الرئيسية / الآراء والمقالات / سليم النجار يكتب : فتح سرّ الحياد أوكرانيا لوحة سوداء

سليم النجار يكتب : فتح سرّ الحياد أوكرانيا لوحة سوداء

سليم النجار

فتح سرّ الحياد 

أوكرانيا لوحة سوداء 

سليم النجار 

مازالت اذكر هذه الحادثة، اذكر في احد الأيام في عمّان وسط البلد، ذهبت كعادتي لشراء العدد الجديد من مجلة “وجهات نظر المصرية” ( يونيو ٢٠٠٣) إذا لم تخنني الذاكرة، ففوجئت بغلافها ملطخاً بلون أسود، ولما سألت صاحب الكشك لماذا هذا اللون؟ اعتبر من الواجب الأخلاقي كونه صاحب كشك ثقافي الإجابة، فأشار بإصبعه إلى الغلاف وقال: أمعن النظر وانت تعرف لماذا؟ 

قربت عيني بحذر من الغلاف، وهيأت نفسي لرؤية أمر جلل، ولما أعياني اكتشاف الفاعل ومعرفة دوافعه، أعدت على صاحب الكشك سؤالي، وأظهرت له حيرتي، وقبل أن يجيبني مازحته قائلاً: يقولون اهلنا في مصر” غلب حماري”، فنظر الرجل عن يمينه ويساره واقترب من أذني قائلاً: لقد وضعت وجهات نظر صوراً عارية داخل المجلة واختارت هذا اللون للتمويه٠ 

لم اصدق أذني وبحركة لا إرادية نظرت حولي، وحتى لا تترامى كلماتي إلى أي أذن نسائية فتسبب لي ولها وله حرجا اكتفيت بالتعبير عن دهشتي بأن فغرت فاهي عن أخره وقلت: “يا آآه”٠ 

وفعلت أكروانيا كما فعلت وجهات نظر، فوضعت الغلاف الأسود لتمرير ما تريد، وتركت للسذج أمثال صاحب الكشك “الإجتهاد” بالإجابة، أوكروانيا التي أرادت خلق مسرحية هزلية نصها ملطخ بدماء شعبها، فحادثة الصحيفة كلما تذكرتها تعيدني إلى الأحداث الجارية اليوم التي تشغل العالم، ألا وهي الحرب التي تقودها روسيا لإسترداد ما فقدته منذ انهيار إمبراطورية الإتحاد السوفيتي٠ 

وبغض النظر عن الهوس الإعلامي الغربي الذي يستخدم مفرادت وجمل وسردية “هبلة”، كالديمقراطية، والحرية، وفي المقابل نواطيراهم ممن تطلق عليهم الفضائيات العربية المؤجرة لماكنة الإعلام الغربي، محللون وعسكريون وخبراء إلى آخر هذه المعزوفة، يتشدقون بكلمات كصراع الحضارات، تضاد الثقافات، حوار الأديان والأفكار، كلها عبارات تصك الأسماع والأنظار، ولكنها تظل مجرد أقوال مموهة وعبارات فارغة من المضمون وحقيقة الصراع، حتى يعاينها المرء على أرض الواقع، متجلية في حياة الناس وسلوكياتهم٠ 

فهذه الحرب أفضت عن تقلبات جيوسياسية تقع في مناطق استراتيجية، وصراع مرير على الاستحواذ على الأرض والزرع وبمختلف الطرق، وما كشفته روسيا عن ما تفعله أمريكا من تصنيع حرب جديدة من نوعها “الحرب الجرثومية”، والجديد في هذه الحرب الفاعل مجهول للعامة، ولم تكتفي أمريكا باعلامها المأجور بل تركت صنيعتها حركة الإخوان المسلمين التي ورثتها من بريطانيا بعد الإنتهاء من الحرب العالمية الثانية وأفول الأمبرطورية التي لا تغيب عنها الشمس انجلترا، والتي سلمت ممتلكاتها للعم سام، تطلق حملات من التمويه وإغتيال الحقيقة من خلال عبارات منمقة كالقول “هذا ابتلاء من ربنا”، وعبقري أخر من لونهم السياسي وإن اختلفت التسمية، سيقول: “هذه المصيبة عقاب من الله لأننا تركنا الصلاة” إلى أخر هذه النغمات، ولا احد سيسأل نفسه كيف عرف هؤلاء العباقرة ان الناس تركت الصلاة أو إنه إبتلاء من الله؟ سيبقى هذا السؤال بلا اجابة لأن هذه الجماعات ابدعت في تغييب العقل النقدي العربي الجمعي، وجعلت هذا العقل كصندوق بريد لتلقى رسائلهم٠ 

واتذكر في هذا السياق القائد الشهيد خالد الحسن عندما كان يقول أن الأسلام علماني بمفهوم عربي، وليس بمفهوم سلفي، وقتها قامت الدنيا ولم تقعد،

وكان خفافيش الظلام يستنكرون على الفلسطيني ان يتطرق لهذه المواضيع على اعتبار إنها حكرا لهم٠ 

وهذا ليس بالغريب لأنهم ارادوا تنميط صورة الفلسطيني- الضحية- المظلوم- الذي لا حول له ولا قوة٠ 

وهذا القول ليس خارج عن السياق، بل هو في صميم الموضوع، لأن هذا الفلسطيني- فتح- استطاع اشتقاق أسلوب سياسي مختلف عما كان سائدا في العالم الذي كان ممزقاً بين الشرق والغرب، وكان على الحياد الإيجابي فكان يقترب من كل من ما يقترب من مشروعه الوطني، وعكس ذلك فهو عدّو له٠ 

ولفتح تحديدا مواقف كثيرة في ممارسة الحياد الإيجابي، فالخلاف بين الجزائر والمغرب كبير جدا ومازال، فكانت فتح على علاقة ممتازة مع الطرفين، وكذلك في اليمن، عندما كان مقسما إلى شمالي وجنوبي، كان الشهيد القائد الخالد فينا يقول وبملأ الفم هناك يمن فلسطيني أي يوحد اليمنين على قضية فلسطين، كما أن فتح لم تدخل في أي احلاف إقليمية، بل كانت تؤمن أن فلسطين هو الحلف الوحيد الذي يجب من أجله أن يتوحد العرب٠ 

ولفتح تاريخ طويل مع الحياد الإيجابي، ومنذ إنطلاقة رصاصتها الأولى، ودفعت أثمان غالية جرّاء هذا الحياد، لا مجال لذكرها، وما يحصل اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات فروسيا لن تقبل بعد اليوم ان تكون قوة هامشية، وأمريكيا لن تستوعب هذا الدرس بسهولة، اما اللاعبين الصغار مثل “إسرائيل” التي تحاول التذاكي وأن تلعب دور الوسيط كما يرّوج إعلامها ويردد بعض المساطيل في عالمنا ما تروجه، ماذا لو تغيرت الأدوار وقالت روسيا نريد لعب دور الوسيط لحل قضية الشرق الأوسط؟ فحينها ماذا ستفعل” إسرائيل” وأي دور ستمارس؟ 

وعلى صعيد آخر هل سنطور اسلوب الحياد ويكون لنا مقعد على طاولة المفاوضات؟ لنيل حقوقنا المشروعة، لأن الانتظار شأنه شأن السجن الحديث مكان تظهر فيه آليات الخمول السياسي بشكل واضح وصريح، ويتجلى خطابها على نحو جلي فجسد الجندي شأن جسد المجرم خاضع للدوام لنظام صارم من الانضباط، ونحن في أمس الحاجة للخروج من هذه العلبة وإبتكار أساليب جديدة، حتى نكون على خارطة العالم الجديد، كما كنا على خارطة العالم ذات يوم٠

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عمر حلمي الغول

عمر حلمي الغول يكتب : فلسفة القتل راسخة عندهم

فلسفة القتل راسخة عندهم عمر حلمي الغول كشف استطلاع رأي اجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي نشرته …