صلاح خلف
الرئيسية / تحقيقات و حوارات / هواجس في ذكرى استشهاد صلاح خلف- أبو إياد

هواجس في ذكرى استشهاد صلاح خلف- أبو إياد

صلاح خلف

هواجس في ذكرى استشهاد صلاح خلف- أبو إياد

سليم النجار
عمان / الصباح /  كتب / سليم النجار

كثيراً ما يُطرَحُ عليَّ هذا السؤال: لماذا أبو إياد؟ وفي الجواب أجدُ الكثيرَ من الحرج، لأنِّي ما زِلتُ أدرس تجربته السياسيَّة النضاليَّة، ولستُ مؤهَّلاً للإجابة على السؤال.
وإنْ كانَ لا بدَّ من الكلامِ عن أبو إياد في ذكرى إستشهاده، فإنَّ هذا العالم الذي مثَّلهُ يَتَجلَّى فيما كتبه عن فلسطين في كتابه “فلسطيني بلا هوية”، والكثير ممن قرأ الكتاب قالوا أنَّ أبا إياد أديبُ السيرة الفلسطينية المعاصرة، ولكنَّ عالم السيرة من السِعة والشمول بحيث لا يغطِّيه كتاب، إلَّا حيِّزاً ضيقاً من مساحته. هو القائل في مقدمة كتابه أنَّ الكثير من الأسرار والأحداث لم يذكرها حفاظاً على الثورةِ الفلسطينية، لهذا أعطى كتابه حق بالقدر الذي يراه ويناسب المرحلة الذي صدر فيه.
لقد كتب عن يافا- مدينته ومكان مولده- بعين طفلٍِ لأسرة فلسطينية في حياةٍ كانت قبل النكبة، إنَّ الطفل كان شاهداً عليها، وبعد ذلك انتقل بالوصف عن حياته في اللجوء الأوَّل في غزة ومخيماتها، وجلساته على مقاهيها، ودراسته في جامعة الأزهر- القاهرة. وكان أبو إياد في كل ما سرد، وكانت فلسفته أنَّ الإنسان كي يلاحظ بدقة فإنَّه يحتاج إلى ما يلاحظه، فالحياة لا تأتي والناس في بيوتهم، عليهم أن يخرجوا إليها، أن يذهبوا في طلبها، أن يعيشوها بكل خطوطها وألوانها، وأن يكونوا فيها فاعلين، مؤثرين، لا متلقِّين ومحايدين. حب الحياة حب الناس، يتجلَّى بالعمق الذي نقبل به على العيش، وفي أيَّة ظروفٍ كنَّا، أو أي حال وُجدنا. هكذا هو أبو إياد القائد والإنسان في تعامله مع أخوته ومع كل من حوله، حتَّى في سَردِه عن الشهداء كان أبو إياد يُقدِّم سيرتهم كشيءٍ جميلٍ حتَّى في الاستشهاد.
ومنذ أن تتجمَّعُ ذرَّات الصورة الواقعيَّة، عبرَ سَردِ سيرة البطل الشهيد محمد يوسف- أحد مرافقيه- الذي استطاع الموساد الوصول إليه من خلال أخته، التي أرسلت إليه رسالة تقول فيها: أنَّ الإسرائيليين هدَّدوها بالإغتصاب في حال عدم تعاون أخيها معهم. وصلت الرسالة من الضفة الغربية حيث يعيش أهل محمد يوسف، وبالفعل عن طريق متعاون لم يذكر الشهيد أبو إياد التفاصيل عنه، سَلَّمَه حبوب تفرز غاز قاتل، وطُلِبَ منه أن يضعَ هذهِ الحبوب صغيرة الحجم في أي مكان لا يثير الانتباه أثناء اجتماعات اللجنة المركزية لحركة فتح- وهو أحد مؤسيسها- وكان محمد يوسف في أحد الأيام قد دخل إلى غرفة الشهيد أثناء قيلولته ونظر له النظرة الأخيرة، وقتها احتار إخوته من المرافقين لسلوك محمد، وما هي إلَّا ثواني وغادر الغرفة وترك المكان كله وهرول على درج العمارة واستلَّ رشاشه من على كتفهِ وأطلق النَّار على نفسه، تاركاً رسالة في أحد جيوب بنطاله الكاكي يسرد حكايته.
وإذا كان الزمن لا يَتَبَقَّعُ على جسوم الأبطال، فلأنهم لا يَدَعَونَ له وقتاً لكي يفعل. إنَّهم يعيشونه، يمتصُّونه، يحوِّلونه إلى هدف، إلى قضية، إلى فكرة بطولية، ويتحوَّلون معه إلى أبطال.
هذه هي حركة فتح، حركة إخوتهم الرجال الأبديَّة، حركة الأرض الفلسطينية التي ترفض الثياب المزوَّرة، القلوب المزوَّرة، والألسنة ذات الوجوه… الجرأة، الكرم، القلوب التي تُنزَعُ من الصدور لتكون مشاعل لإخوتهم، هذه صفات الذين أحبَّهم الشهيد أبو إياد.
ليس في وُدِّي أن أسرف بالاستشهادات، فهذه عمليَّة تخص الباحثين، لكن ما أريد إثباته أنَّ الماضويَّة لا تتعلَّق بالزمن الذي تدور فيه أحداث الحكاية التي سردها الشهيد أبو إياد في مكتب فتح في الجابرية- الكويت أمام كادرات التنظيم الطلابي، بل بنظرة الحكاية للزمن، وتعاملها معه، وطرحها لموضوعه، وقدرتها على تحريك حدوده، ودفعها إلى الأمام، كما كان يفعل أبو إياد، فالحكاية ليست دون أساسٍ أبداً؛ وإنَّ الحكاية الثوريَّة هي المؤهَّلة دائماً، وهي مهد البطولة الإيجابية، كحالة الشهيد محمد يوسف، وهنا يترابط الزمن، وتتحرك حدوده بوعي، ويصبح التفكير مستقبليَّاً، ويجري التعبير عنه في حقيقة أن الثوّار في كل الظروف لديهم ما يأملونه، وما يحلمون به، وما يناضلون لأجله، كما كان يردد دائماً أبو إياد أنَّنا نريد دولةً فلسطينيةً لكل أحرار العرب والفلسطنيين ليعيشعوا في وطنهم بكرامة، وتكون واحة للديمقراطية. لقد قال بعض العرب الرسميين و المنتفعين منهم: هذه أحلام فلنُلقيها من سفينة العصر، فردَّ عليهم الشهيد أبو إياد بأنَّ هذا الحلم هو بداية البدايات عندنا.
وكان الشهيد أبو إياد سلوكه السياسي النضالي وحال لسانه يقول: أنا لا أملك الحبَّ المسيحيَّ الذي يقبل الألم لذات الألم، للتطهُّر، لغفران الخطيئة التي فعلها العالم الرأسمالي ضد شعبنا الفلسطيني، بطرده وتهجيره من أرضه… أراد الألم درباً للخلاص من هذا العدو الإسرائيلي الإحلالي.
كنت وما زلت أبكي عند سماع صوت الشهيد أبا إياد في الفديوهات، ويسألني المقرَّبين منِّي هل يتكلم أبو إياد كلام لدرجة تجعلك تبكي؟ فأداعبُ رؤوسهم وفي القلب حسرة، وأردِّدُ مع نفسي أنَّ هذا الواقع الحالي الفقير بعناصره وتعقيداته بحاجة إلى الفن للتفسير أو المساعدة على التفسير، وعلى رسم درب ما وسط أكوام الصخور… ففي هذه الحالة والمرحلة التي نعيشها بحاجة للتذكير والتذكُّر لسيرة الشهيد صلاح خلف- أبو إياد. إنَّه رجلٌ لكل الإحتمالات، لم يترك للصدفة أو للتجريب فرصةً للتسلُّلِ لوعيه السياسي، ففلسطين لا تقبل القسمة على الصدفة أو التجريب، إنَّه الشهيد أبو إياد الذي غادرنا شهيداً دون استئذانٍ منَّا، فلذكراه المجد، ولهواجسنا استمراريَّة السؤال: إلى أين نحن ماضون؟

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

اطفال المستوطنيين يتدربون على السلاح في ظاهرة انتشار التطرف والارهاب الاسرائيلي

الهجرة المعاكسة بصعود اليمين المتطرف تنذر بتفكك الكيان الصهيوني

الهجرة المعاكسة بصعود اليمين المتطرف تنذر بتفكك الكيان الصهيوني  اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله  الحقيقة …