الرئيسية / الآراء والمقالات / رهف حسونة يكتب : لماذا لم تنتهِ الحرب؟!

رهف حسونة يكتب : لماذا لم تنتهِ الحرب؟!

20220810_1660110665-397-avatar

لماذا لم تنتهِ الحرب؟!
رهف حسونة
 
المشهد الأول:
بدأت الحرب في 27 ديسمبر 2008، قُبيل دقائق من تقديمي أول اختبار نهائي في مرحلتي الإعدادية الأولى – اختبار اللغة العربية، ويقولون إن الحرب انتهت، وبدأت أخرى وانتهت أيضاً، وبدأت واحدة وانتهت، وأخرى وانتهت، وواحدة بعد وانتهت!.
 
هكذا أعلن السياسيون، وقال المذيعون وكتب الصحفيون، ولكن منذ 27 ديسمبر 2008 لم أشعر بأن الحرب انتهت.
 
المشهد الثاني:
لا مشاهد أخرى هنا، فكل المشاهد تعيد ترتيب نفسها للعرض مرات كثيرة، حلماً وواقعاً، في أوج حالات التركيز وفي كل حالة شرود ذهني، لتخبرني بأنها هي الحرب لا تزال مشتعلة.
 
فإن انتهت الحرب، ماذا عن إعادة مشهد هروبي من المدرسة تحت وابل من الصواريخ إلى المنزل قبل ١٤ عاماً؟ وعن مشهد تطاير المنازل كقطعة بسكوت هشة أمامي في حرب ٢٠١٢؟ وعن مشهد الاختناق بالغاز في حرب ٢٠١٤؟.
 
ملحوظة: إعادة المشاهد هنا لا تعني الجلوس على أحد كراسي السينما والاستمتاع بأكل الفشار، بل هي أشبه بإعادة خوض التجربة مراراً على خشبة المسرح بكل عناصرها وواقعيتها.
 
فإن انتهت الحرب، لماذا يسكنني الخوف من أصوات الطائرات العابرة ومن أصوات الأبواب المغلقة بقوة ومن أصوات بكاء الأطفال ومن أصوات الرعد ومن الإضاءة الحمراء الساطعة؟.
 
استشعار الحرب
تجربتي الأخيرة مع العدوان على غزة خلقت لدي تساؤلا خياليا، لربما يكون مادة دسمة لأفلام الخيال العلمي، فقبل أن تبدأ بوادر الحرب الأخيرة، بدأت كوابيس الحرب تلاحقني في كل ليلة بأبشع صورها؛ وانهالت عليّ ذكريات الحروب كسيل جارف ليل نهار بصورة غير اعتيادية، ليأكلني الخوف والارتياب.
 
وبعدها بدأت الحرب، ليبقى السؤال هنا: هل اكتسبت أجسادنا وخلايانا – مع كل هذه الحروب – القدرة على استشعار الحرب وتخلق لدينا حالة من الخوف والشك وتنسج الأحلام لتحذرنا من المستقبل الحتمي؟.
 
الحرب ذاكرتي
 
إن لم تقتلنا الحرب، تقتلنا الذاكرة، الحرب تسكنني وتعيش فيَّ وأعيش فيها، فالحرب ذاكرتي، لا أستطيع الهروب من أي إجابة عن تفاصيل حياتي دون أن تكون الحرب مقترنة اقتراناً كلياً كتوأم سيامي في كل لحظة من لحظات حياتي الحاسمة.
 
فكيف لي أن أنسى بداية مرحلتي الإعدادية وارتباطها بحلم الصحافة دون ذكر حرب ٢٠٠٨-٢٠٠٩، وكيف لي أن أنسى أول غرزة حياكة صوف لي لأنها كانت خلال نهار حربٍ تحاول أمي فيه جمع أفكارنا في غرزة قد نكملها أو نموت قبل ولادتها.
 
وأذكر يوم ولادة أول حفيدة لنا “فاطمة” في ليلة كانت الصواريخ شعارها، وأذكر ليلة اختبار الجغرافيا للثانوية العامة حين لم يغريني القصف للتوقف عن الدراسة.
 
وكيف لي أن أنسى ساعة نتيجة الثانوية العامة (التوجيهي) بنسبة ٩٨.٨٪؜، أذكرها لأن الفرحة التي طالتني وأهلي لم يُكتب لها أن تخرج من باب بيتنا، أذكرها لأن الزغاريد لم يُكتب لها أن تخرج من بين الأحبال الصوتية، أذكرها لأنه كان بيننا شهداء لأن صوت الموت والحرب كان أعلى من أن يسمح لفرحتنا بالعبور ولو حتى عبر أسلاك الهواتف.
 
وأذكر بعد مرور شهر بالضبط على بداية عملي حين بدأت مسيرات العودة وارتقى شهداء وتمزقت أطراف شباب غزة.
 
وأذكر كل الاختبارات التي تأجلت في الجامعة، لأن تصعيدًا ما وفي ليلة ما حسم أمر (تعليق الدوام الجامعي غدًا وتأجيل الاختبارات).
 
وأذكر قبل حفلة تخرجي بيوم كثيرًا، فرحًا بكل تأكيد ولكن، كان هنالك تصعيد ليلي على غزة.
 
وأذكر يوم خطبة ابنة عمي، يوم هربت ذكرياتي في مركز سعيد المسحال الثقافي ويوم أُصيبت الموسيقى بالبكم ويوم مات المسرح في غزة، وذكريات بلا نهاية.
 
مشهد مستجد
في الغربة، يحاصرنا الخوف مئات المرات في الثانية الواحدة وتصيبنا (متلازمة الهاتف)، إذ لا يمكن لجلسة أصدقاء أو عمل أو محادثة عابرة أن تفصلك عن هاتفك لمتابعة الأخبار ثانية بثانية خوفاً من أن يضيع منك خبرٌ ما وخوف على أهلك وأصدقائك موزعين على قطاع غزة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
 
في الغربة تصبح كل الأسماء واحدة والوجوه واحدة والأماكن واحدة، رماديةٌ هي الحياة، واضحٌ هو الموت.
 
إن أكثر ما يؤلم في معادلة الغربة هذه أننا في غربة جسدية فقط، القلب هناك والعقل هناك والحواس هناك والذكريات كلها صُنعت هناك وتأخذنا إلى هناك، لنبقى عالقين هناك.
 
في الغربة، يحاصرنا الشعور بالعجز والانفصال عن الواقع وعدم الارتباط به، إذ تجد نفسك في الصباح مجبراً على ممارسة حياتك الطبيعية وأن تتعامل مع أناس ربما لم يسمعوا بغزة من قبل، وأن تنجز مهامك الوظيفية وأن تكون عنصراً فاعلاً بعقلٍ لم يعد هنا، بل هناك! فكيف أمضي وأنا هناك؟ ففي الغربة أجسادٌ بلا أرواح.
 
حرب غير منتهية
قد تنتهي الحرب، لكن حروبٌ كثيرة لا تنطفئ نيرانها ولا تبردها الأيام، حروب تعيش في ذاكرة ووجدان كل من عاش حرباً وذاق منها ما ذاق من خوفٍ وفقدٍ وألم.
 
قد تنتهي الحرب، لتبدأ معها حروبٌ أخرى نركض فيها وراء قطار الحياة الذي فاتنا ونحن عالقون في الحرب، حروبٌ تجبرنا على الحياة، حروبٌ تجبرنا على محاولة التأقلم والاندماج، حروبٌ لا ندرك بدايتها جيدًا وندرك ألا نهاية لها لأننا نعلم بأنها نحن.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

رئيس تحرير افاق الفلسطينيه

علي ابوحبله يكتب : مطلوب من القوى والفصائل الفلسطينيه تحمل المسؤوليه التاريخيه للتصدي للاستيطان والضم

مطلوب من القوى والفصائل الفلسطينيه تحمل المسؤوليه التاريخيه للتصدي للاستيطان والضم      المحامي علي …