الرئيسية / الآراء والمقالات / عائد زقوت يكتب ؛ تنهيدة البجعة الأخيرة

عائد زقوت يكتب ؛ تنهيدة البجعة الأخيرة

عائد زقوت

تنهيدة البجعة الأخيرة 

عائد زقوت 

إنَّ الهستيريا التي تبثّها أميركا وغالبيّة دول الناتو حول الأزمة الأوكرانية مع روسيا الاتّحاديّة، وتصدير حالة الحرب وكأنَّها وقعت فعلًا، وذلك من خلال الطلب من رعاياهم وطواقم سفاراتهم مغادرة أوكرانيا، وإرسال قوّات أميركية إلى دول شرق أوروبا، وتزويد أوكرانيا بأنواع مختلفة من السّلاح، وتشكيل مجموعات قتاليّة من المدنيين الأوكرانيين، ونشر سيناريوهات الحرب وتوقيتاتها، علاوةً على التدابير الاقتصادية لمواجهة النتائج المُتوقّعة جرّاء نشوب الحرب، كلّ هذا منْ أجل زرع الرّعب والخوف في دول الناتو، في محاولةٍ أميركية لإعادة إحياء حِلْف الناتو الذي أماتَته سريريًّا بتقليص مساهماتها الماليّة، وبقرْصنة صفقة الغوّاصات الأستراليّة على حساب فرنسا، مما أحدث شرخًا قويًا في جسم الناتو، بل زادَت الطين بِلةً بإنشائها حلفًا جديدًا خارج الناتو ” أوكس” في تنكّر واضح لمصالح حلفائها، وعلى الرغم من هذا فقد بادرت أميركا ببثّ الحياة من جديد في الحِلف لإدراكها أنَّ قيادتها للعالم تزعزعت، وفي تراجعٍ مستمر، ولكي تتمكّن الولايات المتحدة الأميركية من مواجهة الخطر القادم من روسيا والصين، وتأثيره على هيمنتها على العالم واستمرار نظام القطب الواحد، دفعها دفعًا لإحياء حِلْف الناتو، وإعادة اصطفافه خَلْف استراتيجيتها الجديدة والتي جعلت على رأس أولوياتها مواجهة الدبّ الروسي العائد من جديد، والتوغّل الصيني الاقتصادي على حساب المصالح الأميركية، وفي هذا السياق فشلت أميركا في الحفاظ على العداوة بين روسيا والصين وفق العقيدة التي أرساها كسنجر وزير خارجية أميركا في سبعينيات القرن الماضي والتي ترتكز على ضرورة استمرار العداوة بين روسيا والصين من أجل بقاء سيطرة أميركا على العالم، حيث تجلّى هذا الفشل في البيان المشترك الصيني الروسي الذي أُعْلِنَ على هامش افتتاح الألعاب الأولمبية الشتويّة الجاريّة حاليًا في الصين، حيث دشّن هذا الإعلان علاقات اقتصادية متقدّمة بينهما، وأعلنا تضامنهما السياسي تجاه ما يجري في أوكرانيا، وفي هذا الصدد لم تجد أميركا بُدًّا من نشر حالة الهستيريا من الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وذلك من أجل التصدّي لأمرين أولاهما الغوْل الصيني القادم، حيثُ نجحت الصين بالتوغّل بصمتٍ وهدوء على حساب أميركا في الخليج العربي، وإفريقية، والعديد من دول أوروبا، وأسيا اقتصاديًا، وأطلقت قنبلة مشروع الطريق والحزام أو ما يُعرَف بطريق الحرير، مما خَلَّفَ آثارًا سلبيّة على النفوذ والاقتصاد الأميركي عالميًا، ومن أجل ذلك عجّلت أميركا بالانسحاب من أفغانستان كخطوة لمواجهة الصين وروسيا، وأحْيَت اتّفاقية “كواد” التي تضمّ بجانب أميركا الهند واليابان، في محاولةٍ منها للحدّ من التوغّل الصّيني، وثانيهما محاولة إضعاف روسيا بإغراقها في حرب أهليّة مع أوكرانيا حيث تشترك أوكرانيا مع روسيا في العِرق والدِّين وبينهما أواصر اجتماعية، وعلاقات تجارية بينيّة، ناهيك على أنَّ أوكرانيا تٌعد الامتداد الجغرافي لروسيا، وتمثل الحزام الأمني وخطّ الدفاع الأول عنها وفق العقيدة العسكرية الروسية، ولكنْ يبدو أنَّ أميركا فشلت في ذلك، بسبب انتباه الرُّوس لمأربها، وتمسّك الرّْوس بتحقيقِ مطالبهم رغم التهديدات الأميركية، حيث وضعت روسيا شروطًا قاسيّة مبنية على تعهدات من الناتو وأميركا للاتّحاد السوفيتي السابق بعدم نشر أسلحة في شرق أوروبا، وكذلك استثمرت حاجة أوروبا إلى الغاز الروسي، والخلافات الداخلية في الناتو خاصة مع ألمانيا وفرنسا، إضافًة إلى ذلك الموقف الصّيني المتقدّم، حيثُ أعلن الرئيس الصيني أنَّه سَيُدلي ببيان بعد نهاية الأولمبيات في العشرين من الشهر الجاري يحدّد فيه رؤية الصين للنظام العالمي، إنَّ هذا المشهد الشائك يضع النفوذ الأميركي وسطوته على العالم تحت الاختبار، فهل ستستطيع البجعة الأميركية النجاح في هذا الاختبار، أم سَتُطلِق تنهيدتها الأخيرة إيذانًا بميلاد نظام عالمي جديد أكثر توازنًا؟.

 

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سليم النجار

سليم النجار يكتب : ذاكرة القضبان

ذاكرة القضبان للأسرة د/ سعاد غنيم ( الرواية تهتك تاريخ الظلم) سليم النجار توطئة سعاد …