الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مروان محمد مشتهى : تأثير البيئة في بناء شخصية القائد

د. مروان محمد مشتهى : تأثير البيئة في بناء شخصية القائد

مروان محمد مشتهى
تأثير البيئة في بناء شخصية القائد
د. مروان محمد مشتهى
نتفق جميعاً أن القيادة هي فن التأثير في الآخرين وشحذ هممهم وإلهامهم لتحقيق الأهداف المشتركة للجميع ؛ ومما لاشك أن للبيئة التي نشأ وترعرع فيها القائد أثراً مباشراً في تنشئته الإجتماعية واستقاء توجهاته وأراءه وقوة شخصيته ؛ وكذلك اكتساب المهارات الأساسية التي تؤهله لأن يصبح قائداً من عدمه .

يجب علينا التفريق بين نوعين من القيادة ؛ فالقيادة الفطرية المنطلقة من العقيدة والمبادئ والقيم والتوجهات المتعصبة لفكرة ما ؛ يكون تأثير البيئة فيها محدوداً نسبياً لو تم مقارنتها مع القيادة المبنية على الإكتساب والتعلم، فمعظم الناس تتأثر في البيئة ؛فالبيئة المحفزة تصنع قادة مبدعين ومنتجين ولديهم قدرة على صنع القرارات رغم الضغوط والأزمات، بينما البيئة السلبية تقتل روح القيادة والإبداع وتصنع قادة ضعاف موتورين ولا يمتلكون قدرة على اتخاذ القرارات الحكيمة.

إن صناعة القائد تنطلق من الحاضنة الأولى وهي الحلقة الأقوى وذات التأثير الأكبر والأهم في تكوين شخصية القائد وما أقصده هنا تحديداً هو الأسرة وقد أكون أكثر تحديداً عندما أقول تلك التي كابدت مشقة الحمل والرضاعة وعايشت طفلها لحظة بلحظة ،فاكتسب منها الحب والحنان ، والثواب والعقاب ، وطريقة الملبس والمأكل ، إلا أن دور الأم يقتصر في تلك المرحلة على الجانب العاطفي والوجداني ليس إلا.

ثم ينتقل القائد إلى مرحلة لا تقل خطورة عن دور الأم ؛ ليأتي الأب والمربي ؛ فتنعكس شخصيته في التأثير على صناعة القائد ،فالأب يقدم العالم أمام إنجاله ويكسبهم المهارات السلوكية والتوجهات والنواحي القيمية للأسرة والمجتمع ، وكيفية التصرف في المواقف الحرجة ، ومجاملة الناس في أفراحهم وأحزانهم مما يشكل دعامة أساسية في تكوين شخصية القائد وخبراته لتمكينه من التمرس على القيادة ؛ فالأب التسلطي البيروقراطي يصنع قادة مثله ؛ وعلى النقيض من ذلك تماماً فالأب الودود الديمقراطي الذي ينتهج الحوار وسيلة مع أبناءه عادةً ما يصنع قادة قريبين من الناس وهمومهم ويحبهم الآخرين .

ولا يفوتنا في هذا المقام التركيز على تأثير المجتمع والدين والمدرسة والمعلم في تكوين شخصية وبناء القائد وتوجهاته وحالته النفسية والعصبية لما لهم من قدرة في اكساب القائد لسماته الشخصية وتحديد انفعالاته وكيفيةضبط النفس والقدرة على مواجهة العقبات والصعوبات .

نستطيع القول أن البحر الهادئ لا يصنع بحاراً ماهراً بينما البحر متلاطم الأمواج الذي يجوب أعتى العواصف بكل عزيمة ، تلك الشخصية القيادية التي نسعى إلى تقلدها زمام الأمور ، فهي خرجت من رحم المعاناة وتكبدت الكثير من العقبات والسقوط مرات ومرات ؛ تلك الشخصية قد تعرضت للمؤامرات والدسائس وظلم القريب والبعيد ؛ فالمرء يُبتلى ثم يمكن هذه هي نواميس الكون .

إن قصة سيدنا يوسف ليست عنا ببعيد ومدى تأثير البيئة الحاضنة عليه فتعرض لظلم إخوته فتأمروا عليه وقذفوه في البئر ليتخلصوا منه ، فتجرع ظلم الأخوة ،وتم بيعه بثمن بخس ودخل السجن ظلماً ، فجاءه التمكين بقيادة مصر العظيمة في أحلك ظروفها واستطاع بفطنته وثقابة رأيه من التخطيط السليم ليخلصها من السنوات السبع العجاف التى عصفت في أرض الكنانة في زمن الملك اخناتون.

خلاصة القول أن البيئة الحاضنة تلعب دوراً محورياً في بناء وصقل شخصية القائد ، فالقيادة الأخلاقية في عصرنا الحديث لا تعتمد على السيطرة بالإكراه وإنما من خلال التأثير الإيجابي مع البيئة الاجتماعية وبناء شبكة من العلاقات الإنسانية وامتلاك فن التأثير في الآخرين لنشر روح القيادة الفاعلة لدى الآخرين .

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عبد الرحيم جاموس 
عضو المجلس الوطني الفلسطيني 
رئيس اللجنة الشعبية في الرياض

د. عبدالرحيم جاموس يكتب : التطبيع والإعلام الصهيوني في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني . غاياتهما الإستراتيجية ..!

التطبيع  والإعلام الصهيوني في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني . غاياتهما الإستراتيجية ..! بقلم …

تعليق واحد

  1. البحر الهادئ لا يصنع بحارا ماهرا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *