جي سوفت

Welcome to
( اضاءة ) الرئيس محمود عباس
https://pbs.twimg.com/media/Ed9bmlIXsAEiHj4?format=jpg&name=900x900



ملفات خاصة


اللواء ركن / عرابي كلوب ( مشاعل على الطريق )



اشراقة الصباح



https://images.alwatanvoice.com/writers/large/9999469051.jpg


حتي نلتقي ( يكتيها رئيس التحرير )
Serri Alqudwa


القائمة الرئيسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



من يتصفح الأن
يوجد حاليا, 315 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


اشراقة الصباح

العودة والتحرير
[ العودة والتحرير ]

·عاطف ابو بكر/ابو فرح : قصيدتان:لبطليْنِ  من بلادنا
·الذكرى الثامنه لرحيل الشهيد البطل نبيل عارف حنني (ابو غضب)..
·سقطت الذرائع ألأسرائيلية بشأن حقوق المياه الفلسطينية
·دورة الوفاء لحركة فتح دورة الشهيد القائد أمين الهندي
·سفارة فلسطين في رومانيا ووزارة الثقافة الرومانية تكرمان الشاعر والمفكر الفلسطيني
·الاتحاد العام لطلبة فلسطين بتونس يقيم احتفالا جماهيريا بيوم التضامن العالمي مع ا


الهروب من سجن الرملة رواية حقيقية
https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/38/%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9_%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85_%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%B3.jpg


مقالات رئيس التحرير
http://www.alsbah.net/archive/file/palestin.jpg

حتى نلتقي

1995 - 2005

ذاكرة وطن

سري القدوة




علي الدرب ماضون






مشاغبات : يوميا عبر الصباح
http://hosh.ps/wp-content/uploads/2015/02/ar-logo5.png







البحث في جميع المواضيع


  
متابعات: الصباح تعيد نشر قصة الهروب من سجن الرملة - رواية حقيقية 2
بتاريخ السبت 28 يوليو 2012 الموضوع: متابعات إعلامية

حمزة يونس
الهروب من سجن الرملة
رواية حقيقية
الهروب من سجن الرملة ( رواية واقعية)
المؤلف : حمزة يونس
جميع الحقوق محفوظة للناشر

الهروب الثانيكنت درست الصفين الأول والثاني من المرحلة الثانوية في غزة ، وبينما كنت في قاعة الامتحانات النهائية للصف الثاني ثانوي ، وذلك يوم 05/06/1967 ، تعرضت غزة لغارات من طائرات الميراج الإسرائيلية وكم كانت فرحة الناس كبيرة عندما تم إسقاط أول طائرة ميراج وتم أسر قائدها .ساد قاعة الامتحان هرج ومرج ، فاضطر الأساتذة إلى وقف الامتجان وصرفوا الطلبة .ذهبت إلى عملي في مبنى المخابرات وتوليت ترجمة نشرات الأخبار العبرية ، ومراقبة المكالمات اللاسلكية .كان هذا هو عملي أن ومكرم حتى قبل نشوب الحرب .

هب الأهالي في حماس شديد للتطوع، خصوصا بعدما علموا بأن الجيش الإسرائيلي يتقدم في اتجاه تلة المنطار ، شرق مدينة غزة ، وكانت هذه التلة موقعا لجيش التحرير الفلسطيني الذي أسقط طائرة الميراج وأسر قائدها .

بعد ساعات من بدأ القتال دبت الفوضى في أنحاء غزة ، حتى في المكاتب الحكومية بما فيها مكتب المخابرات ، وتم استدعاء الفدائيين القدماء المعروفين بفدائيي مصطفى حافظ .
كنت أتناوب مع مكرم في العمل ، ونذهب خلال وقت الفراغ للاشتراك في المقاومة الشعبية ، وفي المساء سقطت قذيفة على مبنى المخابرات فاستشهد عسكري وضابط هو الرائد عمارة الذي يقع مكتبه إلى جانب مكتبي .بعد هذه الحادثة طلب منا إخلاء المبنى وحرق جميع الملفات .

وبينما كنا تقاتل ضمن ثوات المقاومة الشعبية ، تلقيت استدعاء من مدير المخابرات يطلب من جميع العاملين في المكتب مغادرة قطاع غزة إلى مصر بواسطة زورق كان معدا لنفلنا بحرا .رفضت الأمر وقلت لهم سأبقى هنا فأخبرني المدير بأن سيناء قد سقطت وكذلك الضفة الغربية والجولان ومعظم قطاع غزة ، مضيفا أن القوات المصرية تلقت أوامر بالنسحاب الحر ، هذا التعبير العسكري يعني أن الهزيمة قد حلت .حت تلك اللحظة لم أستطع استيعاب ما يجري ولم أصدق أن عبد الناصر يمكن أن يقبل الهزيمة ، واعتقدت أن ما صدر هو مجرد تكتيك يستهدف استدراج العدو إلى العمق ، وبالتالي كنت أعتقد أن النصر سيتحقق ولذلك يجب أن أظل قريبا من قريتي.سقطت تلة المنطار وتقدم الجيش الإسرائيلي نحو شارع عمر المختار وهو أكبر شارع في غزة ؛الأمر الذي يعني أن المدينة سقطت ، وعلى الرغم من ذلك بقيت قرب مبنى السرايا وحدي واشتبكت منفردا مع القوة المتقدمة .كنت أفضل الموت على الحياة في ظل الهزيمة ، وقد كان أمامي نحو عشرين آلية عسكرية تضم حوالي مائة وعشرين جنديا وضابطا .وجهت رشاشي وهو من طراز (كارلوستاف) نحوهم وأطلقت النار ، فانبطح المشاة أرضا ، وراحت دباباتهم نمطر الموقع الذي كنت فيه بوابل من الرصاص ، وكنت أقف في ذلك الموقع دون ساتر ، بل كنت في وسط الشارع الرئيسي .

تمكنوا من إصابتي في الساق اليمنى والقدم اليسرى فسقطت على الأرض دون حراك فتوقفوا عن إطلاق النار .

رأيت الدماء تنزف بغزارة ، وظننت أن شريانا قد انقطع ورغم تمزق سروالي وخطورة النزيف ، فلم أحاول إسعاف نفسي ، لأنني اعتقدت في سعادة أنني سأموت شهيدا .

وفجأة تذكرت أمي ، وما ستعانيه حين يأتيها خبر موتي ، وسيكون حزنها أشد لأنها لن تعرف أين قبري .

لم تكن المسافة التي نفصل بيني وبين القوات الإسرائيلية تزيد عن مائتي متر، وعندما وصلوا إلي قاموا بتفتيشي ، ثم جاء ممرض وراح يسعفني مستعملا مشدا قويا ، فصرخ به زميله قائلا : ماذا تفعل؟ هذا المشد يمكن أن ينقذ حياة واحد منا !فرد عليه الممرض بأنه يفعل المناسب اتجاه أسير جريح .

دار هذا الحوار وأنا أتظاهر بعدم فهمه وأتجنب النظر إليهم خوفا من أن يعرفني أحدهم .

كان قائد الحملة موجودا في الموقع ، وبعد قليل جاء أحد الجنود وسأل : من هذا ؟! فأجابه قائد الحملة : هذا الذي كنا نشتبك معه قبل قليل ، فقال الجندي : أجهزوا عليه ! لكن قائد الحملة صرخ به : هل جننت ؟! هذا أسير وجريح .

اقترب مني ذلك الذي طالب بالإجهاز علي وراح يكلمني بالعربية .. عرفت أنه درزي وأنه العربي الوحيد الموجود معهم ، ورغم ذلك بدا دمويا ، فتساءلت في نفسي: لماذا يتصرف هكذا ؟ هل يريد أن يثبت إخلاصه لليهود ؟ هو يعرف أنهم لا يعتبرونه منهم رغم أنه يعمل في جيشهم ! هل نسي أنه عربي ! كيف ؟!

اتضح لي بعد أن أسعفوني وتجمعوا حولي أنني أول جريح يقع بين أيديهم.اقترب مني اثنان ، أحدهما ذو ملامح أوروبية ، والثاني شرقي الملامح .كان الثاني يتكلم بالعبرية ، أما الأوروبي فلم يتفوه بكلمة ، وعرفت لاحقا أنه من كيبوتس(هاعوجن) كما عرفت أنه ذهب إلى صديق لي في قرية باقة الغربية ، وطلب منه أن يصحبه إلى قريتي عارة حيث طلب من بعض الأولاد أن يخبروا أهل حمزة بأنه جريح في غزة ، ولما بلغ الخبر والدي ، قال ما دام المبلغ من الجيش الإسرائيلي، فهذا يعني أن حمزة مختبئ في غزة ةأنهم يريدون استدراجنا إلى هناك للقبض عليه .

بعد أن توقف القتال في مدينة غزة ، نقلوني بسيارة عسكرية إلى المستشفى الإنجليزي ، وكان المستشفة الوحيد الذي يقدم خدماته للمرضى آنذاك ، لأنه تم القبض على الممرضين والممرضات العاملين في مشافي القطاع .

سألوني في المستشفى الإنجليزي عن اسمي وجنسيتي ، فقلت لهم أنني فلسطيني من سكان القاهرة ، وأن اسمي ( عارف محمد سالم ) .قاموا بإجراء عملية سريعة لي ، وكان في الغرفة عدد من العسكريين الجرحى منهم صديقي فاخر النخالي من رعاية الشباب .لم يكن في الغرفة عشرة أسرة ، بينما كان عدد المرضى ثلاثين ، ينام أغلبهم على الأرض، ولاحظت أن متوسط عدد الذين يموتون في المستشفى يوميا : نحو عشرين شخصا .

كان حظر التجول مفروضا على المدينة ، ولا يسمح للأهالي بالخروج إلا خلال ساعات قليلة محددة ، أما زيارة المرضى في المستشفى فكان محددا لها نصف ساعة فقط ( من الثانية عشرة إلى الثانية عشرة ونصف ) .

خلال هذه الفترة القصيرة كان الأهالي يتدفقون على المستشفى لزيارة مرضاهم أو للبحث عن مفقودين لهم ، وهكذا كان المستشفى يشهد حالة ازدحام في فترة الزيارة .

زارني بعض الأصدقاء ،فطلبت منهم عدم زيارتي وعدم إخبار أحد عن مكاني!ومن جملة الذين زاروني زميلي في الملاكمة جلال حمو ، وهو من أهالي غزة ، وكان معه أحمد الفلاح من عرب الداخل من عكا .

كان أحمد الفلاح هرب بزورق من عكا إلى قطاع غزة عام 1966، وأثناء التحقيق معه من طرف المخابرات المصرية ، تعرفت عليه ، وبعد أن أخلت المخابرات المصرية سبيله كان يزورني أحيانا وكنت أعطف عليه. عرفت في وقت لاحق أن هذا الشخص فد سلم نفسه إلى الجيش الإسرائيلي عند دخوله غزة وقبل أن يتعاون معه، وأرشدهم إلى البيوت التي يعرفها سواء كانت لرجال المخابرات أو لرجال المقاومة، أو للفارين إلى غزة من عرب 1948 م.بعد انتهاء الزيارة ، وحتى الساعة الرابعة عصرا ، كان الهدوء يخيم على الغرفة فيما كنت مستلقيا على سرير ، وفجأة رأيت أحمد الفلاح فوق رأسي ومعه أربعة جنود ، وقال لي : ( خلاص يا حمزة سلم نفسك ) ! فنهضت من سريري وبصقت عليه ، فدفعني الضابط على السرير وأسلحة الجنود مصوبة نحوي .تبين لي أنهم ضباط أولهم برتبة عقيد ، والثاني برتبة رائد ، والثالث درزي برتبة نقيب ، أما الرابع فكان برتبة شاويش .

تقدم مني النقيب الدرزي طالبا مني أن أهدأ، وقال : لقد انتهت الحرب وعليك أن تفكر في نفسك ، وراح الضباط يسألونني عن ضباط المخابرات المصرية ، وعن ابن عمي مكرم ، وبالطبع لم أكن أعرف عنهم شيئا .ثم استفسروا عن إصابتي ، وكنت لا أستطيع الوقوف ولا لثانية واحدة.

كان في المستشفى عدد من الممرضات الفلسطينيات قدمن من لبنان للتدرب على التمريض ، وكانت المسؤولة عن القسم سهيلة بهسوس، وقريبتها نهاية بهسوس .

وكنت أعامل معاملة خاصة دون أن أعرف السبب ، ومن مظاهر الرعاية الخاصة أنهن كن يسحبن سريري إلى الشرفة من حين لآخر، بالإضافة إلى بعض الحلويات التي كن يعددنها .

شاهد العقيد إصابتي وتأكد من أنني لا أستطيع المشي ولا حتى الوقوف، وبدا عليه الارتياح والاطمئنان عندما عرف أنه لا يزورني أحد ، وعندما سأل مدير المستشفى عن إمكانية نقلي إلى تل أبيب ، أجابه المدير بأن ذلك ممكن إذا تم نقلي بسيارة إسعاف ، مضيفا أنه لا يضمن بقائي حيا إذا نقلت في هذه الحالة ، وأنه ستجرى لي عملية أخرى في اليوم التالي .وانصرف الطبيب بينما كان العقيد يتحادث مع الرائد باليديشية ( وهي العبرية المطعمة بالألمانية ) ، أما النقيب الدرزي فكان يوجه إلي عدة أسئلة من طراز : من أين أنا؟ وهل لي أقارب في قطاع غزة ؟ لم تكن أسئلته ذات أهمية ، بل كانت تبدو لمجرد الدردشة .

تجمع الأربعة حولي يتشاورون ، وقال العقيد وهو ينظر إليّ: يريد أن نتركه ، لم يتكلم ، فكررها ثلاث مرات ، ثم قال : سنأخذه معنا إلى تل أبيب ، وطلب مني إبداء رأيي فقلت له :عم يبحث المريض؟فقال: عن العلاج !فقلت: إذن سيان عندي أن أبقى هنا أو أن أذهب إلى تل أبيب ما دمت أجد العلاج هنا وهناك .

ضحك العقيد وقال :سنتركك هنا إلى أن تشفى تماما ثم نصحبك إلى البيت، وبعد فترة سنطلبك لنطرح عليك بعض الأسئلة ، أما الآن فسنخبر أهلك بوجودك هنا ليزوروك ، وقبل أن ينصرفوا وضعوا حراسة مشددة علي .

كان هناك حراسة مشددة عند بوابة المستشفى يقوم بها عدد غير قليل من الجنود .

علمت بأن حافظ مصالحة زميلي في الهروب الأول قد دخل الأرض المحتلة حيث ألقي القبض عليه قبل الحرب بأسبوعين وأدخل في سجن الرملة ، وبعد احتلال القطاع أحضروه ليدلهم على منازل الفدائيين وضباط المخابرات المصرية ، وعلى بيتي وبيت ابن عمي مكرم ، كما علمت وأنا في المستشفى أن المذكور كان يتردد على بيتي ومعه ضباط من المخابرات الإسرائيلية ، بحثا عني وعن مكرم .

وبعد أن عرفوا أنني في المستشفى جاءوا إلي للتأكد من حالتي، وعندما انصرفوا تجمع حولي الممرضون والممرضات وراحوا ينظرون إلي نظرات تفيض بالشفقة ، فصرخت فيهم قالئلا : ل تقلقوا ! أفسم لكم بالله العظيم أنني لن أدخل تل أبيب وقلبي ينبض !لقد أخطأت حين سمحت لهم بأسري حيا!

شعرت بأن نظراتهم تقول لي ، جرب حظك مرة أخرى ، فقلت لهم ، لتعلموا أنني سأهرب ، وكانت هذه أول مرة أعلن فيها نيتي في الهرب .

أحضروا لي حبوبا مهدئة للأعصاب ، وحين هدأت، شعرت بأنني تسرعت ، فقلت لهم ، طبعا من المستحيل أن أفكر في الهرب ؛لأن أهلي سيأتون لزيارتي ولابد أنهم سيوكلون محاميا للدفاع عني .

كان رجال المخابرات الإسرائيلية يترددون علي عدة مرات في اليوم ، ويسألونني إن كنت عرفت شيئا جديدا ، وهل زارني أحد ممن كانوا يسألون عنهم ، وبعد استجوابي كانوا يذهبون إلى مدير المستشفى .وذات مرة طلبت من سهيلة بهسوس أن تتبعهم إلى مكتب المدير لتعرف متى سينقلونني؛لأنني مشتاق إلى أهلي .

وفي 20/06/1967 أجريت لي العملية الثانية ، وعلى الرغم من الجبس الموضوع على طول رجلي ، فقد بدأت أركب الدراجة ذات العجلات الثلاث ، ثم رحت أتنقل في المستشفى ليتعود الجميع على تنقلاتي ويعتبروها عادية.

كنت في الطابق الثاني،وكان مستبعدا أن أحاول الهرب لأن هناك حراسة مشددة على المدخل ، إضافة إلى السور الذي يبلغ ارتفاعه مترا ونصف المتر .

كتبت جريدة اليوم الإسرائيلية في 24/06/1967 ، مقالا مطولا عني تقول فيه : ( ألقي القبض على حمزة يونس الذي هرب من سجن عسقلان قبل ثلاث سنوات ) .

كان حافظ مصالحة قد أعيد إلى سجن الرملة ، حيث كان ابن عمي المدعو (عبد اللطيف عبد القادر يونس) سجينا بتهمة التعمل مع المخابرات السورية .

تأكد أهلي بعد نشر الخبر بأن الجندي الذي أبلغهم الخبر كان صادقا ، وأنني جريح في غزة ، وأنني في حكم المعتقل .

ذات يوم ، في إطار التردد اليومي المألوف لرجال المخابرات علي لطرح الأسئلة ، جاءني النقيب الدرزي وسألني عما إذا كنت عرفت جديدا أو أن أحدا ما قد زارني ، وكان من عادتي أن لا أجيب بسرعة حتى وإن جرى استفزازي .وعندما طرح النقيب سؤاله تضايقت ونظرت إليه بتمعن وقلت له :

حتى أنت تسألني؟!فقال: لماذا؟ ألست أعجبك؟!فأجبته: أنتم تموتون من أجلهم ، ولكن هل تعتقد أن واحدا منهم (أي اليهود) مستعد لأن يجرح من أجلكم؟! قل لي كيف سيكون حالكم حين تنتهي حاجتهم إليكم ؟

لم يجب النقيب فواصلت كلامي :ألا تعرف المثل اليهودي الذي يقول ( لا تصدق الكافر حتى بعد موته بأربعين سنة ) ؟!ألست في نظرهم كافرا؟!

تغير لون النقيب وقال لي :كفى ، كفى !

توقعت أن يخبر المسؤولين عما قلته ، لكنه لم يفعل وعرفت أنه من (دالية الكرمل) ، وصار يزورني وحده مكتفيا بالسؤال عن صحتي !عرفت لا حقا أنه رقي إلى رتبة رائد وترك الخدمة العسكرية ، وعمل في التجارة ، كما علمت أنه رزق ةلدا سماه حمزة!

حين كان رجال المخابرات يأتوت إلي كنت أسألهم عن أهلي وأتظاهر بأني أصدق كل ما يقولونه ، وذات مرة كتبت رسالة وطلبت منهم إرسالها إلى والدي لبطمئن علي ، وكنت أسألهم عما إذا كان العلاج في تل أبيب أفضل منه في هذا المستشفى؟!

كان لدى بعض الممرضات شك في أنني أنوي الهرب، ومنهن رئيسة القسم سهيلة بهسوس التي قالت لي : لو فكرت في الهرب فسنظطر إلى قطع رجلك .قالت ذلك محذرة إياي عدة مرت ، وقدمت لي حاجات الإسعاف الأولي قائلة ، يمكن أن تحتاج إلى هذه الأشياء التي سأعطيك إياها إذا نقلوك إلى تل أبيب .

استمر الحال على هدذا المنوال إلى يوم 26/06/1967 صباحا حيث تم خلع الجبس عن رجلي ، وكنت اتفقت مع بعض الأصدقاء على أن يأنوا مبكرين لزيارتي في هذا اليوم .حضر أربعة أصدقاء هم صالح الغول ، شكري الخالدي ، زياد الشوبكي وكايد الغول .



الهروب من المستشفى

قبل بدء موعد الزيارة بقليل ،ركبت الدراجة ذات الثلاث عجلات كعادتي ، ورحت أتحرك في المستشفى مرتديا ملابس مدنية تحت ملابس المستشفى .وفي حدود الساعة الثانية عشر ظهرا ، فتح الباب للزوار ، وكان أصدقائي المذكورون سابقا أول الداخلين .أخذ أحدهم الدراجة وأبعدها عن الممر ، وهمس لي صالح بأن الحارس الذي يقف على الباب الخاص بالأطباء العاملين في المستشفى ،صديق له ، وأنه أخبره بأن المريض يريد الخروج من هذا الباب لزيارة والدته المقعدة، وسيعود قبل انتهاء موعد الزيارة .

خرجنا من ذلك الباب فعلا ، وبعد أن قطعنا مسافة قصيرة اجتزنا حارتين، ثم وقفنا أمام أحد البيوت، بينما ذهب شكري ليحضر سيارة أجرة، أما نحن فقد طرقنا باب ذلك البيت وطلبنا منهم أن نشرب الماء .

بدونا في وضع عادي جدا ونحن نجلس أمام البيت وبابه مفتوح، وحضر شكري مع السيارة ، فأعدنا إبريق الماء وأغلقنا باب البيت ، وركبنا السيارة إلى مخيم الشاطئ ، وكانت بيوت هذا المخيم ذات طابق واحد ، ومتلاصقة تقريبا .

دخلنا إلى بيت صالح الغول ، حيث قدم لنا أهله بعض الطعام.سمعنا صوتا من البيت المجاور يقول : هناك شخص اسمه حمزة يونس مطلوب لليهود، وقد هرب من المستشفى إلى مخيم الشاطئ .

عندما سمعت ذلك توقفت عن الطعام رغم حاجتي إليه ، وطلبت من الأصدقاء نقلي في أسرع وقت إلى مكان آخر ، فأحضروا سيارة على الفور ونقلوني إلى شمال غزة في منطقة شجرية يوجد فيها العديد من ورشات الفخار ، كما أن فيها حفرا عميقة مظلمة ، وفيها أماكن يمكن الاختباء فيها .وهي في الوقت نفسه قريبة من بيت زياد الشوبكي، الأمر الذي يسمح لأصدقائي بأن يأتوا إلي في الليل، وكانوا في بعض الحالات يحضرون معهم طبيبا ليقوم بمعالجتي .

مكثت هناك بضعة أيام ثم انتقلت إلى إحدى بيارات البرتقال ، لأنني لم أكن واثقا من إمكانية مراقبة المنطقة من ذلك المكان خوفا من التوقعات والمفاجآت، آثرت الذهاب إلى وسط البيارة حيث حفرت حفرة في ظل شجرة برتقال كبيرة ، وكنت عندما أنام في الحفرة أضع على رأسي حزمة من العشب تسمح لي بالرؤية والتنفس .

وفي الليل كنت أتدرب على المشي ، واستمريت على هذا الحال لمدة تقارب شهرا. وتمكنت خلال هذه الفترة من السير لمسافة عشرة أمتار.في هذه الآونة سمح للمواطنين الإسرائيليين بدخول غزة. وذات يوم رأيت صالح الغول ، وشكري الخالدي قادمين إلي في وضح النهار، عندما اقتربوا من الشجرة التي كنت أستلقي تحتها قال شكري :إن والدك وابن عمك عندنا في البيت ، وقذف لي بطاقتيهما ، وحين رأيت صورتيهما اغرورقت عيناي بالدموع، وصمت قليلا ثم قلت: أحضروهما في المساء إلى بيت زياد الشوبكي .

وفي المساء ذهبت إلى بيت زياد قبل أن يحضروا إليه ، واغتسلت وحلقت ذقني واستعددت لاستقبالهما .

عندما دخلا تعانقنا وجلسنا بعض الوقت أخبرني والدي برؤية الجندي اليهودي ، وحافظ مصالحة ، وأن أهلي منذ ذلك الوقت حاولوا دخول غزة لكن الجيش كان يمنعهم ، وواصل والدي كلامه قائلا:لقد حضر معنا عدد من أقاربك وأبناء البلد ، وانقسموا إلى ثلاث أفواج للبحث عنك بعد أن ذهبوا للمستشفى الانجليزي وعرفوا من بعض العاملين فيه أنك هربت ، وأنك ملاحق من طرف المخابرات الإسرائيلية .ذهب بعضهم إلى المشافي الأخرى ، وبعضهم الآخر ذهب إلى أصدقائك الرياضيين عسى أن يعرفوا منهم أين حمزة ، أما الفوج الثالث فقد ذهب يبحث عنك في البيارات.

أضاف والدي قائلا: اتفقنا على أن نلتقي في السابعة مساء لنعود إلى القرية ثم نستأنف البحث عنك في اليوم التالي .

ولما أتم والدي كلامه ، خشيت من أن ينتشر خبر وجودي هنا ، فقلت له :

أنوي أن أذهب غدا إلى مصر عن طريق البحر ، وطلبت منه أن يذهب إليهم في الموعد المتفق عليه دون أن يخبرهم بأنه رآني ، وأن يطلب منهم عدم الحضور مرة أخرى ، وقلت إنني سأرسل لهم رسالة فور وصولي مصر.

ثم تعانقنا وودعاني وانصرفا ، وكان والدي يعتقد أنني سأذهب فعلا إلى مصر غدا .

وبعد يومين خضر شكري الخالدي وأخبرني بأن والدي ووالدتي واثنين من أقاربي عنده في البيت ، وأنه أخبرهم بأنني مازلت هنا .

ذهبت في المساء إلى بيت زياد فوجدتهما في انتظاري ، وبعد العناق راحوا يستفسرون عن أحوالي وعن كيفية سفري بالبحر .كانت هذه الرحلة من نسج خيالي ، ولم يبد والدي مقتنعا بها ، فاقترحوا أن أذهب معهم إلى قريتنا مستعملا هوية أحد الأشخاص الذين يشبهونني فيما يبقى صاحب البطاقة في القطاع إلى أن تعاد له البطاقة .

وبعد مناقشة تفاصيل هذه الفكرة اقتنعت بها ، وتحمست لها لأنها تجعلني قريبا من الضفة الغربية حيث يمكنني الانتقال منها إلى الضفة الشرقية ، وهذا ما جدث فعلا .

وحين وصلت إلى المسقاة وجدت جميع أقاربي في انتظاري وكأننا على موعد ، وفور وصولي قام الأهالي بمنع الأولاد من مغادرة الحي خوفا من انتشار خبر وجودي في القرية .

مكثت في القرية حتى الفجر ثم امتطيت حمارا إلى الضفة الغربية ، ومن ثم ركبت سيارة أوصلتني إلى الجسر ، وعندما وصلت إلى نقطة المراقبة الإسرائيلية ، كانت تجري عمليات نشطة لإصلاح الجسر ، وفي الطرف المقابل كان الجيش الأردني يمنع سيارات الأجرة من الوصول إلى شرق النهر ، منعا لخروج أهالي الضفة الغربية منها .

حاولت أن أغير شكلي قدر الإمكان حتى لا يتعرف علي جنود النقطة الإسرائيلية التي أخبرني أفرادها بأنه لا يوجد سيارات من الطرف الآخر ، فقلت لهم : أنا طالب في جامعة القاهرة ولا أستطيع البقاء لأن هذه الفترة فترة امتحانات ، فطلبوا مني أن أوقع على وثيقة تنص على تنازلي عن كافة ممتلكاتي في الضفة الغربية ، فوقعتها باسم عارف محمد سالم ، ثم ركبت السيارة وطلبت من السائق أن يوصلني إلى أقرب نقطة من الجسر حتى لا يكتشفوا أنني مصاب وعاجز عن السير.وكان هناك أخشاب تستعمل في إصلاح الجسر ، ساعدتني على إخفاء إصابتي لأنني كنت لأتكئ عليها متظاهرا بالسير الطبيعي .

عندما وصلت إلى الجسر استأجرت من أحدهم حصانا أوصلني إلى منطقة المثلث المصري داخل الحدود الأردنية ، ومنها ركبت سيارة إلى عمان .

في عمان التقيت بعض أقاربي وذهبت إلى مستشفى الأشرفية ، وبعد أسبوع سافرت إلى مصر ، وهناك عولجت بادئ الأمر في مستشفى العجوزة ، ثم في مستشفى الحلمية العسكري .وحين تم شفائي عملت في تدريب بعض دورات حركة فتح التي صار لها وجود رسمي في مصر كما عملت مذيعا في إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية .وكما ذكرت في مكان سابق ، التحقت بثانوية السعديات وحصلت على الثانوية العامة.

وفي القاهرة قابلني بعض رجال المخابرات المصرية لتقديم راتبي إلي ، لكنني رفضت استلامه ؛ لأنني كنت قررت عدم العمل مع الجيوش النظامية رغم أن رائدا في المخابرات المصرية هو الآن لواء متقاعد ، وهو السيد إبراهيم الدخاخني ، كان يحبني كثيرا ، فحاول إقناعي بقبول الراتب إلى حين شفائي تماما .

وكما ذكرت سابقا ، كنت تعرفت على بعض الشباب من حركة فتح، ثم التقيتهم في مصر ، وكانوا يقارعون قوات الاحتلال ، وأصبحت مشدودا أكثر إلى فتح بعد معركة الكرامة ؛لأنني ساهمت في تدريب بعض المشاركين فيها .





* * *

الفصل الخامس

في حركة فتح

تحايلت على المخابرات المصرية إلى أن سافرت إلى عمان ، وفور وصولي اتصلت بالسفارة المصرية ، وكان الرائد المذكور وهو هنا المقدم إبراهيم الدخاخني يعمل في السفارة كملحق عسكري وضابط اتصال بين الحكومة المصرية وحركة فتح .أخبرته بأنني أرغب في الانضمام إلى فتح لأنها ليست تنظيما حزبيا ، وكنت غير راض عن الأحزاب السياسية من مختلف الاتجاهات .

وبعد انضمامي إلى فتح لمست أن فيها نوعين من المناضلين : نوع يريد أن يعطي ونوع يريد أن يأخذ ، وعلى الرغم من كل السلبيات فإن المقاومة الفلسطينية كانت الظاهرة الصحية الوحيدة التي ظهرت في منطقة بعد هزيمة حزيران عام 1967 م.

وكان من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تتعايش الأنظمة مع الثورة ، لأن لكل منها رؤية وأسلوبا في العمل يختلف عن الآخر وقد يتناقض أحيانا .

لم تستطع فتح وسائر فصائل المقاومة أن تستوعب المد الجماهيري الواسع الذي ظهر بعد حزيران وتزايد بعد معركة الكرامة .

بقيت في الأردن إلى أن خرج منها الفدائيون ، وعملت في إذاعة فتح في (درعا) لمدة شهرين ، ثم انتفلت إلى جنوب لبنان للعمل العسكري.

كلفت بتوصيل السلاح إلى الأرض المحتلة ، وكانت المجموعة التي أشرف عليها بهذا الغرض مكونة من أربعة أفراد وهم حسب أسمائهم الحركية : أبو شريف ، مجاهد ، الشيخ رزق وباسل .

كان علينا أن نبيت قرب الحدود لنقطعةأطول مسافة في الليلة الأولى ، وكنا نحمل أكثر من ثلاثين كيلوغراما من الأسلحة الشخصية، ومؤونة الأسبوع فضلا على كمية الأسلحة والمتفجرات المراد تسليمها لتنظيم الداخل .

لم يكن عبور الحدود صعبا ، حيث كان الحاجز مجرد سلكين شائكين وطريق ترابي لكشف الأثر ، وشارع معبد .كان هناك بعض الألغام ،لكننا كنا نعرف أماكنها ، كما كنا مؤهلين للتعامل معها إذا اضطررنا لذلك .عبرنا الحدود بأقصى سرعة لكي لا يكتشفوا دخولنا ، واجتزنا الطريق الترابي بواسطة سلالم لكي لا نترك أثرا ، إضافة إلى رش ببعض المواد كالفلفل وبعض الروائح لتضليل الكلاب المدربة .

ولمزيد من تجنب ترك الأثر كنا نسير أطول مسافة ممكنة على الطريق المعبدة واستطعنا الوصول قريبا من الهدف المحدد (النقطة الميتة) فياليوم التالي، وهناك مكثنا طول النهار نراقب المنطقة .

وعند الغروب ذهبت ومجاهد إلى النقطة المذكورة ، وبعد حلول الظلام سمعنا حركة ، وتركنا الشخص يتقدم أكثر إلى أن وصل إلى المكان المحدد ، ثم حملت سلاحي واتجهت نحوه ، وحين دنوت منه طرحت السلام ، ثم قلت : (الديك) ، فرد علي ذلك الشخص قائلا :(في المصيدة) .

كانت هذه هي كلمة السر بيننا ، وقمنا بتسليمه الأمانة فيما كنت أسأله عن الأحوال في الداخل ، وكان الظلام دامسا والسكون مخيما على المكان ، وفجأة صرخ وقال لي:( يعيش البز (الثدي) الذي أرضعك يا حمزة يونس؟)!

كنت التقيت هذا الشخص في تل أبيب حيث كان يعمل في معمل (كازوز) مع بعض أصدقائه ومعهم عمي غالب .

وذات مرة حاول أحد اليهود استفزازنا ، وعندما سألت عن سبب تصرفه اتجاهنا ، قيل لي أنه بكره العرب ويتعمد استفزازهم .وقد حاول فعلا أن يمس كرامتي ، ولحسن الحظ كان المعمل يحتاج إلى عمال ، فطلبت العمل فيه، وتمت الموافقة على طلبي .وفي اليوم الأول لوجودي في المعمل ، اشتبكت معه بالأيدي ، فتجمع حولنا العمال وفصلوا بيننا .

كان في المعمل بعض الفتيات ومنهن صديقتة ذلك اليهودي ، فحاول استعراض عضلاته أمامها بعد أن تم الفصل بيننا ، فهاجمني فصددت هجومه بضربة أسقطته على الأرض .

روى الشاب العربي ما حدث لأهالي قريته فقالوا ( يعيش البز الذي أرضعه)، فصارت هذه العبارة هي التحية المأثورة التي يقابلني بها حيثما رآني .

بعد تسليم الأمانة ودعناه وعدنا مسرورين خصوصا وأن حمولتنا صارت خفيفة .كنا أثناء العودة أقل حذرا ، وعند وصولنا إلى منطقة حرجيه قرب الحدود اللبنانية ، رأينا جسما غريبا ظنناه أول الأمر دبابة ، وتبين لنا فيما بعد أنه جرار للحراثة ، وشاهدنا كذلك شخصا يجري في اتجاه الوادي ، جزمنا بأنه يهودي ، وأنه سيخبر عنا، فأسرعنا نحو الأحراش ، وبعد فترة انطلقت قذائف إنارة من بعض الكمائن الإسرائيلية .

ومع شروق الشمس بدأ تمشيط المنطقة بقصف مدفعي مكثف ، يستهدف الأحراش التي كنا فيها .

وقد شاهدنا بعض الكمائن المتقدمة في أطراف الغابة ، واخترنا أن نجلس في الزاوية الجنوبية الغربية من الغابة لبعدها عن الحدود اللبنانية .شبت بعض الحرائق في الغابة نتيجة القصف ، وحين اشتد القصف اقتربنا من أحد الكمائن حيث كنا نسمع جهاز اللاسلكي ونسمع حديثهم مع بعض .بل كان يمكننا رؤية ما يأكلونه ، وكان من جملة ما عندهم شاي سخن، وفكر الشيخ رزق في أن يتسلل ليسرق إبريق الشاي حيث قال ساخرا :ليس من العدل أن يأكلوا ويشربوا شايا ساخنا ونحن بلا طعام ، فرد عليه أبو شريف:يمكنك أن تشرب شايا ساخنا بعد ساعتين من غروب الشمس .

قبل الظهر أخذوا يدخلون الغابة ويمشطونها ، عرفنا هذا من الجهاز القريب منا ، كما أننا صرنا نسمع بعض الطلقات من الأسلحة الخفيفة ، الأمر الذي يدل على دخول المشاة إلى الغابة ، وهذه هي عادة الجيش الإسرائيلي عندما يمهد للتقدم إلى موقع ما .

ذهب أبو شريف ، ومجاهد في اتجاه المشاة الذين دخلوا الغابة ، وكمنا حتى اقترب الجنود منهما ، وعندئذ أمطراهم بالقنابل والعيارات النارية ثم انسحبوا .

في الوقت نفسه انسحب الجنود من الغابة، وعند خروجهم منها ، استأنفت المدفعية قصف الموقع من جديد! لكننا كنا نجلس في هدوء واسترخاء تامين قرب الكمين اليهودي ، لأنهم لا يقصفون هذا المكان، كما أنهم يستبعدون وجودنا هناك .

تركز القصف على وسط الغابة ، وعلى طول الحدود اللبنانية ، واستمر إلى ما قبل الغروب.قمنا بإحراق الغابة لتغطية انسحابنا إلى الحدود ، وكان الدخان كثيفا جدا ، مما ساعدنا على الوصول بسرعة شديدة إلى الحدود .

تميزت عملياتي بالغرابة والبساطة وقلة التكاليف .كانت نظريتي في العمل تقوم على مغزى حكاية العصفورة والفيل في كليلة ودمنة ، فما دامت العصفورة أضعف وأصغر حجما من الفيل ، فعليها أن تقاومه بوسائلها الخاصة التي قد لا تخطر في باله .

إن عنصر الطرافة والبساطة كان طابعا مميزا لعملي وما قمت به من عمليات أشير إلى بعضها ، فقد طلب مني ذات يوم من عام 1971 م ، أن أوصل كمية من السلاح إلى شاطئ نهاريا، وكان الطلب يمثل تحديا ، لأن الذي طلبه وهو أبو صلاح مسؤول الساحة اللبنانية ، كان يعتبر ذلك شبه مستحيل نظرا لكثافة الدوريات والحواجز ، لكنني قبلت التحدي واستعملت حسكة بلا شراع ، كالتي يستعملها المصطافون.ركبت فيها مع زميلي أبو شريف ، وحين كنا نمر عبر كشاف المراقبة ، ننزل في الماء ونسحب الحسكة إلى أن نجتاز المنطقة التي يشملها الكشاف سباحة .تمكنا فعلا من وضع ( الأمانة) في المكان المحدد ، وعدنا بالطريقة ذاتها .

وصلنا البر اللبناني مع الفجر وقضينا النهار مختبئين في الأحراش، تجنبا لكشفنا من طرف الحراسة اللبنانية ، وعند الغروب واصلنا السير فرآنا بعض الأهالي ونحن في لباس الضفادع البشرية فحسبونا من العدو وأبلغوا النقطة اللبنانية المجاورة .

ألقى اللبنانيون القبض علينا ونقلونا إلى نقطة للجيش في صور ، ومنها إلى نقطة الأمير بشير في بيروت ، حيث قضينا في الحجز أسبوعين دون أن يسأل عنا ذلك المسؤول الذي قمنا بالعملية تلبية لطلبه .



* * *

في 05/10/1971 ، دخلت دورية من الضفادع البشرية وهم : وليد حطيني ، غضنفر ، زياد ، وائل وحمزة ، وكان هدف دخولنا خطف بعض الجنود اليهود لمبادلتهم بالأسرى .

عند اقترابنا من شاطئ نهاريا فوجئنا بزورقين عسكريين إسرائيليين يفتحان النار علينا ، فأصيب محرك زورقنا الصغير .كان الموقف لصالحهم فقد كشفونا ونحن على بعد أمتار منهم ، وفور بدء الاشتباك قفز غضنفر إلى الماء ، وتمكن من السباحة لمسافة ثلاثين كيلومترا ، أما نحن فوقعنا في الأسر .

عندما علم المسؤولون في الثورة من خلال التصنت على أجهزة الاتصال الإسرائيلية ، أن أحد أفراد الدورية قد هرب ، جزموا بأن ذلك هو حمزة يونس، فأرسلوا دوريات إلى الأماكن التي كنت أتردد عليها قرب الحدود اللبنانية .

كانت المعركة غير متكاقئة ، أدركت بأننا واقعون في الأسر لا محالة ، لأننا كنا في زورق مطاطي صغير ، محركه معطل .

كنت أسمعهم يقولون عن غضنفر : مات ، مات ، معتقدين أن بدلته التي خلعها والتي أمطروها بوابل من الرصاص هي نفسه ، ثم عرفوا بعد ذلك أن الذي مات هو بدلة غضنفر وليس الغضنفر .

كانوا يسلطون الأضواء علينا فيروننا في حين أننا لم نكن نراهم .طلبت من أفراد الجماعة أن لا ينظروا إلى الأضواء عندما يتكلمون ، وأن يكونوا مستعدين للاشتباك إذا سنحت الفرصة ، فقال قاذف الآر بي جي وائل : أنا جاهز ، فقلت لزياد سائق الزورق : جهز نفسك ، فقال : لقد أصيب المحرك وتعطل .

تأكدت عندئذ أنه لا جدوى من الاشتباك ، وأننا سنقع في الأسر .تذكرت ما يمكن أن يترتب على أسري من مصائب تطال الكثيرين ، خصوصا أولئك الذين ساعدوني في الهروب الثاني ، بالإضافة إلى ما سيلحق أهلي وأصدقائي من ضرر ، وهل يعقل أن أرد جميلهم بالإساءة إليهم ؟!

قررت أن أقفز في الماء أمامهم ليطلقوا النار فأموت دون أن يمس غيري بأذى .

لكنني عدت وقلت لنفسي : ليس المهم أن يموت الفدائي لكن عليه أن يعرف كيف يموت ،وعز علي أن أموت دون ثمن وهم ينظرون إلينا، ودون وعي مني وجدتني أبصق في الماء قاصدا بالبصقة من علمني هذه العبارة التي حالت دون تحقيق هدفي، وسلمت نفسي دون أن أقوم بأية حركة ، حتى لا أعرض رفاقي للموت ، فإن كنت راغبا في الموت فما ذنب رفاقي ؟! طلبت من زملائي أن يتباطؤوا أطول وقت ممكن في تسليم أنفسهم ، حتى يتمكن غضنفر من الابتعاد تماما عن المكان ، بحيث لا يستطيعون مطاردته .

سقط زياد أو تظاهر بالسقوط في الماء ثلاث مرات قبل أن يصعد إلى زورق العدو، وهذا فقط ما يمكننا أن نفعله ونحن في ذلك الظرف.

بعد صعودنا إلى زورقهم سار متجها إلى حيفا ، وفكرت في أن أعترف على مرحلتين ؛المرحلة الأولى في البداية ، وبعد التعذيب الشديد ، سوف أعترف بمعلومات يعرفونها ، ثم أتوقف دون إضافة شيء مهما فعلوا بي .وفي مقدمة ما عاهدت نفسي ووطنت عزمي عليه هو أن لا أقدم أية معلومة تجر أحدا إلى السجن ، وما دمت غرقان فلماذا أغرق غيري؟وصلنا إلى حيفا حيث أجري تحقيق سريع معنا ، ثم أخذونا بسيارة سارت بنا نحو ساعة ونصف ، وعرفنا فيما بعد أننا وصلنا إلى السجن العسكري في صرفند حيث استقبلونا بالكلاب ، وقد سمعتهم يقولون : ( قدموا لهم وجبة الاستقبال ) .



* * *



الفصل السادس

التحقيق في صرفند

كنا مقيدين ومعصوبي العيون ، أما وجبة الاستقبال فقد قدمتها لنا كلاب مدربة ، تقفز على ظهورنا وتضربنا ، ثم تنبح بصوت مرعب وشديد كالهدير في آذاننا تماما .

عرفت أن زملائي يتناولون معي نفس الوجبة ؛لأن صراخهم كان يصلني على الرغم من دوي أصوات الكلاب ، ثم فرقونا وأخذ كل واحد منا إلى زنزانة انفرادية .

وكنت قد اتفقت معهم قبل أسرنا على أن نروي ما حدث معنا خلال الأسبوعين الأخيرين فقط ، ثم يروي كل واحد ما يراه مناسبا .

جعلونا نخلع كل ملابسنا حتى الداخلية وقدموا لنا ملابس عسكرية قديمة دون ملابس داخلية وبعد وضعي في زنزانة انفرادية هي عبارة عن حجرة صغيرة لا نوافذ لها ، ولها باب حديدي فيه ينظر الحراس من خلالها بقصد مراقبتنا دون أن نحس بهم .كانت الزنزانة مضاءة إضاءة قوية طوال الوقت ، وكانت جدرانها مرشوشة بطلاء خشن له نتوءات حادة تؤلم الظهر إذا اتكأ عليها ، وتجرح الأيدي إذا لامستها .

بعد قليل ، جاء شرطي وأخذني إلى غرفة التحقيق .كان هناك أربعة محققين ، أحدهم يدعى (بوءز) برتبة مقدم ، والثاني (رافي رمام) برتبة رائد ، والثالث ( رافي نوفتش) برتبة رائد أيضا ، والرابع يدعى ( أبو داود) برتبة رائد كذلك .

أجلسوني أمامهم ، وانهالوا علي بالأسئلة ، وكانوا يطرحون السؤال الثاني قبل أن أفرغ من الإجابة على السؤال الأول ، ويتكرر السؤال الواحد نحو خمسين مرة ! تركزت أسئلتهم على الهروب الثاني ، والخلايا السرية .

وفيما يتعلق بالخلايا ، قلت لهم : لا أعرف أي خلية في الداخل ، وليس لي أدنى علاقة ، ولو كان لي لأعلنوا في إذاعة الثورة نبأ اعتقالي ليقوم أعضاء الخلايا التابعة لي بالنتشار ، وهذا هو التقليد المتبع في الثورة لدى اعتقال أي مسؤول.

والحقيقة أنني كنت متأكدا من ثقة المسؤولين بي وبحسن تصرفي ، وأنهم لذلك لم يعلنوا نبأ اعتقالي كالمعتاد ، وقام أبو جهاد المسؤول المباشر عني بتنبيه الإعلاميين إلى ضرورة عدم ذكر أي شيء عن اعتقالي وأن يكتفوا بما تعلنه الصحافة الإسرائيلية .وقلت للمحققين لإقناعهم بصدقي حول عدم معرفتي بأية خلية :أنتم بالتأكيد تسمعون إذاعة الثورة ، ولو كان لي أي علاقة مع الداخل لأعلنوا نبأ اعتقالي وطلبوا منهم الانتشار .

وعلى الرغم من أنهم كانوا يتظاهرون بعدم تصديقي ، فيبدو أنهم كانوا في قرارة أنفسهم مقتنعين بما قلته .

واستمر التحقيق معي لعدة شهور،كانوا يحققون معي كل يوم ولمدة ساعات طويلة ، وكان المحققون يتغيرون أحيانا فيتولى المهمة أشخاص غير السابقين ، لكن يبدو أن استمرار التحقيق بهذا الشكل المتواصل والمكثف كان الهدف الأساسي منه عدم إعطائي فرصة للنوم .ولم أكن أعرف إن كان الوقت ليلا أو نهارا،فالزنزانة كما ذكرت مضاءة باستمرار ، وكذلك الأمر في غرفة التحقيق ، وبين الزنزانة وغرفة التحقيق كانوا يأخذونني بعد وضع رأسي في كيس صغير له فتحات من الأعلى ، بحيث أتنفس ولا أرى شيئا ، وينزع الكيس عندما أدخل غرفة التحقيق ويتم إغلاق الباب .

أما الموضوع الثاني الذي أرهقوني به ، فهو كما ذكرت ، يتعلق بهروبي من المستشفى في غزة حيث كانوا جازمين بأنني ذهبت إلى قريتي عارة ويبدو أن لديهم بعض المعلومات عن ذلك .

ومن الطبيعي أن أكون قد التقيت أهلي إذا ذهبت إلى عارة ، فكانوا يركزون على ذلك كدليل على دقة معلوماتهم ، لكنني اكتشفت أن ذلك مجرد تصور واستنتاج ، لأنهم ذكروا لي أشخاصا وأنواعا من السيارات لم أشاهدهم ، ولا تعاملت مع تلك السيارات المزعومة ، لهذا تأكدت من عدم وجود معلومات حقيقية وأنهم يحاولون إيهامي بناء على تصوراتهم واجتهاداتهم .

أما ما رويته لهم ردا على هذا الموضوع ، فيتلخص في أنني حصلت على بطاقة مزورة ، وركبت سيارة إلى الضفة الغربية ومنها ذهبت إلى عمان ، بمساعدة زياد الغول وابن عمه كايد .واخترت هذين الاسمين لأن الأول استشهد عام 1970 م ، بينما كان الثاني في بيروت .

كان اعتقالي في 05/10/1971 ، وكان شاب يدعى (أبو روحي) اعتقل في شهر نيسان (أبريل) من نفس العام ، واعترف بأنني سلمته مبلغا من المال وكمية من السلاح ، وأعطيته كلمة السر لتسليم السلاح إلى مجموعة في الداخل.

علقت على ذلك بأم ما قاله ذلك المعتقل صحيح ولكن فعلت ذلك بناء على أوامر تلقيتها من (أبو جهاد)، واقتنع المحققون بأنني لا أعرف شيئا عن الخلية التي تسلمت الأسلحة .

أرهقني التحقيق كثيرا ، لكن أكثر ما أزعجني ، بل أفزعني هو ما قالوه بشأن اعتقال والدي ووالدتي وبعض الأصدقاء ممن ساعدوني في الهروب الثاني .قالوا لي : إنهم لم يعترفوا حتى الآن ، ولكننا نعرف كيف نجبرهم على الاعتراف .

ولدى عودتي إلى الزنزانة بعد هذه الجلسة ، سمعت صرخات شباب ورجال وأطفال ، وحاولت أن أتعرف على تلك الأصوات معتقدا أن تلك الصرخات صادرة عن أهلي وأصدقائي ، الأمر الذي جعلني لا أستطيع النوم ولا للحظة واحدة .

كنت قد عودت نفسي على مراجعة كل ما قلته خلال التحقيق ، عندما أعود إلى الزنزانة ، وأكرر لنفسي ما قلته حتى يترسخ في ذهني على أنه حقيقة ، حرصا على عدم وقوعي في روايات متناقضة.

لا أعرف كم مضى من الوقت حين استدعوني بعد سماع تلك الأصوات ، كما لم أعرف ما إذا كان الوقت ليلا أو نهارا ، وبتأثير صرخات الاسترحام والاستغاثة التي سمعتها ، لم أستطع التركيز في تفكيري استعدادا للجولة القادمة.

وفيما كان العسكري يقودني إلى غرفة التحقيق سمعت من المذياع خبرا عالميا عاديا ، ثم سمعت المذيع يقول : ( لقد ألقي القبض على عدد من الأشخاص المتهمين بمساعدة حمزة يونس على الهرب عام 1967 ، وهم من عارة ، عرعرة وغزة ) .

عندما سمعت ذلك تباطأت في السير، وتركني العسكري أتريث حتى انتهى الخبر ، وبدأ خبر آخر ، فاستأنفت المشي بصورة عادية إلى أن دخلت غرفة المحققين .

وهذه المرة لم أجد أمامي سوى محقق واحد .بدأ التحقيق بشكل عادي ودار حول الأسئلة السابقة المتكررة ، وفجأة تبسم المحقق وقال :

أريد أن أسمع منك قصة خروجك من غزة .فقلت اه : لقد رويت هذه القصة أكثر من مرة .ضحك المحقق وقال :أنت بطل ، لا تعترف، ولا نريد منك أن تعترف! لأننا سوف نروي لك ما حدث بالتفصيل .

تناول الهاتف ، وسأل من يهاتفه : هل انتهيت من التحقيق مع المتهمين بمساعدة حمزة يونس ؟ وسمعت الطرف الثاني يقول : ( كلهم اعترفوا بالتهمة المنسوبة إليهم ، ولكن هناك ثلاثة أشخاص لم أكتب أقوالهم بعد) رد المحقق قائلا : ( عندما تنتهي منهم أرسلهم إلي، لأن عندي شخصا عزيزا عليهم ، وهم بالتأكيد مشتاقون لرؤيته) !قال ذلك ووضع السماعة ، وقال لي وهو يبتسم :أنت مجنون ، وعدم اعترافك سبب لهم المتاعب ، ولنا أيضا! ولو اعترفت لأرحت واسترحت !أجبته بصوت حزين وخافت :لقد قلت الحقيقة ، وهم أحرار فيما يقولونه !

لم يستمر التركيز على هذا الموضوع ، بل راح المحقق يتحدث عن مواضيع أخرى، ويذكرني بين حين وآخر بما سببته لأهلي من متاعب ، وأنه يستطيع مساعدتي وتخفيف المعاناة عليهم إذا اعترفت بالحقيقة قبل أن يحضروا لمواجهتي !

كنت اعتقدت بأن المحقق صادق فيما يقول ، وأن أهلي معتقلون لديهم بالفعل، ولكن الوعد الذي قطعته على نفسي هو أن لا أجلب أحدا إلى السجن جعلني أصر على أقوالي .

بعد لف ودوران وتشعب في الحديث ، إعدت إلى الزنزانة دون أن أرى أحدا، وكلما كانوا يفتحون الزنزانة أتوقع أنهم سيأخذونني لمواجهة بعض من ذكروهم لي وزعموا أنهم معتقلون لديهم .واستمر هذا القلق إلى أن أحلت إلى المحكمة ، فتقابلت مع أهلي لأول مرة ، واتضح لي أنهم لم يعتقلوا ولم يسألهم أحد ، ولكنهم خلال هذه الفترة لاحظوا ازدياد عدد الغرباء المترددين على قريتنا ، ومنهم من كان يتعمد أن يلتقي مع والدي في الجامع ، ويحدثه عني في إعجاب ، قائلا بأنني رفعت رأس العرب كلهم وأنهم فخورون بي .كان والدي يتجاوب معهم لأنه يعرف أنهم جواسيس وأنهم جاءوا لمعرفة أخباري .

كنت خلال وجودي في القاهرة ، أرسلت رسالة إلى والدي أخبرته فيها بأنني أصبت إصابة بسيطة وأنني ولله الحمد بخير .أرسلت تلك الرسالة لأنني أعرف أن أية رسالة أرسلها إلى أهلي سيقومون بتصويرها قبل تسليمها إلى أهلي ، ويأتون في اليوم التالي لاستلام الرسالة منهم.

إذن تعمدت إرسال تلك الرسالة لنفي أية معلومات أو تصورات عن لقائي بوالدي ومعرفته بإصابتي ، وقد ساعدني ذلك في التحقيق ، وجعل المحققين يشكون في المعلومات التي وصلتهم عني .

ذات مرة أخذوني كالعادة من الزنزانة إلى غرفة التحقيق ، ةكان فيها أربعة محققين ، وحين جلست طلبوا قهوة للجميع بمن فيهم أنا ، وقدموا لي سيجارة وأشعلوها ، بعد ذلك سألوني عن الخلايا السرية ، فأعدت ما قلته سابقا فلم يعجبهم ذلك وقام أحدهم بنزع السيجارة مني وإطفائها في فنجان القهوة الذي قدموه لي !

نظرت إليه وقلت في صوت هادئ :شكرا ، فالسجائر تضر الصحة ، وأعدكم بأنني لن أدخن بعد الآن !

راحوا ينظرون إلى بعض ، وبالفعل فقد توقفت عن التدخين بعد ذلك رغم أنهم كانوا يقدمون لي أربع سجائر مع وجبة الإفطار .كنت أتركها ، واستمر ذلك لمدة شهر تقريبا .

وذات يوم ، وبينما كنت أمام المحققين ، وكان الموضوع مرة أخرى عن الخلايا السرية في الداخل ، وفجأة تقدم مني أحدهم وصفعني على رقبتي !

نظرت إليهم وقلت :تأكدوا من أنني أعرف عدة خلايا ، ةأكثر مما تتصورون ولكن عليكم أن تعرفوا أن الذي يمشي بالضرب هو الحمار ! وأنا مستعد لأن تستأنفوا تعذيبي من جديد ، ولن أذكر شيئا لأنني لست حمارا .

وخلال دقيقة خرج المحققون الأربعة ، ودخل مدير السجن وهو برتبة عميد ونائبه الذي يحمل نفس الرتبة .طرحوا تحيتهم العبرية المعروفة (شلوم) ، وطلبا مني أن أجلس على الأريكة قريبا منهم .قال مدير السجن :لقد اطلعت على التحقيق وأنا معجب بك ؛ولم تكن في يوم ما عنصرا عاديا ، سواء كنت مع المصريين أو مع فتح ، وما حصلت عليه من ترقيات وصلاحيات يعود إلى جهودك الشخصية رغم تنقلك في أماكن مختلفة ، أريد أن أتحدث معك ، وأرجو أن يكون الحديث بيننا صريحا ، ولك الحق في عدم الإجابة على أي سؤال لا يعجبك !

قال هذا ثم أخرج علبة سجائر وقدم لي سيجارة ، فامتنعت عن أخذها قائلا :شكرا ، لا أدخن !أعرف هذا ، وأعرف كيف حصل لكني لست محققا لأفعل مثلما فعلوا!أخذت السيجارة ورحت أدخن .كنت جالسا أمامه والحديد في قدميّ ،ولم يفكوه منذ الساعة الأولى لدخولي هذا السجن .

بدأ الحديث في السياسة ، وكان الموضوع يتعلق بالوحدة المقترحة بين سوريا، مصر وليبيا .سألني عما إذا كنت أعتقد بأن هذه الوحدة ستتحقق أم لا ، فقلت له :لا أعتقد ذلك ، لأننا في العالم العربي ، حيث يفكر ويقرر الرئيس منفردا ، كما أن الرؤساء الثلاثة مختلفون من حيث التقكير وطبيعة الشخصية !نظر إلى زميله وقال :ألم أقل لك من قبل : هذه الوحدة لم ترى النور !

ثم تطرق الحديث إلى المقاومة ، وما إذا كنا نعتقد فعلا بأننا سننتصر ونحرر فلسطين؟! قلت له :لا أعتقد بأننا نستطيع ذلك ، وعلى سبيل المثال فإن السبب المياشر لحرب 1967 م هو وجود المقاومة ، وسوف نعمل على دفع الأنظمة العربية إلى استمرار حالة الحرب !فقال: ولماذا تصرون على القتال وأنتم تعلمون أننا أقوى منكم كثيرا؟!

أجبته قائلا:لو هاجمك في بيتك مائة شخص ، ماذا تفعل ؟فأجابني: سأقاتلهم وأدافع عن بيتي حتى لو كنت أضعف منهم .فقلت : وهذا ما نفعله بالضبط

وتشعب الحديث في مواضيع مختلفة ، وحانت من مدير السجن التفاته إلى قدميّ، فرأى الدم ينزف منهما فقال:أعرف أن هذا الحديد يؤلمك وخصوصا في الليل عندما تنام وتتقلب!وهو كما أعلم في قدميك منذ شهور ، أضاف قائلا :سأطلب منهم فك الحديد ، والتوقف عن تعذيبك .فقلت له: شكرا ، علما بأنني لم أطلب ذلك!فقال: ألا يؤلمك هذا القيد؟!فقلت: بالطبع يؤلمني ، ولكن هذه هي الحرب ، أنا أسير لديكم ونحن أعداء.لو قابلت المحققين وأنا أحمل السلاح ، فماذا كنت سأفعل ؟ بالطبع كنت سأقتلهم، ولو أنكم أقدمتهم على قتلي الآن ، فلن أستغرب !

صمت لحظة وهو يتأملني ثم قال :أهكذا تنظر إلى الأمور ؟ خسارة أنك لست يهوديا !!

قلت لمدير السجن:ألا يكفيك أنني إسرائيلي كما وصفتني أكثر من مرة خلال حديثك ؟ضحك وقال: لست إسرائيليا عاديا ، بل أنت بطل إسرائيلي ( ربما كان يشير بذلك إلى بطولتي في الملاكمة والسباحة ).

أنهى المدير خديثه معي ، فأعادوني إلى الزنزانة،وبعد يومين فكوا القيد عن قدمي ، وخف العذاب ، كما خفف التعذيب وخاصة عملية تجريدي من الملابس أمام حشد من الشباب والشابات ، وكانوا يضعون رأسي في كيس حتى لا أرى، ولكنني كنت أسمع أصوات المتفرجين والمتفرجات وهم يصفون أعضاء جسمي ، ثم يصبون ماء ساخنا ويتركونني في الهواء البارد ، فأظل أرتجف حتى يجف جسمي.

كانت هذه العملية تضايقني نفسيا ، فارتحت لتوقفهم عنها أكثر مما ارتحت لإزالة الحديد عن قدمي .ومنذ ذلك اللقاء ، صاروا يقدمون لي علبة سجائر كاملة كل يوم .

واعترف بأنني أحببت ذلك الرجل لا لأنه خفف عني العذاب ، ورفع القيد ، ولا لأنه أكرمني بعلبة سجائر يوميا ، ولكن لأنني شعرت بأنه ليس وحشا، وليس عدائيا ، باختصار لم يكن ساديا مثل بعضهم .ربما كان سبب ذلك هو أن مدير السجن يهودي فلسطيني أي من مواليد فلسطين قبل قيام الدولة العبرية .



* * *



الفصل السابع

جولة في السجون

بقيت في سجن صرفند مدة ثلاثة أشهر تقريبا ، ثم نقلت إلى قسم الشرطة ، ومنه إلى سجن الجلمة القريب من حيفا ، ثم إلى سجن عكا، ثم إلى سجن (أبو كبير) في تل أبيب ، ثم إلى سجن عسقلان الذي هربت منه سابقا .

كانوا ينقلونني بواسطة سيارات الشرطة المحروسة ، وفي حالة نقلي بواسطة باص السجن ، كنت الوحيد الذي يقيد بالحديد في قدميه .

وبينما كنت في سجن عسقلان مع عدد من المساجين في إحدى الغرف ، جاء بعض السجانين ومعهم ضابط .سأل ذلك الضابط عن حمزة يونس ، فأجبته (أنا) ، فقال : ضعوا الحديد في رجليه !حاولت الاستفسار عن هذا الإجراء ، فقال الضابط : ( أنت سجين غير عادي)!

بعد وضع الحديد في قدمي ، انصرف السجانون ، وأغلقوا باب الغرفة ، وإذا بالمساجين يتجمعون حولي ويسألونني :حقا أنت حمزة يونس ، المنقذ ، وبطل الملاكمة ؟هل أنت حمزة الذي هرب من ههذا السجن؟

عرفت أن بعضهم كان شاهدني على حلبة الملاكمة ، وأبدوا دهشتهم لما شاهدوا من تغيير في لياقتي البدنية وحالتي الصحية ، حيث كنت أزن حوالي سبعين كيلوغراما ، أما حمزة الذي يرونه الآن، فلا يزيد وزنه عن 50 كيلوغراما .

تكرر سؤال المساجين ( هل أنت حمزة يونس حقا )؟ هل أنت الذي هرب عام 1964 م ، هل أنت بطل الملاكمة ؟

كان بعض المساجين يعرفونني منذ كنت في سجن عسقلان قبل سبع سنوات، وحتى المساجين الجدد نسبيا كانوا يتحدثون عن هروبي بأدق التفاصيل ويذكرون ما نشرته الصحف عني وأسماء الشرطة الذين طردوا بسببي ، والذين جرحوا وأدخلوا إلى المستشفى .

وعلى الرغم من معرفتهم بالتفاصيل الكاملة لهروبي ، فقد كانوا يلحون علي في رواية القصة ولم أكن أتحمس لذلك ، لأنني كنت قلقا وخاصة بعد وضع الحديد حول قدمي .

في اليوم الثاني ، استدعيت إلى التحقيق ،وعندما وقفت أمام المحقق سألني :هل تذكرني؟فقلت: نعم أذكرك ..

كان هذا الشخص معي في كيبوتس (هاعوجن) ، وكان في شرطة عسقلان عندما هربت من السجن ، ولم يكن حاضرا في تلك الليلة ، يضاف إلى ذلك أنه كان صديقا لأخي الأكبر محمد .

قام المحقق وأغلق الباب بنفسه ، ثم صافحني بحرارة ، وقال مبررا إغلاق الباب:إن كثيرا من الشرطة يريدون أن يؤذوك لأنك السجين الوحيد الذس ترك بصماته على هذا السجن ، ولسنوات طويلة !

وأضاف قائلا:حقا أنك غير عادي ! حتى عندما كنت في الكيبوتس كنت تتصرف بكثير من الثقة. قال بعد هذه المقدمة :والآن أريد أن أسمع منك عن تلك الليلة التي لا تنسى !فقلت: أية ليلة تعني ؟!فأجاب: طبعا ليلة هربك ! مع العلم أنه لم يهرب من هذا السجن غيركم ( يقصد مكرم يونس ، وحافظ مصالحة ) ، كما لم يهرب بعدكم أحد . كان يريد أن يعرف كيف استطعنا أن نفتح أبواب غرفة السجن التي كنا فيها ، وأضاف قائلا:هذا ليس إلا لإغلاق ملف الهروب . وفجأة دخل شرطي ضخم الجثة ، وسألني عن زميلي الملاكم الشاب، ولمحت الغضب في عينيه ، فأجبته : هو في مصر ، فقال : هذا الذي أريد أن أراه لأعلمه كيف يضرب ويهرب ! بعد انصراف الشرطي سألني المحقق:ألست الملاكم المقصود ؟فقلت: ولماذا يسأل؟فقال : لأنه ممن عوقبوا لعدم استعمال السلاح ! عرفت بعد أيام ، أن الهدف من أخذي إلى سجن عسقلان هو أن أقوم بتمثيل كيفية الهرب ، لغلق الملف . فوجئت ذات يوم أثناء مروري بين العنابر ، بسجين يصرخ وبشتمني ، فسألت من هذا ، ولماذا يشتم ؟ أجاب ذلك السجين قائلا :ألم تعرفني ، أنا هنا بسببك منذ هروبك عام 1964 م ، وعندئذ تذكرته ، وقلت له ساخرا :تستأهل لأنك لم تهرب معنا كما اتفقنا ! إنه السجين اليهودي (شلومو) الذي طلبنا منه أن يدق الباب ليأتي الحارس ويفتح .. كان يعلم بأننا سنهرب ، وساعدنا لكنه لم يهرب معنا .وكما ذكرت سابقا فإن كل المساجين الذين كانوا في السجن معنا ، عوقبوا بعد هروبنا بإضافة ستة شهور إلى عقوبتهم المقررة ، بسبب عدم التبليغ عنا . نقلت إلى سجن الرملة – قسم الموقوفين – وفي يوم 31/01/1972، قدمت إلى محكمة اللد ، وهناك التقيت زملائي الذين كانوا معي في الزورق عند أسرنا. كانت المحاكمة شكلية ، وقصيرة ، ولم أتكلم في المحكمة مطلقا ، وحسب الشكليات القانونية، كلفت المحكمة أحد المحامين بالدفاع عنا ، لكن لم نره إلا يوم المحاكمة ، لهذا رفضت أن يدافع عني . ودون أية مرافعة ، وفي أقل من نصف ساعة ، أصدرت المحكمة حكما بالسجن المؤبد علي، وعلى وليد حطيني ، وزياد ، أما وائل الذي كان عمره آنذاك ستة عشر عاما ، فقد حكم بالحبس لمدة خمس وعشرين سنة . التقيت في المحكمة يوم الجلسة بأهلي،و كان معهم بعض الجرائد التي كتبت عني ، ومنها جريدة (معاريف) التي كتبت في 25/10/1971 : ( ألقي القبض على مجموعة من المخربين في عرض البحر، وهذه المجموعة من الضفادع البشرية ، وتعتبر من أخطر الخلايا على إسرائيل ، يقودها ملاكم ناجح هو حمزة يونس ، الذي سبق أن هرب من سجن عسقلان بعد إلقاء القبض عليه بتهمة التعامل مع المخابرات المصرية .وكان هذا الملاكم سافر ضمن منتخب بيطار إسرائيل إلى اليونان عام 1963 ، وكلف من طرف المخابرات المصرية بمراقبة حافظ مصالحة ، وعندما دخل سجن عسقلان وجده هناك ، وعمل حمزة على تهريبه مع ابن عمه مكرم يونس الذي ألقي القبض عليه بالتهمة نفسها). قبل صدور الحكم ، كان المحامي قد لجأ إلى والدي لإقناعي بالاعتذار عما فعلته ، لكنني رفضت، فأصدرت المحكمة أحكامها المذكورة في حقنا . بعد صدور الحكم ، تقدم عدد من الصحفيين وسألوني : ( كيف كنت بطلا مرموقا ، وتحولت إلى سجين قد يموت قبل أن يرى الشمس )؟! ضحكت ورددت عليهم قائلا :إن القاضي لم يستشيرني قبل إصدار الحكم ، لهذا أنا غير مسؤول عما قال ! وإنني أقول لكم سأبقى في السجن لمدى سنتين فقط؛ وهذا الكلام أنا مسؤول انه! ضحك الصحفيون وقالوا : (حمزة يحلم ) ! في اليوم التالي نشرت جريدة معاريف خبر صدور الحكم في حقي وحق زملائي ، ونشرت في العدد نفسه خبر استشهاد ابن عمي عصام سليمان يونس وكان ضابطا برتبة نقيب في فتح ، وهو من أصغر الضباط وأكثرهم شجاعة ، وأقدرهم على تنفيذ العمليات داخل الأرض المحتلة .كان عصام التحق بالثورة بعد هزيمة 1967 م ، وتلقى عدة دورات تدريب في الصين ، مصر والجزائر .ومن أبرز العمليات التي نفذها عملية تفجير مصنع شركة فورد في مدينة الناصرة ، ثم استشهد في حادثة غامضة في جنوب لبنان . آلمني خبر استشهاد عصام كثيرا ، ولفت انتباهي أن معاريف تعمدت في ما يبدو أن تربط خبر وفاته ، بخبر صدور الحكم علي ، بقصد التشكيك ! أذكر هنا أنني سمعت من النزلاء خلال جولتي بين السجون ، أن المخابرات الإسرائيلية روجت إشاعة مفادها ( أن دوريتهم التي أسرتنا ، كانت تناديني بمكبر الصوت قائلة : حمزة يونس ، سلم نفسك) ، علما بأن الظلام كان دامسا ، وأن مداهمتنا كانت بطريق الصدفة ، ولم يعرفني أحد ممن قاموا بأسرنا . اندهشت لما سمعت حول هذه الحكاية المفبركة لأسباب تشكيكية ، ونفيت ذلك بشدة لمن سألني عنها .وأشير هنا إلى أن لدى كثير من الناس حتى في صفوف المقاومة قابلية لتصديق الإشاعات والأكاذيب التي تروجها المخابرات الإسرائيلية عن طريق عملائها بقصد التشكيك والتشويه ، على الرغم من عدم منطقية تلك الإشاعات .من ذلك أنه كان يتردد عند نجاحي في الهرب ، أن الهروب من تدبير المخابرات الإسرائيلية .وكان بعضهم خصوصا ممن لا يعرفونني ولا يعرفون شيئا عن عملياتي ، يصدق الإشاعة ويساهم في ترويجها ، ومعلوم أن الإشاعات طالت حتى بعض الأسماء القيادية وما يزال هناك من يرددها دون تأمل أو تحفظ ! * * *


ملحوظة:




 
روابط ذات صلة
· زيادة حول متابعات إعلامية
· الأخبار بواسطة المحرر


أكثر مقال قراءة عن متابعات إعلامية:
مصادر تكشف اسباب استقالة غسان بن جدو من قناة الجزيرة



تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ



خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة



جريدة الصباح
فلسطين - تأسست عام 1995

www.alsbah.net
عيش الخبر أينما كنت
جريدة كل الفلسطينيين
فلسطينية العمق : عربية البعد : عالمية التوجه
https://www.s-palestine.net/ar/thumbgen.php?im=../images_lib/images/1_1564988074_5367.jpg&w=690
المدير العام رئيس التحرير
سري القدوة

PHP-Nuke Copyright © 2007 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 1.13 ثانية