الرئيسية / الآراء والمقالات / سليم النجار يكتب : لماذا فتح؟

سليم النجار يكتب : لماذا فتح؟

سليم النجار

لماذا فتح؟ 

سليم النجار

قطعت عني الجلبة مواصلة النوم، فغادرت مبكرّا نحو مدرسة عثمان بن عفان، كنت وقتها طالباً ادرس فيها مع أقراني الفلسطنيين الذين حُرموا من الدراسة صباحاً، لا لشيء إلا لكونهم لاجئين فلسطنيين، فكان العقاب الدراسة بعد الظهر والتي تبدأ من الساعة الثالثة إلا ربع حتى التاسعة مساء، كان عمري في ذاك الزمان لم يتجاوز الست سنوات، المدرسة كانت مطلة على بحر الفحاحيل، وعندما عدت مساء لم استطع الوصول بسهولة إلى بيتنا، إذ ضاق زقاق حارة سوق الصباح، ومازال مبكرًا على معرفتي.

مازلت أذكر كيف كنت اعلق نظري على وجه الأستاذ مشهور مدّرب الأشبال، وعندما استرجع صورته وهو يلبس بدلة الكاكي التي كان شكلها غريب علي، وحين عدت إلى والدي رحمه الله واستسفرت عن هذا الشكل الجديد للبدلة، فأخبرني بكل هدوء ان هذه البدلة لفتح، وقتها هذه الكلمة زلزلت كياني الطفولي الصغير، ووقتها لم اعرف السبب، كل ما عرفته فيما بعد، أننا اصبحنا أشبالا، نتدرب في حوش المدرسة، وصرنا نعرف بأننا لاجئين، لا وطن لنا وعلينا استرجاع ما سُرق منّا، وكان الاستاذ مشهور يُصر على تذكيرنا بشكل مستمر بضرورة الاهتمام بدروسنا، لأن العلم هو مفتاح نصرنا على من سرق وطننا.

 

مرّت السنين، وكبرنا وكبرت السنين معنا، وبسرعة وجدتني انحاز لقراءة المسرح، لسبب اعرفه جيدًا اننا كنا في الفحاحيل نعيش مسرحية الشتات، وبما أن لكل مسرحية نهاية كما لها بداية، وهذا ما حصل، كانت النهاية ان خرجنا من الفحاحيل الساعة الثانية عشر مساءً الى حدود العبدلي، مغادرا البلد الذي ولدت فيه وعشت طفولتي ومطلع شبابي، لا لشيء إلا لكوني فلسطيني، كانت هذه الرحلة الأخيرة التي لم ارى بعدها الفحاحيل، حتى كتابة هذه السطور.

وكثرت الأحاديث والمواقف عن سبب مغادرتنا كاللصوص، البعض قال أننا دفعنا ثمن موقف منظمة التحرير الفلسطينية المؤيد للعراق لدخوله للكويت وإعلانها محافظة تابعة للعراق، والبعض الأخر قال ان هذا سبب واهي؛ فالحقيقة أنه كان من أهداف هذه الحرب الكارثية هو التخلص من الفلسطنيين، الذين أصبحت أعدادهم كبيرة، ودولة كالكويت لم تَعدْ تتحمل هذا التواجد الكبير للفلسطنيين.

 

لكن كان هناك صوت خجول يتسرب بين أوساط الفلسطنيين وبإصرار عجيب أن فتح هي السبب لأنها دعمت العراق بشكل واضح، ولم تكترث لمصالح أكثر من نصف مليون فلسطيني متواجدين في الكويت، وغاب عن هذا الصوت أن فتح وقفت مع العراق ضد الأمريكان، ففتح حركة تحرر وطني فلسطيني، لا يمكنها بأي حال من الأحوال الوقوف بجانب أمريكا التي حوّلت مسألة دخول العراق للكويت إلى بورصة مالية جنت منها مليارات من الدولارات.

عادت بي الذاكرة إلى عشقي لقراءة النصوص المسرحية، التي اسعفتني لقراءة هذا الحدث الجلل، وعلى وجه التحديد ما قاله الكاتب المسرحي الألماني “أول شكل للأمل هو الخوف، وأول مظهر للجديد هو الرعب” وقبل أن أنهي قراءة سيرة هاينر موللر، كنت قد أدركت السبب، فالكاتب المسرحي الالماني الذي عاش معظم حياته في المانيا الشرقية ثم انتقل إلى المانيا الغربية قبل انهيار الجدار الشهير ، هذا الكاتب الذي عايش دكتاتوريتين -الشيوعية والرأسمالية- واتخذ منهما نفس المواقف النقدية.

 

وهكذا هي فتح اتخذت موقفاً نقديا من ماحصل في ما عرُف في الصحافة العالمية بأزمة الخليج، وهي تشاهد وتعي ماذا يجري للإنسان العربي الممزق بين إيمانه بالاشتراكية وبين ما يشهد من ارتكابات باسمها، وبين قبائل تَحكم شعوب، باسم الأصالة التي حّولتْ الإنسان الذي تحكمه الى وعاء لإستهلاك كل ما تنتجه الحضارة الغربية.

 

كما أن فتح أدركت أن طريق الدبابات واستحضار التاريخ وتجميد الزمن عند تاريخ وهمي لا يخلق وحدة، إن الوحدة العربية التي حصلت في عالمنا العربي هي حُكم قبائل باسم الدين، وحتى هذا الشكل تفسخ مع مرور الزمن، وانتشرت الإمارات، التي هي الأخرى حكمت باسم الدين، إنها عدوى اعتاد عليها العقل العربي عبر تاريخه.

وهنا اذكر ملاحظة المسرحي الكبير شكسبير يقول: “قليل من الدولة ينتج الملهاة، كثير منها ينتج المأساة”٠ 

أليس هذا ما حدث في أزمة الخليج؟ إن الدولة في العراق أرادت أن تتوسع وتصبح كبيرة، فتحولت إلى ماساة حلت ظلالها على العالم العربي، وما زالت تداعياتها المدمرة إلى يومنا هذا.

على أن الشهيد صلاح خلف اللاذع لم يبالغ في التهكم عل ما حدث بين العراق والكويت، وقال أن هذا الحدث أعاد القضية الفلسطينة إلى الخلف مئة عام. 

أليس ما حدث في الملهاة العربية يذكرنا بسخرية بريشت وتلدع مثل أفعى، في مشهد اغتصاب زوجة رأسمالي، لستَ تدري من هو المغتصب ومن هو ضحية الاغتصّاب، مع أن” أوى” يعتلي المرأة اعتلاء، الا اذ يخرج منها، ينتصب وقوفا وقد اختفى عضوه! تلك ذروة البُعاد البريشتي تقلب المعادلات رأسا على عقب: المغتصب مسلوب الرجولة، أو هو قد خسر عضو الرجولة عندما دخل فرج المرأة البرجوازية.

 

ليس المذنب مطالبا بأن يوقع قرار إعدامه بيده فقط، عليه أن يتعلّم أيضا كيف يموت، يموت وهو يتعلّم أو يهجر الثورة.

أرادت فتح حلا لإشكالية الغواية والشهوة لعقلية الغزو بكل تجلياته، حيث هذه العقلية العربية محمولة على أسنة الرماح يقاومه ضحاياه باسم الاستقلال والسيادة والحرية لتصاب بعمى الوضوح٠

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

نادرة هاشم حامدة

 نادرة هاشم حامدة: الذكاء العاطفي الانفعالي

 نادرة هاشم حامدة: الذكاء العاطفي الانفعالي حين نصف شخص بأنه محبوب وذو جاذبية كلامية مريحة،وأنه …