؤدي إلى توسيخ الحذاء الجديد الذي يلبسه السجان، ليكون ذلك مبررا لأخذه منه وتنظيفه . اتجه السيلاوي على الفور وأحضر فنجانين من القهوة ، قدم أحدهما للسجان ، بينما أمسك الثاني في يده ، وتظاهر بالتعثر فاندلقت القهوة على الحذاء الجديد . صحنا بالسيلاوي : ماذا فعلت ؟! فقال: لا تتدخلوا ، سأصلح ما أفسدته .

قال ذلك وأحضر شبشبا قدمه للسجان وأخذ الحذاء لينظفه فتبعته إلى حمام الغرفة ، ورحنا نفك نعل الحذاء حتى أخرجنا المناشير ، وأعدنا دق النعل بعد تنظيف الحذاء وأعدناه إلى السجان الذي فاز في الرهان!

أما شقيق سمير فقد وصل حذاؤه في يوم الزيارة بعد حذاء السجان بيوم واحد، فصار لدينا كمية كبيرة من المناشير البولادية التي وصفها سمير بأنها ممتازة.

وعلى الرغم مما حققناه بخصوص المناشير ، فقد ظللت مترددا بين الهرب مع المساجين اليهود ، والهرب مع العرب!

كان لي صديق اسمه محمد قاسم يقيم معي في نفس الغرفة ومحكوم لمدو 25 سنة بتهمة الانتماء لحركة فتح والقيام بعدة عمليات في الداخل . هذا الصديق كان يعلم بأنني أخطط للهرب مع ( إيتان حيا ) وزملائه، وذات يوم كنت أسير معه في ممرا السجن ، فقلت له :

أريد أن أخبرك بشيء ، ولا أطلب رأيك فيه . وأخبرته بما دار بيني وبين كرمان ، وسمير درويش ، وقلت له :


ملحوظة:




 
روابط ذات صلة
· زيادة حول متابعات إعلامية
· الأخبار بواسطة المحرر


أكثر مقال قراءة عن متابعات إعلامية:
مصادر تكشف اسباب استقالة غسان بن جدو من قناة الجزيرة



تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ



خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة



جريدة الصباح
فلسطين - تأسست عام 1995

www.alsbah.net
عيش الخبر أينما كنت
جريدة كل الفلسطينيين
فلسطينية العمق : عربية البعد : عالمية التوجه
https://www.s-palestine.net/ar/thumbgen.php?im=../images_lib/images/1_1564988074_5367.jpg&w=690
المدير العام رئيس التحرير
سري القدوة

PHP-Nuke Copyright © 2007 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.54 ثانية