الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مونتجمري حور : قراءات معمقة في الاتفاقات الإبراهيمية (الجزء الأول)

د. مونتجمري حور : قراءات معمقة في الاتفاقات الإبراهيمية (الجزء الأول)

مونتجمري حور

قراءات معمقة في الاتفاقات الإبراهيمية (الجزء الأول)

كتب: د. مونتجمري حور
اتفاقات مثيرة للجدل تحمل بين طياتها برنامجاً استراتيجياً للشرق الأوسط، بل رؤية شاملة وقعت بموجبها دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل اتفاقات “السلام الإبراهيمي” التي تضمنت معاهدة سلام بين الجانبين، وتطبيع كامل للعلاقات الدبلوماسية بينهما، وجرى الإعلان الرسمي عن هذه الاتفاقية عام 2020 بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
يسلط هذا المقال الضوء على الاتفاقات الثنائية فقط، ويقدم تطلعات الطرفين بإيجاز، وأتمنى أن أرى تدفقاً إعلامياً حول هذا الموضوع من قبل زملائي من مختلف التخصصات بطرق جوانبه المتعددة: السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية نظراً لأهميته القصوى ولتنوع مجالاته.
أبرز بنود الاتفاقية:
بحسب نص الاتفاقية، أبرم هذا الاتفاق بين حكومة الإمارات العربية المتحدة وحكومة دولة إسرائيل واشتملت مقدمته على ثلاث نقاط وجاءت كالتالي:
أولا: يسعى الطرفان إلى تحقيق رؤية مشتركة لمنطقة الشرق الأوسط تقوم على الاستقرار والسلام والازدهار وهذا من شأنه، بحسب نص الاتفاقية، أن يكون ” لفائدة كل دول وشعوب المنطقة” عبر إرساء السلام وإقام علاقات دبلوماسية وتطبيع كامل للعلاقات بينهما، ولن يقتصر هذا التطبيع على الحكومتين بل سيمتد ليشمل شعبيهما.
ثانياً، يعترف الطرفان أن الشعبين العربي واليهودي ينحدران من جد مشترك هو إبراهيم وأنه مصدر إلهام لهما لخلق بيئة في الشرق الأوسط يمكن فيها للمسلمين واليهود والمسيحيين والشعوب من كل الديانات والطوائف والمعتقدات والجنسيات العيش والالتزام بروح التعايش والتفاهم والاحترام المتبادلين. بالإضافة إلى ذلك، يسعى الطرفان من خلال هذا التعاون إلى وضع مسار جديد يطلق بموجبه العنان للإمكانات الكبرى التي يمتلكانها، مع تأكيدهما على ” الإعلان المشترك للولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل والإمارات العربية المتحدة” (اتفاقات إبراهيم) بأن تطوير العلاقات الودية يحقق مصالح السلام المستدام في الشرق الأوسط، والإيمان بعدم القدرة على تجاوز التحديات بفعالية إلا من خلال التعاون عوضاً عن النزاع.
ثالثاً، تستذكر مقدمة الاتفاق معاهدات السلام بين “دولة إسرائيل وجمهورية مصر العربية، وبين دولة إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية، وبالتزامهما العمل معاً على التفاوض للتوصل إلى حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني بما يلبي احتياجات وتطلعات الشعبين”.
تلي هذه المقدمة أبرز نقاط الاتفاق بين الجانبين وجاءت كالتالي:
1-    إرساء السلام وإقامة العلاقات الدبلوماسية وتطبيع العلاقات.
2-    المبادئ العامة: يحتكم الطرفان في علاقاتهما إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تحكم العلاقات بين الدول. وبشكل خاص، تقران وتحترمان سيادة بعضهما البعض وحق كل منهما بالعيش في أمن وسلام.
3-    إقامة السفارات: يتبادل الطرفان السفراء الدائمين بعد التوقيع على الاتفاقية.
4-    السلام والاستقرار: يلتزم الطرفان باتخاذ الخطوات الضرورية لمنع أي أعمال إرهابية أو عدائية ضد بعضهما البعض أو انطلاقاً من أراضيهما، ويعملان على منع أي دعم لمثل هذه النشاطات في الخارج.
5-    التعاون والاتفاقات بين الإمارات وإسرائيل:
 تحت هذا البند، اتفق الطرفان الإماراتي والإسرائيلي على إبرام اتفاقات ثنائية في مجالات عدة وقدم ملحق هذه الاتفاقات تفاصيل كل مجال وهي كالتالي: المالية والاستثمار، الطيران المدني، التأشيرات والخدمات القنصلية، الابتكار والعلاقات التجارية والاقتصادية، الرعاية الصحية، العلوم والتكنولوجيا والاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، السياحة والثقافة والرياضة، الطاقة، البيئة، التعليم، الاتفاقات البحرية، الاتصال والبريد، الزراعة والأمن الغذائي، المياه، التعاون القانوني.
6-    التفاهم المتبادل والتعايش:
يتعهد الطرفان بتعزيز التفاهم والاحترام والتعايش وبناء ثقة سلام بين المجتمعات بروح جدهم المشترك إبراهيم ويعدان ببناء عهد جديد من السلام والعلاقات السلمية ومن ضمنها تشجيع برامج للتعاون بين شعبيهما والحوار الديني والتعاون الاجتماعي والأكاديمي والشبابي والعلمي وغيرها.

التطلعات الإماراتية:
تنظر الإمارات إلى أن تصبح مركزاً دولياً للتجارة والاستثمار، وانتهجت سياسة تشجيع التجارة والاستثمارات على أرضها وشجعت كثيراً من الشركات متعددة الجنسيات إلى الاستثمار على الأراضي الإماراتية وعقدت اتفاقات ضريبية مشجعة لإنجاح هذه المساعي. بالنسبة لاتفاقات أبراهيم، وصف وزير الاقتصاد الإماراتي التوصل إلى هذه الاتفاقات مع إسرائيل بـ “الثورة الصناعية الرابعة” مؤكداً أن هذه الاستثمارات ستشمل عادةً طرفاً ثالثاً سيتمثل في دول من آسيا وأفريقيا وأمريكيا الجنوبية، حيث تسعى الإمارات عبر هذه الاستثمارات إلى تعزيز اقتصادها بما يتجاوز الاعتماد على اقتصاد البترول كما أنها تسعى إلى تنويع صادراتها وإلى التقدم في عصر التكنولوجيا الرقمية. بالإضافة إلى ذلك، ترى الإمارات في تعاونها مع إسرائيل عدة مميزات وفرصةً بتوسيع أفق استثماراها في عدة مجالات خصوصاً الاستثمار في مجالات التكنولوجيا وقطاعات أساسية مختلفة كالصحة والطيران والسياحة والزراعة وغيرها، وترى أنها بهذه الطريقة ستتمكن من إحراز تقدم اقتصادي وأمني مع الدول التي تحظى بقوة ونفوذ أكبر كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والهند وباكستان، كما أنها تعتقد أنها بهذه الطريقة ستتمكن من نسج شبكة علاقات مع عدة دول آسيوية التي لها علاقات متوازية أو متكاملة مع الإمارات وإسرائيل.
التطلعات الإسرائيلية
تأخذ إسرائيل النجاح الكبير الذي حققته دولة الإمارات العربية المتحدة على محمل الجد وترى فيها شريكاً استراتيجياً مهماً وحاضنة بيئات اقتصادية معتبرة، وتتطلع هي الأخرى إلى استغلال هذه المزايا الاستغلال الأمثل لتوسع نطاق نفوذها ونطاق قوتها الاقتصادية التي عكفت الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية على تعزيزها طيلة السنوات السابقة والتي لعبت إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو دوراً بارزاً بل محورياً في تعزيز هذا النوع من النجاح. في سياق متصل، علق أحد المستثمرين الإسرائيليين على شكل العلاقة التكاملية التي تنظر لها إسرائيل مع الإمارات بأن إسرائيل رغم فقرها في الموارد الطبيعية إلا أنها تعتبر غنية في مجالي التكنولوجيا العالية أو الفائقة (high-tech) والتكنولوجيا الحيوية (biotech) .
أهم النقاط والبيئات الإماراتية التي فتحت شهية إسرائيل الاقتصادية هي كالتالي:
–    الإمارات هي بيئة تجارية ملائمة وودية: يبدو أن إسرائيل باتت تعي أن دولة الإمارات العربية المتحدة تحولت فعلياً في العقود الماضية لأن تصبح مركزاً لمعظم الشركات متعددة الجنسيات التي تمتهن الأعمال التجارية في منطقة ممتدة تشمل دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وأفريقيا.

–    الإمارات هي بيئة ضريبية مواتية: تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة بيئة ضريبية مواتية وعقدت اتفاقات ضريبية عدة مع بلدان عدة لتشجيع الاستثمار على أراضيها.

–    الإمارات تمتلك بنية تحتية متطورة: طورت الإمارات العربية المتحدة بنيتها التحتية ووفرت مستشاري أعمال محترفين ذوي كفاءة عالية.

وبناء عليه، باتت إسرائيل تنظر إلى أن الإمارات العربية المتحدة بإمكانها أن توفر بيئة خصبة ومتكاملة للشركات الإسرائيلية التي تسعى إلى توسيع نطاق أعمالها إقليمياً ودولياً مع دفع ضريبة معقولة ومواتية. وهنا تجدر الإشارة إلى توصل الإمارات وإسرائيل إلى اتفاق مبدئي، بعد توقيعهما اتفاقات إبراهيم، يضمن عدم حدوث أي ازدواج ضريبي وذلك لحماية المستثمرين من دفع ضرائب مكررة مرتين على السلع ذاتها لكلتا الدولتين.  
لماذا الاتفاقات الإبراهيمية مختلفة عن سابقاتها؟
جرت العادة أن تقوم الأطراف المختلفة التي تسعى للسلام وتطبيع العلاقات بينها إلى إنهاء الأعمال العدائية فيما بينها، ولكن الحالة هنا مختلفة. في نظر المحللين والمراقبين، لا توجد حالة حرب أو عداء قائمة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة على عكس معاهدات السلام التي أبرمتها إسرائيل مع مصر والأردن، ورغم هذا كله تعتبر هذه الاتفاقات اتفاقات سلام. والملفت للانتباه أن الطرفان يعتبران هذه الاتفاقات أنها تشكل اتحاداً قوياً. من ناحية أخرى، يرى محللون ومراقبون أن الاتفاقات الإبراهيمية ليست الأولى من نوعها في منطقتنا العربية والتي تجريها دولاً عربية مع إسرائيل، وهي ليست المرة الأولى التي تشهد الولايات المتحدة الأمريكية على مثل هذا النوع من التأسيس العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، فقد سبق وأن أجريت اتفاقات بين مصر وإسرائيل بوساطة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وحققت مصر من خلالها إعادة شبه جزيرة سيناء إلى مصر ثانية. بالإضافة إلى ذلك، توقيع معاهدة سلام عام 1994 بين الأردن وإسرائيل والتي سهلت توقيعها اتفاقات أوسلو عام 1993 التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل في احتفال جرى في البيت الأبيض برئاسة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. وعلى الرغم من توقيع القاهرة وعمان لهاتين الاتفاقيتين، فلم تتجاوز الدول الموقعة منطقة “السلام البارد” بينهم، وصحيح أن الاتفاقات الرسمية مع إسرائيل أبعدت احتمالية الحرب بينهم وتبادلت الأطراف السفراء وأنشأوا قنوات اتصال دبلوماسية منتظمة، إلا أنها أضفت طابعاً رسمياً بارداً عليها وبقيت التجارة والسياحة وقطاعات أخرى من التعاون محدودة للغاية ولا تزال.  
تحمل هذه الاتفاقات بين طياتها برنامجاً استراتيجياً للشرق الأوسط وسبل تعامل القوى الإقليمية مع الدول العظمى. لا أراها مجرد اتفاقات سلام عادية، بل أرى بوضوح غولاً اقتصادياً ناعماً وذكياً يكبر ويتمدد وسيتحول إلى قوة عسكرية عظمى خشنة.

montgomeryhowwar@gmail.com

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عمر حلمي الغول

عمر حلمي الغول يكتب : مؤتمر مكافحة الفساد الرابع

مؤتمر مكافحة الفساد الرابع عمر حلمي الغول ظاهرة الفساد من الظواهر الخطيرة التي تهدد تطور …