الرئيسية / ادب وثقافة / أُسَيْد الحوتَري يكتب : حنظلة) رواية من أدب السجون النسوي للروائية بديعة النعيمي

أُسَيْد الحوتَري يكتب : حنظلة) رواية من أدب السجون النسوي للروائية بديعة النعيمي

اسيد الحوتري

حنظلة) رواية من أدب السجون النسوي للروائية بديعة النعيمي

بقلم: أُسَيْد الحوتَري
بديعة النعيمي
الروائية بديعة النعيمي
أدب السجون أدب تبنته كثير من الروايات، إلا أن أدب السجون النسوي يعد عملة نادرة لم تكتب فيها إلا روائيات قليلات كالكاتبة المغربية زليخة موسى الأخضري صاحبة رواية (الحب في زمن الشظايا)، والكاتبة العراقية الكردية هيفاء زنكنة وروايتها (في أروقة الذاكرة)، والكاتبة المصرية نوال السعداوي وروايتها المشهورة (سجن النساء). كما نجد أدب السجون النسوي في القصة القصيرة أيضا، كما في المجموعة القصصية (حفلة لثائرة) والتي هي من إعداد هيفاء زنكنة، ومن تأليف مجموعة من المعتقلات الفلسطينيات اللواتي سردن تجربتهن في سجون الاحتلال الصهيوني.
رواية (حنظلة) للروائية الأردنية المبدعة بديعة النعيمي رواية متخيلة جُلها عن معتقلة فلسطينية تدعى حياة، والرواية لا تقص تجربة شخصية للكاتبة كما هو الحال في الروايات سابقة الذكر. (حنظلة) كـ(المتريوشكا) قصة كبيرة في جوفها قصة أصغر حجما ولكنها من حيث المأساة أكبر. أما الكبيرة فتروي غربة حنظلة في الولايات المتحدة لاكمال دراسته، رحلة كرهها حنظلة، وكره معها المدينة الفاجرة التي حل بها، ويحادث حنظلة نفسه قائلا:” سامحك الله يا أبي، لم أجبرتني على رحلة الاغتراب…جعلتني أسافر كهارب من الموت لأستقر في مستنقعات القذارة مثل زهرة لوتس تورطت في الوحل…”، (حنظلة: 15). أما القصة القصيرة فهي حكاية عاشت “خمس عشر عاما داخل صندوق أزرق”، (نفس المرجع: 171). صندوق والدة حنظلة: حياة، صندوق هادئ من الخارج هدوء السماء في يوم صيفي مشمس، وفي داخل الصندوق قصة تروي تجربة الأسيرة في سجون الاحتلال، قصة “بكاء، نواح، صرخات، موت، فصول تولد وأخرى تموت”، (نفس المرجع: 171). عذابات مسرودة على ورق أصفر، وكلتا القصتين تسردان المأسآة الفلسطينية وتمجدان المقاومة.
في القصة الأولى يتعرف حنظلة على (مارتن)، شاب أمريكي من أصول أفريقية، ثم يأخذ (مارتن) حنظلة في رحلة غرائبية عبر الزمن من خلال دوامة تظهر في الفراغ. يشاهد حنظلة في هذه الرحلة تاريخ اليهود منذ وقوع السبي البابلي وقضاء بختنصر على أسرائيل، ووصول (تيتوس) إلى أسوار القدس وإحراق الهيكل، وانشاءهم الماسونية واسقاطهم لامبراطوريات عدة حتى قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. كان في هذا عرض سريع لتاريخ اليهود، وهذا أمر يحسب للروائية التي قدمت بين يدي القارئ مشهدا بانوراميا لتاريخ العدو. مع ذلك فقد شعرت أنه كان من الأفضل لو أن حنظلة كان القائد في هذه الرحلة، فمن المعيب أن يقود أمريكي عملية تعليم حنظلة الفلسطيني وتثقيفه في قضيته.
أما والدة حنظلة حياة فبدأت في كتابة مذكراتها في السجن بعد أن أخذت بنصيحة صديقة لها، “نصحتني صديقة قبل أن يفرج عنها، بأن أكتب لك وها أنا منذ ذلك اليوم وأنا أستمع لنصيحتها، أجتر الذكريات كما الذرة المشوية وأكتب”، (نفس المرجع: 54). صورت حياة السجن وأحوال السجينات وتهمهن، وما يتعرضن له من ضغوطات نفسية وتعذيب جسدي من قبل المحتل الصهيوني، وقصصا أخرى تسرد تعامل البعض مع العدو من أجل أهداف متعددة، وقصصا صورت الظلم الاجتماعي بين أفراد الشعب الفلسطيني، كما في قصة مقبولة والظلم الذي لحق بها من والدها وزوجته زهرية.
الغربة، المقاومة، السجن، العمالة، التظالم بين أفراد الشعب الفلسطيني، الانحطاط الأخلاقي الغربي، الجرائم الصهيوني بأشكالها، ثيمات عديدة مرتبطة بشكل وثيق بالقضية الفلسطينية عالجتها الرواية بكل سلاسة ومهارة.
مع ذلك هناك في الرواية مجموعة من أمور تثير حيرة القارئ أحيانا كما تثير حفيظته أحيانا أخرى. ومن الأمور التي تثير الحفيظة مثلا التكرار المبالغ به لمفردات وأوصاف وتشبيهات حادة المعنى مثل: مومسات، غانية، ردفيها، سعار الجنس، مدينة العهر، عاهرة، شاذ،”أمسكت سيجارة وأخذت تقسو عليها بين أصبعيها كأنما كانت تمسك ب…بذلك الشيء أسفل بنطال السمين” (نفس المرجع: 29)، “ابتلع ريقه وانسل من بيننا بعد أن تصلب ال ال..لقد فضحه الجينز الضيق الذي كان يرتديه” (نفس المرجع: 30)،” كان يداعب نهديها الصغيرين وأدخل ال ال…تأوهت بصوت مكبوت”، (نفس المرجع: 30).” يا لهذه المدينة إنها مجرد غانية على سفينة تهز ردفيها كلما طوحت بها الأمواج الشبقة”، (نفس المرجع: 16)، “لن أسمح له بفض بكارة أسراري”، (نفس المرجع: 152)، “صراخ أغصان تصر الرياح على التزاوج بها وإفراغ شبقها وكأنها قطط في شهر شباط”، (نفس المرجع: 111)، الخ. أعتقد بأن التكرار المبالغ فيه لهذه المفردات، والأوصاف، والتشبيهات والاستعارات لا يتناسب مطلقا مع مضمون نص الرواية الذي يعالج قضية شعب عربي يقاوم المحتل. كان من الأولى الاكتفاء بالقليل الذي يلمح ولا يصرح مراعاة لمضمون الرواية الجاد والبعيد عن الابتذال.
كما واعتمدت الرواية أسلوبا جديدا في الكتابة، فاستعاضت عن الكلمات والوصف بأصوات مثل”ههههههه” والتي تكررت ما يقارب العشرين مرة. وصوت آخر مثل: “بببببببممممممم “، “خطوت بخفه.. بببببببممممممم تنورتها كانت قد وصلت لأنصاف ساقيها”، (نفس المرجع: 30). كما واعتمدت الرواية تكرار حروف داخل مفردة بعينها من أجل التشديد على المعنى أو إظهار أنها قيلت بصوت عال، مثل:”عاهرررررررة..شااااااااااااااااذ”، (نفس المرجع: 30)، ” إنها الجاااااااااااااز يا صديقي” (نفس المرجع: 20). إنّ هذه الأشكال الصوتية السابقة الغير متعارف عليها بين الروائيين والتي هي حكر على الروايات والقصص المصورة، والتي هي غالبا للأطفال وللمراهقين، لا تمنح الرواية إلا طابعا غير جاد بعيدا كل البعد عن أسلوب الكتابة المحترف الذي يرسم بالكلمات أجمل وأدق الصور والمشاهد.
كام أن الرواية منحت لليهود حجما أكبر بكثير من حجمهم الحقيقي، ومن الرواية نقرأ: “اليهود يا ولد اليهود؟ الذين أسقطوا بابل، فارس، اليونان، الرومان، وأخيرا يخططون لقيام الثورة الفرنسية…والرأسمالية اليهودية هل تعلم أنها كانت خلف الثورة الروسية البلشفية”، (نفس المرجع: 40).
 
كل هذه إدعاءات يستمتع بها اليهود بل ويروجون لها ليلقوا في قلوب أعدائهم الرعب. كل ما ذكر لا يعدو كونه أنصاف حقائق، فإن شارك يهودي هنا أو هناك في انقلاب أو ثورة أو تغيير حكومة فهذا لا يعني أن اليهود هم المتحكمين في مصير العالم. ولو كان لهم السيطرة على أحداث العالم حقا لما طردوا من الأندلس، ولما قتلوا في أوروبا على يد النازية الألمانية والفاشية الإيطالية ونظام فيشي الفرنسي، ولاستطاعوا كسر شوكة الشعب الفلسطيني والعربي الذي قاوم وما زال يقاوم.
كما أن هنالك بعض الأحداث التي من الصعوبة بمكان اعتبارها منطقية مثل الحادثة التي أخذ بها حنظلة فتاة مومس مصابة ساقها من الطريق و”أحبها، حملها، أدخلها الحمام وفي البانيو مددها، غمرها بالشامبو. لم يتحرش بها، غسل جسدها، مشط شعرها..”، (نفس المرجع: 19). حنظلة الذي ما انفك يلعن مدينة “العهر” التي وصل إليها ينتهي به الأمر بأن يعشق “عاهرة” يجدها في الطريق! ويحملها إلى البيت وينفرد بها في الحمام ولا يتحرش بها! إن كان حنظلة بهذه الملائكية فليستدعي لهذه المرأة الاسعاف، بأي حق يأخذها إلي بيته؟ وأي شرع يسمح له بتعريتها في الحمام، ثم السماح لها بالسكن معه؟ أتقبل شخصيا وبكل رحابة صدر فكرة السفر عبر الزمن التي طرحتها الرواية وأباركها، ولكن أجد صعوبة كبيرة بهضم مشهد حنظلة مع حبيبته المومس التي وجدها في الشارع!
كما أني أجد من الصعوبة بمكان أيضا تفهم كره حنظلة لمدينة نيويورك. من المفترض أن حنظلة شاب كباقي الشباب الذين يحلمون بالسفر، وبرؤية عوالم وثقافات جديدة، وهذا الحب للسفر والترحال والتعرف على الشعوب الأخرى بالتأكيد لن يطعن ولا بأي شكل من الأشكال بوطنيته. وفي وصف نيويورك نجد ما يلي:” سلام وفي أكبر حديقة في نيويورك العاهرة!!”، (نفس المرجع: 28)، ” مدينة تضخمت فيها الفوارق بين الطبقات وهي ثملة لا زالت تهز ردفيها على إيقاع خشخشة المال..” (نفس المرجع: 31).
أما بالنسبة لنهاية الرواية فكانت بحاجة إلى إعادة نظر، حيث يٌذكر بأن حنظلة قام بـ “تفجير [مفاعل] ديمونة والاشتراك مع ثلاثمائة مجاهد في انتفاضة”. لم توضح الرواية كيف تمت عملية التفجير، حتى لو تم تفجير ديمونة فعلا، فهل هذا التفجير مع انتفاضة مكونة من (300) مجاهد ستقضي على دولة العدو؟! إن (300) شخص يعجزون عن حسم صراع بين عائلتين، فهل حقا يستطيعون إنهاء الكيان الصهيوني؟! هل أصلا خطة تفجير مفاعل ديمونة خطة منطقية؟ ألن ينتج عن هذا التفجير تسرب إشعاعي سيقضي على الفلسطينيين والمحتلين معا؟! أرى أن نهاية الرواية جاءت على عجل، وهي بحاجة إلى تعديل وتفصيل حتى تصبح أقرب إلى الواقعية.
هذا وقد تم وصف (مارتن)، صديق حنظلة، في أكثر من موقع في الرواية بـ”الأسود” وفي هذا نزعة عنصرية تؤخذ على الرواية، فمن غير المعقول أن نعيب على العدو الصهيوني عنصريته، ثم يصدر منا ما يحاكي عيوبه. كما أنه من غير المعقول أن نهين (مارتن) عن طريق الاشارة إليه بلون بشرته والرواية تقول غير ذالك فهي تصور (مارتن) الأمريكي كصديق وحليف ونصير للقضية الفلسطينية. كان من الأفضل أن يشار إلى (مارتن) بأنه: أمريكي من أصول أفريقية، أو ببساطة ذكره باسمه: (مارتن). وهذه بعض من الأمثلة التي تكرر بها مخاطبة مارتن بلونه لا باسمه: “لم يبال حنظلة بكل ما قاله صديقه الأسود”، (نفس المرجع: 26). “أنت تتحدث بعقلك أيها الأسود بينما أنا أتحدث بقلبي”، (نفس المرجع: 24). “وجهك نحس أيها الأسود”، (نفس المرجع: 178).” أتعلم أيها الأسود سأبوح لك بشيء…”، (نفس المرجع: 182).
أما الموضوع الأكثر خطورة في هذه الرواية فيتمثل في معالجة موضوع السجينات الفلسطينيات في سجن الاحتلال. لقد عرضت الرواية قصص واقعية لما تتعرض له الأسيرات، لكن كما أن هذه الوقائع تفضح المحتل وتنزع عن وجهه قناع الإنسان المتحضر الديمقراطي الذي يروج له في جميع أنحاء العالم، إلا أن هذه الممارسات التي عرضت في الرواية قد يكون لها صدى ووقع آخر على القارئ. فهل ما تم عرضه من أذى نفسي ومعنوي سيشجع المرأة الفلسطينية على مقاومة العدو أم سيزرع الخوف فيها مما قد تتعرض له حال اعتقالها؟ سؤال استفهامي بحاجة إلى بحث ودراسة، أود أن أورد هنا بعض الاقتباسات من الرواية التي تطرح هذا التساؤل: “أمروها أن تخلع ملابسها، انزلقت نظرات الجنود فوق جسدها العاري”، (نفس المرجع: 129). “عوى الذئب الذكوري فأقدم على افتراسها، بركة دم أسفل عجيزتها…لم يكن من عوى ذئبا واحدا، لم تصرخ أو تحاول الانفلات، هي فقط غابت عن الوعي فكف االمفترس…”، (نفس المرجع: 130). ” فركت عيني، نفضت بقايا النوم منها، صرخت مرة أخرة، لقد انتحرت”، (نفس المرجع: 132). هذا مشهد تتعرض فيه إحدى الصحفيات الفلسطينيات الأسيرات لاغتصاب جماعي من قبل الجنود الصهاينة ثم تنتحر. وفي حادثة اغتصاب أخرى هنالك وصف مفصل لحادثة اغتصاب متكرر لأسيرة حاولت قتل ضابط صهيوني، والوصف احتل فقرة طويلة تبدأ بـ”سحبت جسدها بخطوات متدحرجة نحو فرشتها، سارت بجسد واهن، باعدت بين ساقيها كأن شيئا يشدهما بعيدا عن بعضهما….سمعنا بعد أيام… بأنها اغتصبت، وأسقطت عدة مرات، قالت ذات مرة، إنني امرأة مهترئة…” (نفس المرجع: 89-90)، وفي حادثة تهديد مقبولة بالاغتصاب نقرأ ما يلي:” أدخل أحدهم يده داخل صدرها، هرص ثديها، صرخت…” (نفس المرجع: 144) لا أحد يمكن أن ينكر هذه الجرائم، لكن السؤال الذي يُطرح هنا هل تصوير هذه الجرائم بهذا الشكل يخدم مشروع المقاومة أم يثير الهلع في صفوف المقاومات؟! أرى شخصيا أن التلميح في هذه المسائل أبلغ من التصريح وذكر كل هذه التفاصيل التي قد تلطخ قدسية الموضوع بصور تقترب من الإباحية.
حنظلة رواية تحمل في جعبتها الكثير، رواية تستحق أكثر من قراءة لتحلل تحليا مستفيضا. نجحت الرواية في هز مشاعر القارئ واستفزازه إيجابا أحيانا كثيرة وسلبا أحيانا أخرى. رواية طرحت كثيرا من الأسئلة المسكوت عنها والتي لا زالت تبحث عن أجوبة.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

316608825_1322033408639170_7988664176024099827_n

بيت الشعر بالشارقة يفوز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل

خبر فوز بيت الشعر بالشارقة بيت الشعر بالشارقة يفوز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل أعلن الأمير …