الرئيسية / تحقيقات و حوارات / مسلسل “جزيرة غمام” رؤية تحليلية

مسلسل “جزيرة غمام” رؤية تحليلية

bf6d41ef

مسلسل “جزيرة غمام”  رؤية تحليلية

279583640_1130159097528101_3195431264236160651_n
فلسطين  / الصباح / المخرج الفلسطيني  عبد السلام ابوندا يكتب :
وصل الكاتب عبد الرحيم كمال في حلقات “جزيرة غمام” الى قمة النضج في قراءته لواقع الصراع الصهيوني العربي ، و بعيدا عن التبسيط في فهم المسلسل الذي وصل اليه بعض النقاد حين اختصروا فهم اسقاطات المسلسل على اساس ترجمتها بانها تتحدث عن “علاقة الناس بالدين و التدين” فقط ، بينما المعنى الاسهل و الاقرب لكل الروافد الدرامية و الاسقاطات كانت اكثر وضوحا في تفسيرها لطبيعة الصراع الصهيوني العربي. جاء هذا النضج نتيجة استخدام الكاتب لمعادلات درامية غنية بالترميز و الدلالات التي عبرت عن ردود فعلية لمسلسلات درامية رمضانية للسنوات الماضية ، قامت على انتاجها وبثها قنوات خليجية هدفت الى كي الوعي العربي لكي يصبح مؤهلا لقبول تطبيع مع “طرح البحر” يهود الحركة الصهيونية الذين جاؤوا بحرا الي شواطئ فلسطين، ولهذا كانت مدلولات المسلسل و اسقاطاته نتيجة تجارب الكاتب الباحثة عن تمرير بث جزيرة غمام علي نفس تلك القنوات التي كانت سترفض بث المسلسل عليها لو استشعرت ما ذهب اليه الكاتب في ترميزاته التي تركها تسبح في اللاوعي الهائم للمشاهد، معتمدا على براعة في الوصف و التحليل، تلك البراعة التي تقال بها الاشياء الصعبة و المعقدة ، وفي استخدام البساطة الصوفية و فكرتها كي تعمل على قلب الواقع المباشر الى خلوة الصوفية العابدة و التي جسدتها شخصية “عرفات” التي لعبها الفنان المبدع احمد امين.
ذهب عبد الرحيم كمال في رحلة وقاية تقي الشعب المصري من اي تطبيع محتمل حينما استخدم اللهجة الصعيدية في “جزيرة غمام” و سبح في غمار الافاق الواسعة للزي و العادات و التقاليد الصعيدية فكان رداء القصة “امثولة رمزية” ارتدت حلة مصرية شعبية ! كيف لا يذهب الكاتب لذلك و هو يعلم ما الذي يعنيه الصعيد للمصريين و ما الذي تعنيه مصر للوجدان العربي، فمغزى الحكاية قدوم الغريب الذي جاء و احسن اكرامه اهل الارض رغم تحذيرات و عدم رضى البعض حينها و استغلال هذا الغريب “اليهود الصهاينة” التي رمز اليهم “طرح البحر” لكل الاساليب الملتوية و اللا اخلاقية التي افرزت نتائج مرعبة على كل المستويات لينتهي المطاف بالضيف الصهيوني صاحب ارض، و يصبح صاحب الارض ضيفا!
 
ذهب الكاتب في تسميته لمكان القصة الى رمزية الغمام الحاجب للنور، حيث الرؤية الضبابية و اكد المخرج ذلك باستخدامه الصورة النهارية و الليلية الملبدة بالغيوم و التعتيم ، فنقلت لنا جوا ملتبسا وضعتنا من خلاله في واقع صنعه خيال الكاتب ليصل بنا الى حقيقة الاسقاط الفني المقصود للواقع المرير في الصراع الصهيوني العربي، و لكي يقود تفكيرنا في لاوعينا الى جوهر الصراع بين الرموز المنتقاة ، و يجعل منها معادلا لواقع نعيشه في هذا الصراع الاساسي مع الحركة الصهيونية، الذي جسده الخط الدرامي الاساسي للمسلسل و الذي قام على تغذيته خطوط درامية فرعية، جسدت اعمدة درامية فرعية في صراعات ثانوية بين مكونات الطرف الواحد احيانا ، و الطرف الاخر احيانا اخرى، فورثة “الشيخ مدين” الذين جسدهم عرفات الصوفي و محارب المتشدد المتطرف و يسري رجل دين البلاط صاحب التيسيرالمفرط.
الخط الدرامي الثانوي الاخر تمثل في صراعات الباطل الذي جسدته شخصية “بطلان” و اصاحاب الثروة الاخرين و شخصية “عجمي”صاحب الشخصية الرمادية، فهو العارف للحق و لكنه يصب اهتمامه للبقاء في السلطة ، فكانت شخصية جسدت ترميزا لكل القيادات العربية التي اعتمدت الانتهازية و القوة و البطش للاستمرار في الحكم على اعتبار انها ارث ممتد لها ومن حقها فقط و ليس لغيرها.
الخط الدرامي الرئيس تمثل في الصراع بين “خلدون” الذي تزعم مجتمع “طرح البحر” الذي نراه ترميزا واضحا ومدلولا للحركة الصهيونية القادمة بيهودها عبر البحر، تحملهم سفن ما بعد الحرب العالمية الثانية التي وصلت الى فلسطين، فخلدون يريد البقاء على الارض وان يحوّل الارض الى ملكية خاصة به وله، بقاءه ارتبط بقدرته على محاولاته الدائمة على تدمير كل ما على الارض عبر اصراره على التقسيم و وضع الجدران الفاصلة بين اصحاب الارض (جدار غمام البحرية و غمام القبلية) و اشعال كل انواع الفتن بينهم، مستخدما كل اساليب التفريق و التلاعب بهم و بعقولهم، فذهب لتجنيد محارب المتدين المتشدد المتطرف الباحث عن المال و السيطرة بالقوة و “يسري” المفرط و رجل دين الحاكم الضعيف المستكين الانتهازي الذي ورث مبنى المؤسسة الدينية التي اصبحت دارا له “دار الشيخ مدين” . بل استطاع “خلدون ان يضع الحاكم العربي التي تجسدت في شخصية “العجمي” تحت تهديده لدرجة انه كاد ان يتزوج ابنته بعد ان قام بفضح تاريخه و فضح اسرار كل سكان جزيرة “غمام” و بعد ان قادهم الى صراعات ادت فيما بينهم الى صراعات و قتل واصبح بعد ذلك قائما على فرض شروطه بل وصل الى اعتلاء منبرهم الديني في الصلاة ليصبح الامر الناهي، و لم يستطع احدا مواجهته سوى زوجة “عجمي” (وفاء عامر) الاولى المطلقة، التي جسدت حيثية الارض و الوطن الرافض لكل ما يجري من قبله كغريب من ناحية و من قبل اهل القوة و الحكم في الجزيرة من ناحية اخرى.
في الخط الدرامي الرئيس وفي غياب قهري ل شخصية “عرفات” ترميز مباشر لاسم زعيم الشعب الفلسطيني و ثورته استطاع “طرح البحر” ان يجعل من جزيرة غمام الموقع (فلسطين والوطن العربي) ان يؤسس لمجتمع منقسم متناحر على المستوى الاقتصادي و السلطة و الاجتماعي الذي افسح المجال الى سيطرة “خلدون” و شعبه “طرح البحر” بينما لم يستطع اكمال سيطرته على “عرفات” صاحب الفكرة القائمة على الحب التي قام بتلقينها لاطفال جزيرة غمام في اسقاط واضح و ترميز ملهم لفكرته الجامعة الباحثة عن انهاء كل الصراعات الثانوية بين اهل الجزيرة و اصحابها لابقائها وحدة اجتماعية واقتصادية و سياسية واحدة يلتف حولها كل اهل جزيرة غمام لتعيد الى اذهاننا الفكرة الوطنية العروبية التي وحدها اخرجت ملايين الناس خلفها لتلتف حولها عاملة الى هدم جدران الفرقة المكانية و الزمانية، و لتصبح هي الية الانتصار الوحيدة القادرة على ايقاف الحركة الصهيونية الخلدونية لاستعادة كامل ارض غمام بما فيها الارض التي نزل عليها “طرح البحر” كمجموعة غريبة عن الارض لم تهدف يوما الا الى السيطرة على غمام دون كلل او ملل.
 
بسط الصوفي “عرفات” فكرته و تكلم بصدق واضح في اكثر من مكان و مناسبة بانه لا يعرف الغيب و لا يتعاطى بالشعوذات و الفلسفات و كل ما تكلم به لسكان الجزيرة سوى حقيقة الواقع و تكلم مع اطفال الجزيرة (الشعوب العربية) بمفهوم الحب البعيد عن الحقد و الكره و ان جل ما يجب ان يقود الانسان هو الحب و الاخاء و التسامح بين ابناء الوطن الواحد، مما اعطاه قدرة كبيرة على التجييش للفكرة القائمة على الاساس و القاعدة، بينما لا يناقش التفاصل التي اعتقدت شخصيات المسلسل بانها اسرارا امتلكها قائمة على الغيبيات و الكرامات اللا منطقية التي شدت الجميع للايمان به.
من هنا جاءت الفكرة العرفاتية للفكرة لتعدل الهرم المقلوب ، لا تنكر الصراع مع القادم الغازي الطامع ، فلا تنكر الطريقة و الالية الواجب اتباعها لمواجهة هذا الغازي بل تذهب للتأسيس لمجابهة شره و اطماعه عبر الانسجام بين المجتمع صاحب الارض وهم في هذا الترميز (العرب و الفلسطينيين) باستخدام اسقاط كل اوجه الصراعات الثانوية بينهم و بترسيخ وحدة اجتماعية اقتصادية في بوتقة سياسية واحدة لكي تكون قادرة على استرجاع ما ضاع و مجابهة جماعية للغازي الطامع (الحركة الصهيونية)
نقل الكاتب عبدالرحيم كمال من خلال شخصية عرفات أعقد الأفكار السوشيوسياسية ، ليصبح هدف الفكرة تجديد الارادة ومراجعة الحالة العربية، فلا يمكن ان يتحقق ذلك من فكرة الكمال و لكن من فكرة التغلب على الخلافات في البيت العربي الواحد او الفلسطيني و الذهاب الى فكرة الوحدة، حتى و ان كانت هناك خلافات قائمة على مصالح ذاتية في بعض الاحيان فالبحث عن التطابق غاية لا تدرك وليس من الضرورة بمكان ان تنتهي بشكل كامل و لكن لا يمكن ان تكون هذه الثانويات هي الاساس.
أما عرفات فأقصى ما يريده هو تجميع المتصارعين من اهل غمام ، لمنع “طرح البحر” من تحقيق هدفهم ، وان حالة عجزهم جاءت بعد ان تم ابعاده قسرا عن جزيرة غمام ، نتيجة لخطفه من قبل قطاع الطرق و نقله الى جبلهم في اسقاط واضح و جرئ لما جرى عام 1982 حين اخرجت منظمة التحرير الى دول الشتات و منها تونس في مؤامرة دولية لتجريده من حقة ، الا ان ذلك لم يدم كثيرا حتى عاد الى غمام و هي هنا فلسطين ، وما علاقته ب العايقة (العايقة) التي تنقل اسمها بين “العايقة” و “نور” الا ترميزا لوجه اخر متقلب من قيادات الحركة الصهيونية التي مالت في بعض الاحيان الى جانب الحق الفلسطيني عبر صراعها مع المتشددين من الحركة الصهيونية التي جسدتها شخصية خلدون الا انها لم تفلح في المشاركة بصلح دو ديمومة بين “طرح البحر” اليهودية الدينية و الفلسطينيين.
الكاتب عبد الرحيم كمال و مخرج المسلسل و نجومه جميعا كانوا جميعا في مسلسل “جزيرة غمام” نجوما حراسا على الدراما العربية في رمضان حين سقط فيه السواد الاعظم من الانتاجات الاخرى و التي كانت لا تستحق فلسا واحدا مما تم صرفه لها ، بل كانت مضيعة للمال و الوقت و الجهد و ما هي الا اعمالا ساقطة على المستوى الثقافي و الفني.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

IMG-20220519-WA0012

هيئة الإذاعةو التلفزيون الفلسطيني تشارك في المؤتمر الإعلامي الأول في إسبانيا

هيئة الإذاعةو التلفزيون الفلسطيني تشارك في المؤتمر الإعلامي الأول في إسبانيا  نجاح الصوراني إسبانيا شاركت …