الرئيسية / متابعات اعلامية / محجوب عمر الطبيب والفدائي والمفكر النموذج للثائر العربي هكذا كنت أراه..!

محجوب عمر الطبيب والفدائي والمفكر النموذج للثائر العربي هكذا كنت أراه..!

smal3201217151722

محجوب عمر الطبيب والفدائي والمفكر النموذج للثائر العربي هكذا كنت أراه..!

محجوب عمر المصري، ومنى العرقان اللبنانية
ربما لا يعرف كثيرون “رؤوف نظمي ميخائيل عبدالملك”، القبطي المصري. ولكنه ذلك النوع من البشر الذي يترك أثراً كحلقات الماء تتسع من حول حجر تُلقيه في الماء الراكد، حتى “تندلع الأنهار”، كان يستخدم عبارات مثل “خدّام اللطافة”، ليصف نفسه، كما كتب عنه الياس خوري.
في آخر مشهد قبل أن يوارى الثّرى عام 2012، حمل شبابً في القاهرة في مصر، جثمانه على أكتافه، بعضهم تلفّع بالكوفيات الفلسطينية، التي كان يراها محجوب وهو يشاهد، ويودع، ويستقبل، الفدائيين الذين يلبسونها، وهم يدخلون للقتال في فلسطين.
في نقابة الصحافيين المصري أبّنه الإسلامي محمد عبدالقدّوس، بدأ يُبسمِل ويصفه بإنسان عزّ وجوده.
ظننته أخذ اسمه الحركي، محجوب عمر، إثر انضمامه للثورة الفلسطينية بعد هزيمة 1967، لكن اتضح أنّ هذا اسمه الحركي الذي ناضل واعتقل به في مصر. وظننته لُقِبَ “الحكيم”، بعد أن انتقل إلى بلاد الشام حيث يُلقّب الطبيب بالحكيم، كما هو الحال مع جورج حبش، مؤسس وقائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وإذا به ناله في الجزائر يوم ذَهب طبيباً يداوي جرحى ثورتها.
عمل طبيبا في مصر، حيث أزعجه مستوى طعام المرضى وتمرّد، أزعجه عدم نظافة المستشفى فأمسك الفرشاة وغمرها بالماء والصابون، وارتفع راكعاً يمسح الأرض.
جاء طبيبا فدائيّا إلى جنوب الأردن، يودّع ويُرشد المقاتلين في مهامهم عبر الحدود إلى منطقة الخليل، ويُعالج الأهالي، ويحظى باحترامهم. ثمّ كانَ طبيباً أديباً في مستشفى البشير، في عمّان، يكتب قصصاً إنسانية شفافة عن حياته هناك بعنوان “الأشرفية”. وقرأت بعض حلقاتٍ عن الأشرفية في جريدة فتح (1970- 1972)، ولكنه أصدر القصص في كتاب أو رواية (لم أعثر عليها). ولعلي أذكر هنا أنّ مجموعة من الأطباء والطبيبات المصريين الذين كانوا مع الثورة، يجب أن تسجّل تجريتهم، وبعض شذراتها تبعث في الجسد رجفات.
انتقل إلى قواعد المقاومة في طرطوس، شمال شرق سورية.
أخذ دور المفكر وهو يشترك في تأسيس مركز التخطيط في بيروت. وعندما احتار نبيل شعث كيف يُجيب على شفيق الغبرا (صديقي رحمه الله) الآتي ليقاتل الاحتلال، فيجد نفسه في حرب أهلية، أتي به له، فحدّثه من وحي كتابه “حوار في ظل البنادق”، واصطحبه في الثامنة صباحاً من اليوم التالي في سيارة قديمة، يحف بهما جمال لبنان، وخطر القتل على الهوية، وهو الحنطي اللون، ضئيل الحجم الذي يسهل اكتشاف أمره، فسلّمه إلى نعيم (عبدالحميد وشاح)، راعي الغنم السابق في فلسطين، القائد الخلوق لكتيبة “نسور العرقوب”. ونعيم كان أمّياً عندما التحق في الثورة، ولكنه برز قائداً مقداماً، وأصبح صديقاً مع د. حنا ميخائيل (أبو عمر) خريج هارفارد، فعلّمه أبو عمر القراءة والكتابة، وأصبحا أصدقاء، وفُقِدَت آثارهما معاً أثناء مهمة نضالية في البحر عام 1976، وحتى اليوم.
تركَ محجوب، شفيق، هناك في القمة بمواجهة مباشرة مع العدو، فهذا فقط ما قد يرضي الخريج الجديد من جورج تاون. أسرع مقاتلو العرقوب يومها لتحية محجوب، فقد أمضى معهم عاماً في الخنادق، ويسألونه كيف توجه البوصلة إلى الجنوب لتنتهي الحرب الأهلية في لبنان، ليكون المقاتل حيث يجب أن يكون؟
رفضَ بشدة إسكان الناجين من مجزرة تل الزعتر في مدينة الدامور المسيحية، حتى لا تتفاقم الحرب الأهلية. فشل مسعاه ولكنّه سجّل شرف المحاولة.
دفنَ رفيقه وصديقه الأثير القائد الخلوق جواد أبو الشعر تحت القصف.
كان يُصر أنّ كل فلسطين محتلة، ولا يُرضيه حل الدولتين. ساندَ الانتفاضة الأولى، وعاد ليؤسس لجنة مناصرة الانتفاضة في مصر، وليؤسس في صحيفة “الشعب”، عندما داهمه المرض.
أبّنوه في رام الله والقاهرة. في القاهرة تحدثَت زوجته منى عبدالله العاقوري، فـأخبرت الحضور القليل في نقابة الصحفيين المصرية عن ألواح الخشب في منزلهم، إذ كانوا يتركونها دون طلاء، يمررون القطنة عليها لتضيء وتلمع “سطور” الخشب، ويخرج منها النور. فتراهُ إنساناً إنسانا، بلا طلاء، سُطورا إنسانية وشرفاً وثورة ورأسا مرفوعة. قالت مُنى “أشكر فلسطين التي وهبتنا حياتنا”، وكثيرون يشكرون فلسطين لأنّها وهبتهم مثل محجوب، ومنى.
أتمّ الثمانين، فرأى الربيع العربي في مصر، قبل وفاته في شهر الربيع، آذار 2012.
يُغمض عينيه، ويحلم آخرون أنّ ُتزهر يوماً لمثله يافا، وأن يصله عطر برتقالها، ويقولون: لم تحن الخاتمة بعد.. سنكون يوماً ما تريد.
في عام 2017 توفيت منى، زوجة محجوب، يومها ذهبت صديقتي في القاهرة إلى بيتهم، في السيّدة زينب، صوّرته، صورت الصور في بيت منى ومحجوب، صوره مع خليل الوزير، وصوره مع الثورة.
عند وفاة منى، تلقيت أكرم دعوة، يمكن أن أتلقاها، رفاق ورفيقات، أخوة وأخوات، منى ومحجوب، وكان ذلك في شهر رمضان. أصحاب الوفاء، من الفدائيين القدامى، المستمرون، قرروا أنّه ليست منى التي تتوفى ولا يفتح لها بيت عزاء وتأبين في فلسطين. ولكنه لم يكن تأبيناً أو عزاءا تقليدياً.
في فندق صغير اسمه رتنو، وعلى حلقة موائد كبيرة، شكلت مربع أو مستطيل، جلس الفدائيون، يستذكرون منى، بإدارة الفدائي المحامي الكاتب حسن صالح.
كانت منى لبنانية مارونية، خالها كريم بقردوني، الذي أصبح لاحقاً قائد حزب الكتائب اللبناني، اليمني، القريب من إسرائيل. أحبّت فلسطين والتزمت بها، فقاطعها أهلها، وظلت على حب فلسطين. لم تكن مجرد فتاة، كانت دكتورة في الأدب الفرنسي، تعرّفت على محجوب في باريس، وأحبا بعضهما، ويقول نبيل شعث، عن منى ومحجوب “أعطته كل الحب والطمأنينة والحنان لآخر لحظة في حياته”.
تخبرنا صديقتها روز شوملي، عن منى “أنّها كانت من أسرة أرستقراطية، تحب قريبة لها، صغيرة في العمر، اسمها كارول، وعندما أصرّت على حبها لفلسطين وعملها لأجلها، منعتها عائلتها من رؤيتها. أحبت الناس وجعلت مساعدة اللاجئين في لبنان من أهدافها. ومن قصصها، أن نساء فلسطينيات أمّيات أردن دخول الثورة، ومنعهن مسؤول تدريب، لأنهن أمّيات، فجئن إلى منى يطلبن مساعدتهن ليتعلمن، وذهبت للخوري الماروني مكرم قزح، واتفقت معه أن يدّرب فتيات ومعلمات، ليصبحن معلمات محو أمّية، ويعلمن النسوة.
هذا الأب مكرم، فوجئت شابة فلسطينية مسيحية، عندما ذهبت له ليعمّد ابنها، أن الأب مكرم وضع في الكنيسة، في منطقة برج حمّود، طاولة عليها كوفية فلسطينية، عليها طلقة رشاش، وبدأ تلاوة كتابات رهبان أمريكا اللاتينية، الذين اشتركوا في الثورات ضد الطغيان، وأختار من الإنجيل آيات العدول والحرية.
يوما أرسل لي صديقي حسان بلعاوي يقول، عرفت الدكتور محجوب عمر في تونس في اقامته المتواضعة في حمام الشط في عام 1983 ، عندما رافقتُ والدي ]أبو الوطنية فتحي البلعاوي [للسلام عليه؛ “كان الدكتور محجوب عمر ، المصري الشيوعي ، رفيق سجن لأبي في مصر فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عندما كان والدي، من الاخوان المسلمين، وكان ينقل له رساله من قيادة الاخوان المسلمين لدرجة ان والدي اعتقد للوهلة الأولى ان الدكتور محجوب هو اخوان، فنبهه انه ليس فقط مسيحي بل شيوعي في موقف طريف، كان الاثنين يتندرون به”.
يكمل صديقي، عندما زار الدكتور محجوب غزة، أقام والدي على شرفه غذاء حضرة الكثير من الاخوة الذي رحل جزء كبير منهم الان، يكمل صديقي اه كم كنت اتنمى لو سجلت حديثهم”.
منى ومحجوب وغيرهم كثر مروا في هذه الثورة، ولولاهم ربما لما استمرت جذوة النضال.. وهم وجهها الإنساني.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

فايز ابو عيطة

سفير فلسطين بالجزائر يعلن عن مضاعفة المنح الجزائرية لطلاب فلسطين

الجزائر/ الصباح /  كتب الدكتور فايز ابو عيطة سفير دولة فلسطين في الجزائر  منشورا على …