الرئيسية / تحقيقات و حوارات / موسوعة القرى الفلسطينية .. انجاز وطني لتعزيز ثقافة حق العودة، ولكن؟!

موسوعة القرى الفلسطينية .. انجاز وطني لتعزيز ثقافة حق العودة، ولكن؟!

القدس

موسوعة القرى الفلسطينية .. انجاز وطني لتعزيز ثقافة حق العودة، ولكن؟!

الكاتب والباحث/ ناهــض زقــوت

النكبة الفلسطينية في عام 1948, لا تعني الهزيمة العسكرية للجيوش العربية والشعب الفلسطيني، واحتلال الأرض، فالهزيمة العسكرية قد تحدث لأي دولة تدخل في حرب مع دولة أخرى. إن ما حدث عام 1948 لم يكن حرباً بين دولة ودولة أخرى، بل كانت حرب بين عصابات مسلحة شبه منظمة وشعب آمن مستقر في أرضه، أعزل من السلاح، إلا ما ندر. لهذا فالنكبة في مفهومها العميق هي تهجير الفلسطينيين من وطنهم، ودفعهم بقوة السلاح والإرهاب إلى خارج وطنهم، لتخلوا الأرض من السكان، من أجل استقدام أو جلب سكان آخرين ليحلوا مكانهم، تلك هي النكبة الحقيقية للشعب الفلسطيني.

وبناء على هذا، تصبح قضية فلسطين ليست قضية دولة أو إقامة دولة على أهميتها، بل قضية شعب هجر من وطنه بقوة السلاح والإرهاب، فكيف سنقيم دولة دون شعب، والشعب ما زال مهجراً ومشرداً من أرضه في المنافي والشتات. علينا أولاً أن نعيد الشعب المشرد إلى وطنه وأرضه التي هجر منها وشرد عام 1948، ثم نعلن قيام الدولة الفلسطينية، وليس مهماً حينها أين نعلنها؟، المهم تنفيذ حق العودة. 

إن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي جوهر القضية الفلسطينية وأصل وجودها، ودون حلها ستبقى القضية قائمة حتى يعود هؤلاء اللاجئين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها، ودون ذلك لا يمكن الادعاء بأن القضية الفلسطينية قد حلت، وأن الصراع قد انتهى. 

منذ ما يزيد عن سبعين عاماً كتب الباحثون والدارسون عشرات الكتب والدراسات حول قضية اللاجئين، وأجريت العديد من المقابلات الاعلامية مع الذين هجروا من أراضيهم، وجميعهم يؤكدون حق عودتهم إلى ديارهم سواء بقوة الارادة والنضال، أو استناداً لقرارات الأمم المتحدة التي تدعو لعودة اللاجئين إلى أراضيهم، وفق الفقرة 11 من القرار 194 لسنة 1948.

لقد تطور الفعل الثقافي تجاه قضية اللاجئين من الكتابة إلى استخدام الوسائل الالكترونية الحديثة، التي جعلت العالم قرية صغيرة، وفي متناول اليد، فبضغط زر تصبح المعلومة أمام طالبها بكل سهولة. لذلك استغل الباحثون والمؤسسات المهتمة بقضية اللاجئين هذا الوسائل الالكترونية الاعلامية في تفعيل قضية اللاجئين وحق العودة، ونشر المواد التي تساهم في تعزيز الثقافة الوطنية كفعل سياسي وأداة إستراتيجية فاعلة، لها أثرها الواضح في الحفاظ على الثوابت، وترسيخ المفاهيم، ومنع الانحطاط والهزيمة والضياع؛ وذلك حينما تربط بغاية وطنية سامية، فالثقافة تعمل على رأب ما انصدع من جدر سياسية في باحات الانزلاق السياسي، والثقافة الأمينة تصنع هوية الثوابت، وتغرس القيم الوطنية التي تحقق للإنسان أعلى مراتب الانتماء والوطنية. ومن أبرز هذه الثوابت ثقافة حق العودة وهي الثقافة التي يجب أن نعززها في ذهنية الأجيال الجديدة ونرسخ جذورها لديهم، بما يدفعهم بكل قوة للانتماء إلى هذه الأرض، والدفاع عنها، متسلحين بآليات هذه الثقافة التي يشكلوا من خلالها رؤية أفضل من رؤيتنا في تحرير فلسطين وعودة اللاجئين.

انطلاقاً من هذه الرؤية كانت موسوعة القرى الفلسطينية الالكترونية المنشورة على الانترنت (Palqura.com) والتابعة إلى أكاديمية دراسات اللاجئين خطوة نحو تعزيز ثقافة حق العودة، والعمل على ترسيخ ثقافة الانتماء للأرض في نفوس الأجيال الجديدة، وإبراز أهمية الأرض ومكانتها التاريخية والحضارية، وأن شعبنا هجر من أرضه بقوة السلاح والقتل والإرهاب، ويجب أن نعود إليها مهما طال الزمن، متسلحين بكل الطرق والوسائل للدفاع عن حق عودتنا. الأرض أولاً، تلك الأرض التي أوصى الأجداد أن يدفنوا في ترابها، تراب قراهم المهجرة. لهذا تعمل الموسوعة بما يعزز صمود الأجيال الجديدة في الأرض والدفاع عنها. بدلاً من محاولا الهجرة وترك للأرض، فنحن نطالب بعودة اللاجئين، وأجيالنا الجديدة تحاول أن تهاجر من الأرض/ الوطن، لأنهم فقدوا ثقافة الانتماء للأرض.

تساهم الثقافة الرقمية في نشر المعلومات أكثر وأوسع من الثقافة المكتوبة، وذلك بفضل الوسائل الحديثة في الاطلاع والقراءة، فالمثل الصيني يقول: الصورة تعادل ألف كلمة” وتلك حقيقة نلمسها بشكل واضح لدى الأجيال الجديدة التي تعتمد على ثقافة الانترنت في الحصول على المعلومات، ومن هنا تكمن أهمية استخدام التكنولوجيا الحديثة في تعزيز ثقافة حق العودة، ونشرها على أوسع نطاق، وتصل إلى العالم أكثر من الكتاب، ويستطيع من خلالها الباحث عن معلومة عن قرى فلسطين المهجرة والمدمرة وتعدادها وسكانها أن يصل إليها بكل سهولة، ويتعرف على ما حل بالشعب الفلسطيني عام 1948، مما يساهم في خلق رأي عام يساند قضية اللاجئين الفلسطينيين، سواء لدى الشعوب أو السياسيين أو صناع القرار في العالم. كما تعزز الثقافة الرقمية من ابراز روايتنا الفلسطينية للعالم وكشف حقيقة الهجمة العنصرية الاسرائيلية تجاه شعبنا، ونقض روايته عما حدث عام النكبة. 

لقد تصفحت عناوين وأقسام الموسوعة، فوجدتها تضم أقساماً عن القرى الفلسطينية، والمكتبة الرقمية، والتقارير، والوسائط المتعددة. وفي لمحة عن الموسوعة تقول: “لأن الحقيقة لا بدّ أن تنجلي، ولأن الظلم لا بدّ إلى زوال، جاءت هذه الموسوعة لتكون خطوة جادة على طريق كتابة فصول الرواية الفلسطينية الحقيقية، بعيدًا عن كل محاولات التشويه والافتراء، وحتى تبقى فلسطين وقراها ومدنها قلوب الأجيال وهمهم ولحنهم المفضل نطلق مشروعنا التوثيقي والإعلامي الكبير”.

يقوم على هذا المشروع فريق عمل مكون من ثلاثين باحثاً ومصوراً ومستشاراً من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والسعودية وقطر وأمريكا والسويد وتركيا. مشروع اعلامي توثيقي ضخم يقوم على دراسة معمقة للقرى والمدن الفلسطينية سواء التي ما زالت قائمة بسكانها، أو التي هجر سكانها منها في عام 1948 أو في عام 1967، وذلك بفعل المجاز والتطهير العرقي الذي ارتكبته المنظمات اليهودية المسلحة بحق الشعب الفلسطيني.

في ما يتعلق بموضوع القرى الفلسطينية صنفت الموسوعة القرى على أربعة أقسام، كالتالي:

1ـــ قرى حالية: هي القرى التي ما زالت قائمة سواء في الداخل المحتل (أراضي 48) والتي احتلت عام 1948، أو في شرقي القدس وفي الضفة الغربية التي احتلت في عام 1967. وذكرت الموسوعة عددها ب(237) قرية.

2ـــ قرى مزالة: وهي القرية التي تمت إزالتها وتغيرت معالمها والبناء عليها، وكل قرية لها تاريخ إزالة أو احتلال. وذكرت الموسوعة عددها ب(410) قرية.

3ـــ قرى مهجرة: وهي القرية التي تم تهجير أهلها وبقاء القرية خالية إلا من آثار سكان أهلها وبقية مبانيهم حتى لو تم البناء على جزء من أراضي القرية، فتم اعتبارها مهجرة، ولها تاريخ خاص بها. وذكرت الموسوعة عددها ب(106) قرية.

4ـــ القرى التي هجرت أو دمرت قبل النكبة: وهي القرى التي عمل الانتداب البريطاني على اخراج أهلها منها، وقد تكون أزيلت أو هجرت قبل ذلك. ولم تذكر الموسوعة عددها.

هذا التصنيف يربك الباحثين خاصة في تصنيف الإزالة والمهجرة، لأن تعريف الإزالة غير واضح في تعريف الموسوعة فهو لم يشر إلى مصير سكانها، ويتداخل مع القرى المهجرة، فماذا يعني أن تكون (قرية المسمية الكبيرة) هي الوحيدة المصنفة بين قرى قضاء غزة بالمهجرة فقط، بينما باقي القرى الأخرى مصنفة إزالة، في حين كل الكتابات والمراجع التي تناولت القرى المهجرة والمدمرة في قضاء غزة وغيرها أشارت إلى التهجير، ونحن شهود أن جميع سكان هذه القرى هجروا إلى قطاع غزة، وما زالوا يقيمون في ثمانية مخيمات، ولم يُذكر مصطلح الإزالة أبداً في أي مرجع، ولا ندرى ما الأهداف التي تسعى الموسوعة من وراء استخدام هذا المصطلح؟، وهل لا يحق لسكان القرية المزالة العودة إليها؟، أو هي عملية تخفيف من حدة لفظ التهجير!!. فالتهجير يعني ازالة القرية وتدميرها وتهجير سكانها.

لذا على القائمين على الموسوعة تعديل التسميات والمصطلحات ودمجها ليصبح التهجير والتدمير هو العنوان الأبرز للقرى التي هجرت ودمرت عام 1948 أو عام 1967 في فلسطين. إن الرقم التي أشارت له الموسوعة للقرى المهجرة (106) رقم مثير للدهشة والاستغراب، ويدفعنا للتساؤل هل هؤلاء وفق الموسوعة لهم حق العودة، أما الباقي ليس له الحق لأنه مزال، ولا ندرى كيف شكلت الموسوعة رؤيتها لهذه الأرقام في حين أن الباحثين الفلسطينيين الذين استندوا إلى المراجع الأصلية من عثمانية وتركية في تحديد القرى الفلسطينية سواء القائمة أو المهجرة، لم يشيروا إلى هكذا أرقام، بل المؤسسة الاسرائيلية دائماً هي التي تحاول أن تقلل من أعداد القرى حيث تشير إلى أن عدد القرى هي 290 قرية في كتاب “الطوبوغرافيا الاسرائيلية”. أما الباحثون الفلسطينيون المعتمدون كمصادر أساسية ومركزية للقرى الفلسطينية فقد أشاروا إلى أرقام مخالفة تماماً للرقم الذي ذكرته الموسوعة، فقد أشار مصطفى مراد الدباغ في كتاب “بلادنا فلسطين” إلى 477 قرية، وأشار سلمان أبو ستة في كتابه “سجل النكبة” إلى 531 قرية بعد أن دمج فيها القبائل البدوية في بئر السبع، في حين أشار وليد الخالدي في كتابه “كي لا ننسى” إلى 418 قرية. 

إن الخلل الذي أحدثه تصنيف الموسوعة بين قرى مزالة، وقرى مهجرة هو الذي أحدث هذا الارتباك في تعداد القرى، وجعل الأمر مثير للشكوك والدهشة، في حين لو جمعنا القرى المزالة والمهجرة معاً نجد الرقم يصل إلى 516 قرية، ولكن التعريف الذي وضعته الموسوعة للقرى المزالة، واعتماده ضمن الموسوعة من حيث الاشارة إلى قرى مزالة وأخرى مهجرة، كما نذكر لاحقاً، يجعلنا في حيرة من أمر الموسوعة، هل هي فعلا تعزز ثقافة حق العودة، أم تحاول أن تقلل من قيمة القرى وسكانها من خلال التصنيفات؟. وتبقى الأسئلة معلقة في الفضاء وتحتاج إلى إجابة. 

أما ما يتعلق بالقرى التي دمرت في زمن الاحتلال البريطاني فقد دمجتها الموسوعة مع القرى المهجرة، بل وصل بها إلى ذكر القرى التي اندثرت في العهد العثماني مثلا: (قرية بريكوت، وقرية بيت سقاية بالقدس)، مما يخرج الموسوعة عن هدفها في التركيز على القرى التي تم تهجيرها وتدميرها على 1948، وما زال أهلها ينتظرون حق عودتهم. ولنا هنا وقفة مع مصطلح (الانتداب)، فقد أشارت الموسوعة إلى هذا المصطلح، ونحن كفلسطينيين لا نعتبره انتداب بل احتلال بريطاني لفلسطين، فعلينا اعتماد مصطلح الاحتلال البريطاني لا الانتداب.

لقد وضعت الموسوعة أيقونة خاصة بالقرى الفلسطينية اشتملت على المدينة وقراها، وتقديم معلومات عن المدينة، وذكر أسماء كل قراها مع الاشارة إلى القرى الحالية (ما زالت قائمة)، والقرى المهجرة، والقرى المزالة، مثلاً في قضاء غزة، ذكرت أن عدد قراها 47 قرية، منها قرية واحدة مهجرة (المسمية الكبيرة)، و46 قرية مزالة. وكذلك في قضاء بئر السبع لم نجد من القرى المهجرة إلا (قبيلة الترابين)، أما الباقي من عشرين قرية مهجرة هي قرى مزالة. وهذا التصنيف أجرته الموسوعة على كل القرى الأخرى.

وقد وصل الخلط بالموسوعة أن ذكرت قرى مزالة وهي ما زالت قائمة مثل (قرية سخنين) قضاء عكا، فهي قرية قائمة وأشارت الموسوعة إلى أن عدد سكانها في عام 2017 بلغ 30.500 نسمة أغلبهم من المسلمين. فكيف تكون مزالة؟؟؟. وإذا حاولنا تطبيق هذا النموذج بأن قرية مزالة وسكانها ما زالوا فيها، فهذا يعني أن هناك 410 قرية مزالة وما زال سكانها يقطنوها، إذن كل قضاء غزة لم يهجر إلا قرية المسمية الكبيرة حسب الموسوعة. كيف ذلك، وهو يخالف أرض الواقع؟؟؟.

وإلى جانب ذكر أسماء القرى جميعاً تقدم الموسوعة معلومات عن كل قرية من حيث الموقع والمساحة، وسبب تسميتها، مصادر المياه، وسكانها، وعائلات القرية وعشائرها، والحياة الاقتصادية، والثروة الزراعية، والبنية المعمارية للقرية، ومعالمها وآثارها، والمؤسسات والخدمات، والوضع الصحي، والتعليم، والتراث الشعبي، والعادات والتقاليد، وإدارة القرية، والاستيطان في القرية، واحتلال القرية وحالها اليوم. وهذه التصنيفات لم تلتزم بها الموسوعة لكل قرية بل تباينت بين القرى في تقديم المعلومات. 

يضاف إلى ذلك خارطة المدن الفلسطينية التي بمجرد الضغط على اسم المدينة ينتقل الموقع إلى المدينة وقراها، وتقديم معلومات عن كل مدينة، وكذلك صور من القرية قديمة وحديثة، ومقاطع فيديو عن القرية، وموقع القرية على خرائط قوقل. 

ورغم كل ذلك ثمة نقص في المعلومات عن قرى المدن، فنجد قلقيلية مثلاً تذكر الموسوعة أربع قرى منها، في حين أن قرى قلقيلية تزيد عن ثلاثين قرية، وهذا يعني أن الموسوعة غير مكتملة.

تشير الموسوعة في أيقوناتها إلى القضايا والتقارير التي رصدتها حول الأزمات والاشكاليات والمواضيع السياسية التي ارتبطت الشعب الفلسطيني. وكذلك تضم مكتبتها الرقمية مجموعة من الكتب والدراسات حول المدن والقرى الفلسطينية، بالإضافة إلى الوثائق والخرائط، والتصاميم والانفوغراف.

وبكل ما أخذناه على الموسوعة إلا أنها تبقى انجازاً وطنياً يسعى لتعزيز ثقافة حق العودة، فنحن نتوسم فيها الخير في إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية التي يسعى الاحتلال إلى طمس معالمها وتهويد أسماء مدنها وقراها وشوارعها.

لهذا ندعو فريق عمل الموسوعة إلى عمل مراجعة شاملة وتعديل ما أشرنا إليه سابقاً من خلل في مصطلح الإزالة، ومسألة تعداد القرى المهجرة، لأن ذلك ينعكس على تعداد اللاجئين أنفسهم. كما تزود الباحثين بمعلومات مغلوطة في مسألة الأرقام.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

اطفال المستوطنيين يتدربون على السلاح في ظاهرة انتشار التطرف والارهاب الاسرائيلي

الهجرة المعاكسة بصعود اليمين المتطرف تنذر بتفكك الكيان الصهيوني

الهجرة المعاكسة بصعود اليمين المتطرف تنذر بتفكك الكيان الصهيوني  اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله  الحقيقة …