الرئيسية / الآراء والمقالات / عمر حلمي الغول يكتب : خلفية الاستدارة التركية

عمر حلمي الغول يكتب : خلفية الاستدارة التركية

عمر حلمي الغول

خلفية الاستدارة التركية

عمر حلمي الغول

خلال القرن الماضي شهدت تركيا استدارات حادة، ابرز التحولات الدراماتيكية جاءت في اعقاب انهيار وهزيمة الإمبراطورية العثمانية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى 1918، ونجم عنها صعود نجم مصطفى كمال اتاتورك، وامساكه زمام الامور في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، وفي تموز / يوليو 1923 الغى السلطنة العثمانية، واعلن ولادة الجمهورية التركية الثانية في 29 تشرين اول / أكتوبر من ذات العام، واستمر رئيسا لتركيا الجديدة حتى وفاته عام 1938. ونقل المجتمع التركي نقلة نوعية على كافة الصعد والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما فيها الابجدية، حيث تم تغييرها من الحرف العربي الى الحرف اللاتيني. ولم يبق شيئا على ما كان عليه زمن السلطنة العثمانية، وأسبغ على المجتمع الطابع الغربي الرأسمالي.

والمحطة الثانية التي شهدت اكثر من انعطافة، هي المرحلة الاردوغانية، التي بدأت مع تولي الترويكا: عبدالله غل وطيب رجب اردوغان واحمد داود اوغلو مقاليد الحكم في مطلع الالفية الثالثة وتحديدا عام 2002، وتبنوا برنامجا سياسيا يقوم على نظرية “صفر مشاكل”، التي وقف خلفها وزير الخارجية آنذاك، اوغلو، وكان بمثابة المنظر للمجموعة القيادية وحزب التنمية والعدالة. بيد ان زعيم الحزب اردوغان انقلب على رفيقيه تدريجيا، وازاحهما واحدا تلو الاخر. وادخل تركيا في كم غير مسبوق من التناقضات والخلافات الحادة مع كل الدول المحيطة، وتدخل في شؤون غالبية الدول العربية بدءا من سوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان ومصر مرورا بدول الخليج المختلفة وصولا لتونس والمغرب، وحدث ولا حرج عن التدخل في أرمينيا وأذربيجان، واليونان ودول اسيا الوسطى وايران، وتصدع العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي ومع واشنطن. الامر الذي نجم عنه تفاقم الازمات الداخلية الاقتصادية المالية، حيث انخفضت الليرة التركية الى مستويات كبيرة، انعكست على صعود نسبة التضخم في الاقتصاد التركي، وتلازم مع ذلك الخلافات الحادة مع أحزاب المعارضة، وحتى مع اركان حزبه نفسه، حيث خرج من رحمه اكثر من مجموعة وحزب، ومنها الحزب الذي شكله اوغلو واخرين باسم حزب المستقبل.

ومع تصاعد حدة الازمات، والخشية من نتائج الانتخابات القادمة العام القادم 2023، ولتدراك الاخطار المحدقة بكرسي الحكم قام الرئيس اردوغان بتدوير زوايا، واستدار تقريبا دورة كاملة، حيث عاد للمربع الأول، وجدد طرح شعار “صفر مشاكل”. ومد الجسور مع مص والسعودية والامارات وسوريا ولبنان ودول المغرب العربي ومع الاتحاد الأوروبي وواشنطن ودولة الاستعمار الإسرائيلية باستثناء اليونان، التي مازالت جبهة العلاقات الثنائية تشهد توترا حادا حتى اللحظة، وقد تتفاقم وتدفع الأمور نحو مستنقع الحرب بين البلدين.

وخلفية الاستدارة الاردوغانية لم تكن تغييرا لطموحات الرجل، الحالم بكرسي الإمبراطورية العثمانية الجديدة، وانما هي لحظة مؤقتة، وان قدر للرجل النجاح مجددا في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، فانه سيتراجع عن تصفير المشاكلوبالتالي الاستدارة لم تكن رغبة شخصية، وانما نتاج الضغوط والأزمات العميقة الداخلية والخارجية، وبعد ارتفاع نسبة التضخم، الذي يعتقد الخبراء الاقتصاديون بانها مع نهاية العام الحالي ستصل الى ما يزيد عن ال80%، مع انها في العام الماضي كانت اقل من ال20%، الامر الذي انعكس على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتركت ندوبا قوية في اوساطها، وتآكلا كبيرا في مستوى الدخل الفردي والعام، وبالتالي انخفاضا ملموسا في مستوى المعيشة، مما اثر ذلك على مكانة الرئيس رجب طيب اردوغان.وحزبة التنمية والعدالة، خاصة وان اقطاب المعارضة توحدوا لهزيمة الزعيم المسكون بكرسي الحكم، واتخذوا العديد من التدابير المشتركة لاقصاء الرجل عن الرئاسة.

كما ان دول الجوار وخاصة في أوساط الدول العربية لم يعودوا يثقوا بما يرفع الرجل من شعارات وتحديدا شعار “صفر مشاكل”، لانهم دفعا ثمنا غاليا نتاج سياسة الرئيس التركي، وعانوا من الاردوغانية كثيرا، وباتوا يعرفون جيدا اطماعه في فرض الهيمنة التركية على شعوب ودول الامة العربية. وهو ما يعني ان الاستدارة الحالية لن تثمر، وستكون بمثابة حمل كاذب، ولعل ما حمله بيان مجلس وزراء خارجية الدول العربية الرقم 158 الصادر امس الخميس الموافق الثامن من أيلول / سبتمبر الحالي يعكس هذه الحقيقة.

وبالنتيجة فإن سياسة الفهلوة، والرقص على كل الحبال لن تجدي نفعا، لا بل ان ارتداداتها قد تكون حادة وقاسية على الرئيس التركي وحزبه. وان حدث ونجح في الانتخابات القادمة (وهو افتراض ضعيف) فانه يعود لحدوث تطور مفاجئ، او نتاج العبث بصناديق الاقتراع. وبالتالي اعتقد ان حكم الاخوان المسلمين في تركيا يتجه نحو الافول والاضمحلال.

oalghoul@gmail.com

a.a.alrhman@gmail.com

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عمر حلمي الغول

عمر حلمي الغول يكتب : اميركا وراء إرهاب إسرائيل

اميركا وراء إرهاب إسرائيل عمر حلمي الغول لا اعتقد ان من استمع لردود الفعل الأميركية …