الرئيسية / تحقيقات و حوارات / الشخصية العربية في عيون الاستشراق

الشخصية العربية في عيون الاستشراق

IMG-20220407-WA0073

الشخصية العربية في عيون الاستشراق

قراءة في كتاب “الأدب الصهيوني والاستشراق” للكاتب يوسف يوسف

ناهض زقوت

الكاتب والناقد/ ناهـض زقـوت

تناولت العديد من الكتب والدراسات رؤية الأدب الصهيوني للشخصية العربية الفلسطينية، أمثال غسان كنفاني، معين بسيسو، وهاني الراهب، ورشاد الشامي، وابراهيم البحراوي، وغانم مزعل، ووليد أبو بكر، وريزا دومب، وغيرهم. إلا أن هذا الكتاب يتميز بأنه يجمع بين الرؤية الاستشرافية الأوروبية وتأثيرها في الرؤية الاستشرافية الصهيونية. 

الكتاب الذي بين أيدينا “الأدب الصهيوني والاستشراق – التضليل والصور الاختزالية” للكاتب الفلسطيني يوسف صالح يوسف، الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر، عمان 2021، المقيم في كردستان العراق، وكتب الرواية والقصة، ومختص في الأدب الصهيوني، إذ صدر له قبل هذا الكتاب “أساليب السينما الصهيونية – بيروت 1980)، و”الأغيار في الثقافة اليهودية – دمشق 2000″، و”التزوير في الأدب اليهودي – دمشق 2000″ و”سيناريوهات العهد القديم – عمان 2014”. يطرح هذا الكتاب مجموعة من الأسئلة المثارة في المتن ويحاول الاجابة عليها: هل ثمة علاقة بين الاستشراق الصهيوني والاستشراق الأوروبي؟، وما مدى تأثر الاستشراق الصهيوني بالاستشراق الأوروبي؟، وما نظرة كلاهما إلى الشرق وخاصة العرب والمسلمين؟، وما الصورة التي رسمها الاستشراق الصهيوني للعربي، وهل توافقت مع الاستشراق الأوروبي؟، وما الأهداف التي ابتغاها الاستشراق الأوروبي من تشويه صورة العربي، وهل ثمة توافق بينه وبين الاستشراق الصهيوني في الأهداف؟. هذه الأسئلة وغيرها هي ما يحاول الكتاب الواقع في 170 صفحة الاجابة عليها. 

رغم أن العديد من الدراسات تناولت صورة الشخصية العربية في الآداب الصهيونية، كما ذكرنا، إلا أن ثمة تمايز في هذه الدراسة عن سابقاتها، من حيث تركيزها على المقارنة بين الاستشراق الاوروبي والاستشراق الصهيوني في نظرتهم للعربي، وآليات التأثير والتأثر لديهما، ولم تكتف الدراسة بتحليل النماذج الأدبية إنما تعمقت في سبر أغوار النصوص لاكتشاف أبعادها الدينية والتاريخية والاقتصادية في النظرة للعربي ورسم صورته القبيحة للقارئ اليهودي والغربي. كما تناقش وتحلل تلك الرؤى سواء من قلب الآداب نفسها أو بالاعتماد على مسوغات خارجية قدمت مسوغات انتقادية لهذه الكتابات الأدبية. 

لم يخف الباحث تأثره الكبير بكتابي ادوارد سعيد “الاستشراق” و”الثقافة والامبريالية”، لذا بدأ كتابه بمقدمة طويلة عن هاذين الكتابين، وإبراز تأثيرهما ومكانتهما في العالم الغربي، حيث كان ادوارد سعيد من أوائل الكتاب الذين اكتشفوا مدى العلاقة العميقة بين الاستشراق الأوروبي والاستعمار، وقدم نماذج من كتابات كبار الكتاب الأوروبيين الذي ساهموا في تشويه صورة الشخصية العربية لكي يسهل استعماره. ينقل الباحث رؤية محمد شاهين في كتابه “ادوارد سعيد – أسفار في عالم الثقافة” عن كتابي ادوارد سعيد قائلاً: “وإذا كان (الاستشراق) يكشف النقاب عن ممارسات المستشرقين الثقافية في خلق صورة مشوهة عن الشرق من أجل بسط الهيمنة الاستعمارية، فإن (الثقافة والامبريالية) يميط اللثام عن الكيفية التي استخدم الاستعمار بها ثقافته حصناً يساعد على استمرار هذه الهيمنة”. 

يشير الباحث في مقدمة دراسته إلى الدوافع التي دفعته إلى كتابة هذا الكتاب، ويعتبر أن الومضة أو الشرارة التي دفعته بقوة للكتابة هو ما قرأه في كتاب الباحث اليهودي “ادير كوهن” (وجه قبيح في المرآة) الذي يقول فيه: “لو ألقينا نظرة فاحصة على الصور التي وردت في القائمة .. لوجدنا أن الصفة السلبية للشخصية العربية تسيطر على هذه الدراسة، وأن معظم الكتب التي خضعت لهذه الدراسة وعددها (415) كتاباً، قد وصفت العرب بصفات سلبية مثل: الخيانة، الكذب والمبالغة، والمداهنة، والوقاحة، والشك، والوحشية، والجبن، والبخل، وحب المال، وسرعة الغضب، والتملق، والنفاق، والتباهي، والخبث”. كل هذه الصفات الذي ذكرها الكاتب الصهيوني لم تخرج عن رؤية استشراقية زرع بذورها الاستشراق الأوروبي منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للسيطرة على الشعوب العربية.

ويؤكد الباحث أن الهدف من الدراسة يتمثل برؤية تطبيقات الاستشراق وفحصها، وفي مقدمتها التي نراها في الأدب الصهيوني من حيث هو الآخر في اعتقادنا أدب استشراقي، لا يمكن اقصاؤه عن اهتمام المشروع الذي وضع قواعده ادوارد سعيد، حادي ركب التنويريين الباحثين عن أفضل السبل لمقاومة الهيمنة، ومقاومة سطوة المستعمرين في مختلف أشكالهم وألسنتهم وأماكن وجودهم. وانطلاقاً من هذه الرؤية كانت غاية الباحث ليس الكشف وحده عما قدمه الكتاب الصهيونيين من صورة سلبية للعربي، إنما اضافة ولو لبنة إلى بنية خطاب مقاومة الهيمنة في شتى أشكالها وأماكن وجودها. 

ولكي يصل الباحث إلى تحقيق رؤيته وترسيخ منهجيته، قسم كتابه إلى أربعة فصول: جاء الفصل الأول متحدثاً عن الاستشراق بين المصطلح والواقع، ويضم ثلاثة مباحث: مصطلح الاستشراق، والميثولوجيا البيضاء بين المتخيلين الاستشراقي والتوراتي، والصور الاختزالية الوقيعة والاختلاق. وتناول الفصل الثاني القراءة الطباقية والفرضيات الثلاث، وضم مبحثين: رافائيل باتاي – علامة أولى، والفلسطيني بين الواقع والمتخيل – علامة ثانية. وعبر في الفصل الثالث عن الاستشراق – فيدرالية التوراة، وضم مبحثين: بين الدراسات التوراتية والاستشراق، والحروب الصليبية – فيدرالية التوراة. وجاء الفصل الرابع والاخير متناولاً الشخصية العربية بين خطابين، وضم مبحثين: بين الخطاب ونقيضه – قراءة طباقية، ويزهار سيملانسكي – معطف الاستشراق.

إن الاستشراق موضوعة واسعة ومعقدة، وبالنظر إلى ما في خطابه من المرسلات، فإنه فضاء معرفي تتداخل فيه مناخات فكرية مختلفة، ومساحات ثقافية شتى، سياسية وعلمية واقتصادية ودينية، وتعد المساحة الدينية بؤرة تمركز الاستشراق وقمة اهتماماته. من هنا يعرف الباحث الاستشراق بأنه اهتمام الشخص بالشرق والدراسات الشرقية، حتى وإن لم يغادر موطنه نحو الشرق. ينصب اهتمام الحركة الاستشراقية على واقع الشرق وتراثه وحضارته وحياته العامة في مختلف جوانبها، ورغم أن الشرق يشمل كل ما هو شرق اوربا حيث المناطق الواقعة بين الصين والبحر المتوسط، إلا أن اهتمامهم الرئيسي على العرب والمسلمين أكثر من غيرهم. وكان هدف المستشرقين التقليل من قيمة الشرق خاصة العرب والمسلمين، وانكار ثقافتهم وحضارتهم، والادعاء بأصولها الاغريقية، كل ذلك بهدف تحقيق النظرية المركزية الغربية وتثبيتها لكي تتحول إلى حقيقة قائمة.

لم تكن أراء المستشرقين واحدة ولكن ثمة تباين في الرؤى والتطبيقات، ولكن جميعها تكمل بعضها البعض في فكرة الهيمنة والسيطرة. ويشير الباحث إلى تباين في الآراء حول الموقف من الاستشراق، ويبرز مختلف التوجهات الفكرية، بالإضافة إلى التباين بين نقاد الاستشراق، ويؤكد على رؤية ادوارد سعيد أن الاستشراق ذو هدف سياسي. في حين لم ينظر إليه الآخرون كذلك، بل كان في نظرهم استشراق بحثي، لهذا تناقض معهم ادوارد سعيد حين قال: تحول الاستشراق من حالة انشاء بحثي إلى حالة المؤسسة الامبريالية، بمعنى أنه أصبح أداة في يد الاستعمار للسيطرة على شعوب الشرق. واعتماداً على رؤية ادوارد سعيد الذي وجد في الاستشراق مؤسسة امبريالية يتمثل عملها على اسقاط ما في العقل الغربي على الشرق، إذن ليس هنالك على ألسنة المستشرقين حقيقة، وإنما فقط تصورات “تمثلات” بنتيجة هؤلاء في تشكيل الحقيقة وتشويه لها في آن، وذلك عبر اللغة والثقافة السائدة ومؤسساتها المهيمنة. 

يؤسس الخطاب الاستشراقي، كما يقول الباحث، على ثلاث فرضيات: فرضية الجلاد المقدس، وفرضية الشعب المختار، وفرضية الرسالة الالهية. وبهذه الفرضيات بالغ المستعمر في وحشيته تجاه الشعوب العربية والاسلامية. ويؤكد الباحث بأن ثمة علاقة بين ثيمة الشعب المختار كما رسمها المتخيل التوراتي، وبين السلالة المختارة في المتخيل الاستشراقي الأوروبي، ويرجع ذلك إلى تأثير التوراة في الفكر الأوروبي، فهذا الفكر يستمد ثقافته من معينين: التراث الاغريقي الروماني، والتراث اليهودي المسيحي، وذلك منذ لعب رجال الدين المسيحي دوراً في ترسيخ الميثولوجيا البيضاء من خلال دمج التوراة مع الانجيل في كتاب واحد باسم العهد القديم والعهد الجديد. من هنا لم تعد فكرة شعب الله المختار استحواذ يهودي قائمة على عقيدة الاستعلاء اليهودي، بل أصبحت عند الغربيين مرتكزا تقوم عليه فكرة العرق الاسمى. وحسب قول كيث وايتلام: “ينشأ الشخص الغربي العادي وهو يرتل منذ صغره التراتيل الدينية حول اسرائيل، وبيت لحم والناصرة، مما يعني صعوبة استئصال مثل تلك الأفكار من الضمير الغربي”.

وبتأثير من التوراة والفرضيات الثلاث قدم المستشرقون عشرات الصور الاختزالية عن الهنود الحمر، وعن الكنعانيين، وعن العرب والمسلمين، وكانت تلك الصورة هي استبدال للصورة الحقيقية في محاولة لذم الثقافة العربية والحط من قيمتها، وهم بذلك أرادوا صناعة تاريخ جديد يتوافق مع إرادة إله العبرانيين، ويعكس رؤيته تجاه الآخرين الذين يطلق عليهم الأغيار، وكانت تلك الرؤية مستمدة من عقيدة القدر المتجلي التي من خلالها سعى الاستعمار إلى إبادة الشعوب الأخرى بهدف السيطرة على العالم. 

ويخلص الباحث إلى أن مصطلح الاستشراق في العالم الغربي لم يكن مطابقا لما أنشئ من أجله كعلم، بل ذهب باتجاه مغاير إذ تبنى الايديولوجيا الاستعمارية، ومن هنا يؤكد أنه اعتباراً من أول مؤتمر للاستشراق عقد في باريس عام 1873م أن المستشرقين بقوا على حالهم في الغالب، ليسوا مجرد جواسيس للغرب في البلدان الشرقية التي يذهبوا للعمل فيها، وإنما هم في الأرجح بقوا أقرب ما يكونوا إلى ادوات في ماكينة المستعمرين، ومنحازين لأهدافهم واطروحاتهم على نحو واضح وبلا مواربة، والانحياز إلى ثيمة الميثولوجيا البيضاء. 

أما في مجال القراءة الطباقية وعلاقتها بالفرضيات الأوروبية الثلاث، يؤكد الباحث أن الاستشراق اليهودي ظهر قبل اتفاقية سايكس بيكو وقبل وعد بلفور، وذلك من خلال رواية (تانكريد) للكاتب اليهودي “بنيامين دزرائيلي” التي كتبها في العقد الخامس من القرن التاسع عشر، وتناول فيها قيمة الحلف بين اليهود الراغبين في العودة إلى فلسطين، وبين بريطانيا الاستعمارية الراغبة في السيطرة على تلك المنطقة.

يأخذ الباحث كتاب (العقل العربي) للكاتب الصهيوني “رافائيل باتاي” ليؤكد من خلاله علاقة الخطاب اليهودي بالاستشراق الأوروبي، وعلى وجود مستشرقين يهود في اطار المنظومة الاوروبية، فهذا الكتاب قائم على التفريق والمقارنة بين العقل اليهودي والعقل العربي، وقد اتكأ الكاتب في كتابه على العديد من المبررات والذرائع لشرعنة عملية احتلال فلسطين، ولم يخف باتاي انحيازه الكامل لبني جلدته اليهود بمديح عقلهم تارة، ووضعهم في قمة ترتيب هرمي لمراتب البشر في تارة أخرى، ولا يتوقف عن الهجوم على العقل العربي. كما يتواقف في رؤيته مع دزرائيلي في استعمار فلسطين، على غرار ما قام به خطاب الاستشراق الأوروبي لتمهيد الطريق أمام المستعمرين الغربيين لاحتلال بلاد الشرق، وجميع هذه الفرضيات والذرائع هي سياسية بالدرجة الأولى. 

لقد قدم الخطاب الاستشراقي الصهيوني العديد من النماذج التي تؤكد على اعجابه بالنموذج الاوروبي، فهو مؤمن بهذا النموذج المتحضر، كما جاء في رواية (تمير) للكاتب اليهودي “أمنون شموش”، حيث يرى في تمير نموذج الدولة القادمة، وعلى اليهود داخل الدولة وخارجها التمركز حولها والاقتداء بها.

يشرح الباحث بإسهاب التمازج بين الديانتين اليهودية والمسيحية في نظرتهما للأرض المقدسة، وضرورة بناء الهيكل حيث سينزل المسيح ويباشر دعوته من الهيكل. وذلك بعد تغير الفكر المسيحي الذي كان ينكر كل شيء على اليهود، حتى أنه لم يكن يعترف بوجود أمة يهودية، ولا ما يسمى الشعب المختار أو أرض الميعاد، وكان التغيير بعد حركة الاصلاح الديني التي انتجت المذهب البروتستانتي الذي عمل على خلق التوافق المسيحي على الدلالات اليهودية نحو القدس، وتبني جميع الافكار اليهودية المرتبطة بأرض الميعاد. وكانت مسرحية (ناثان اليهودي) للسينغ تمثل قمة التسامح الديني بين اليهودية والمسيحية، واتفاقهما على تحرير القدس من العرب والمسلمين، باعتبارها حقيقة إلهية يجب العمل على تحقيقها. وبعد هذا التقارب تلاشت صورة اليهودي الجشع المرابي القبيح، لتحل محلها صورة اليهودي الوديع الهادئ الذي يساعد الآخرين، والذكي، والمثقف، والديمقراطي، والمحب للحضارة والقيم الغربية، والمبشر بقيمه الراقية، والحارس لمصالحه.

يذهب الباحث باتجاه تفكيك الخطابين الاستشراقي والصهيوني، والكشف عما فيهما من علامات التناص والتشاكل، ومعرفة حدود التداخل بين الموجهات، وفي أولها الموجه الديني، وكذلك معرفة طبيعة نظرة كل منهما إلى الاخر العربي. ثم يحاول الذهاب باتجاه المطابقة بين المسوغات في الاحتلالين الانجليزي للهند، واليهودي لفلسطين، فنرى الكثير من التطابق بينهما، على أساس منظور لاهوتي مستمد من العهدين القديم والجديد. 

يرى الباحث أنه ومنذ أن قسم هيغل العالم إلى شرق وغرب، أصبحت ثنائية الشرق والغرب ضمن أدبيات الاستشراق وقائم على أساسها، ومنها انطلقت ثنائية اليهودي والعربي التي سيقوم عليها الاستشراق الصهيوني، وقد اتفقت الثنائيتان على جعل العربي محور فكرهما ورؤيتهما، فالعربي في الاستشراق هو نفسه في الفكر الصهيوني، لذا تشابهت الصورة الاختزالية للعربي لدى كليهما. فالعربي في الاستشراق متخلف، ساذج، محروم من الحيوية والقدرة على المبادرة، مجبول على حب الاطراء الباذخ، وكذاب، كسول، سيء الظن، قاسي وجلف، فوضوي، لم تختلف تلك الصورة عن روية عاموس عوز وموشيه سيملانسكي بأنه بدوي وراعي ابل وساكن صحراء قاحلة. 

في الرؤى التطبيقية يتناول الباحث العديد من الروايات والقصص لكتاب يهود عكست صورة العربي، ورؤيتهم له. من تلك الأعمال الأدبية: رواية (خربة خزعة)، وقصة (الأسير) ليزهار سيملانسكي، ورواية (في مكان آخر، ربما) لعاموس عوز، ورواية (اكسودس) لليون أوريس، وقصة (جميل)، وقصة (في النقب) لموشيه سميلانسكي، وقصة (الينبوع) لجيمس متينشر، وقصة (الكنز) لاهارون ميجد، ورواية (الطريق إلى عين حارود) لعاموس كينان، وقصة ( العشب الأحمر) لبنحاس ساديه.

يؤكد بعد دراستها وتحليل مضمونها أن الأدب الصهيوني يمتاز بالديماغوجيا التي يحملها، وابتعاده عن الصدق ومجافاة الحقيقة، ومحاولة اختلاق واقع وتاريخ لا وجود لهما في المنطقة، معتمداً على نفي الوجود الفلسطيني، وبالتالي نفي كل مكوناته الحضارية والثقافية والاقتصادية. ولكن الباحث يستدرك ما جاء في الروايات من صدمة للكاتب الصهيوني كشفت زيفه وبهتان الصورة التي يروجها، بعد هجرتهم إلى فلسطين اكتشفوا تناقض الرواية الصهيونية التي تقول ” ارض ” فالأرض لم تكن خالية، بل مسكونة فهذا سيملانسكي يقول: إن ما أفزعني لدى وصولي هناك – فلسطين، هو اكتشافي أنني لم أكن قادرا على التكلم باللغة العربية، ولم اكن قادرا على فهم العرب، وهم يتكلمون بلغتهم”، وقد كان خطابه استنكاريا حينما رأى العرب في يافا وريشون: ماذا يفعل هؤلاء العرب هنا. وهذا عاموس عوز يقول: “إلى أن جاء مستوطنونا الأوائل ونصبوا خيامهم”، هل نصبوا خيامهم على أرض خالية، وهم القادمون من بلاد بعيد إلى أرض ليست لهم، بل وحسب اعتراف عاموس نفسه: بأن العرب كانوا في الأرض قبلهم.

وقد لاحظ الباحث أن الأدباء الصهاينة يتنازعهم اتجاهان: يمثل الاتجاه الأول اولئك الذين ينفون تماماً الوجود الفلسطيني، أما الاتجاه الثاني يمثله الذين يرون الفلسطيني إما بدوياً أو راعي أغنام، أو مزارعاً متخلفاً.

منذ شيوع اطروحات الميثولوجيا البيضاء التي تقول أنه ليس ثمة هناك في الوجود مخلوق يمكنه صناعة التاريخ سوى الرجل الابيض، ومثلها اطروحة الشعب اليهودي المختار حامل الرسالة الالهية، هو الاخر سيضع تاريخاً جديداً لفلسطين تحت مسمى الدولة اليهودية. وهنا يشير الباحث، وكما تحدث في أكثر من موضع في دراسته، عن العلاقة التي تربط بين الخطابين الاستشراقي الاوروبي والصهيوني، ويؤكد أن لكليهما مرجعيات ومٱلات تكاد تكون هي نفسها ( وحدة المرجعية – التوراة) ، فالتوراة بما فيها من النبوءات والرغبات والمفتريات والموجهات يتبقى الاساس الذي ستقوم عليه العلاقة بين هذين الخطابين المتداخلين مع بعضهما. وإذا ما وضعت الدراسات التوراتية في خانة الدراسات الاستشراقية، فانه لن يكون هناك ثمة فارق كبير بين كلا المتخيلين، وهذا ما نراه في عشرات القصص والروايات الصهيونية.

إن المفكرين والادباء اليهود، وكذلك الموالين لهم من الغربيين انتجوا عشرات الكتب والافلام التي تكاد غايتها تنحصر بالدرجة الاولى في تشويه الشخصية العربية. ويأخذ الباحث رواية (الحروب الصليبية) لعاموس عوز نموذجا لطبيعة العلاقة بين الديانتين المسيحية واليهودية، وبين استعمارين كلاهما غربي المنشأ والهوى. كذلك لاكتشاف حدود التطابق بين مسوغات كل من المسيحيين واليهود لاحتلال فلسطين، فهي عند الأولين الأرض المقدسة، وعند اليهود ارض الميعاد. وتخوض الديانتين في الرواية باسم الكتاب المقدس الحرب جنبا إلى جنب لتحقيق هدف مشترك يتمثل في استعادة الارض المقدسة – ارض الميعاد، ومعها المدينة المقدسة من الكفار المسلمين.

ورغم تأثر الخطاب الاستشراقي الصهيوني بالخطاب الاستشراق الاوروبي، الا ان الخطاب الصهيوني يبقى متناقضا مع ذاته، حيث يرى الباحث أن رواية (خربة خزعة) تعد نموذجاً متماثلاً مع خطاب الاستشراق الغربي في رؤيتها للعربي، كما أنها تمثل التقاء الأدب الصهيوني بالاستشراق من جهة، والتقاء اليهودية الصهيونية بالمسيحية الانجيلية من جهة أخرى، وجميعها تؤكد على نفي الآخر العربي – الفلسطيني، وإذا كان الاستشراق بمختلف وسائله قد خدم أهداف المستعمرين الغربيين، فإن سيملانسكي هو الاخر يقدم أفضل الخدمات للمؤسسة الصهيونية، مرة بتشويه الشخصية العربية، وأخرى بتقديم شخصية اليهودي المتفوق الذي لا ينكر رغبته في الاقتداء بالنموذج الغربي، وثالثة باختلاق أحداث خيالية وتقديمها على أنها من الواقع الفعلي.

ورغم هذه الرؤية التي يتبناها عدد من الكتاب الصهاينة، إلا أن حقائق الواقع، والحضور الفلسطيني على الأرض ودفاعه عن حقه في الوجود والحياة، جعلت بعضهم يغير نظرته، مؤكدا وجود الفلسطيني وأن الارض لم تكن خالية، وأن هذا الفلسطيني له حقوق في الأرض، فهذا عاموس عوز في روايته (ميخائيل الذي يخصني) يتعامل مع الفلسطيني موجود حقيقي ومؤثر، بل وقد وصل إلى قناعة يؤمن بها، بأن المنطقة لن تصل إلى حالة السلام والاستقرار بغير الاعتراف بالحق التاريخي للفلسطينيين.

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عبد الله الحوراني

عبد الله الحوراني .. المجد والخلود لذكراك

عبد الله الحوراني .. المجد والخلود لذكراك الكاتب والباحث/ ناهـض زقـوت في التاسع والعشرين من …