الرئيسية / الفلسطينيون في المهجر / السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت الحلقة التاسعة وعشرون ألف كذبة وكذبة

السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت الحلقة التاسعة وعشرون ألف كذبة وكذبة

سليم النجار

السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت
الحلقة التاسعة وعشرون
ألف كذبة وكذبة
سليم النجار
تدّوي صرخة أبو قدري كلّ ليلة ، تمزع فضاء حارة سوق الصباح باهتياج وحشي غريب كأن الف كذبة وكذبة تنزف معاً ، أوجاع السنين ، تشق الفضاء ، يهرول إلى نافذة الصالة الوحيدة الحزينة ، يُخرج رأسه منها ، يستطلع الشارع ، يلتفت يميناً ويساراً ، لكن ليس هناك غير كلاب تعوي تفرّ من الصوت وذيولها بين قوائمها إلى أسفل السيّارات ٠
ليلة بعد أخرى كان قد اعتاد على هذا الطقس ، والهانم زوجته تغط في نوم عميق ، وكأن الأمر لا يعينها ، بعد حسم الخلاف اتخذ القرار الثوري الصحيح ذا البعد الاستراتيجي بالموافقة والسماح بعنف على ارتداء بناته بنطال الكابوي الذي أصبح موضة العصر ٠
لمح الآن أبو قدري اللعين من مدخل الشارع الرئيس للحارة ، يمشي ببطء وكفّاه مرفوعتان إلى السماء يضجّ بالصرخة الحارّة ، كأن مذاقها كمذاق الفلفل الهندي ، لكنه لم يظهر في اليومين اللاحقين ٠ ولإسباب موجبة لكن مختلف على هذه الأسباب ، فكل بيت من بيوت الحارة يقدم وجبة من الرأي ، على سلوك أبو قدري ، وفي نهاية المطاف أجمع القوم على أن أبو قدري في طريقه إلى مستشفى الأمراض العقلية لا محال ٠
صباح اليوم التالي ، دب النشاط في سوق الصباح ، بعد أن تم تسريب خبر أن معظم الأهالي وافقوا لبنات الحارة على شراء بناطيل الكابوي ، العائلة الوحيدة التي رفضت السماح ، هي عائلة أبو مدريس ، التي بدورها بررت هذا الموقف أن هذا البنطال يذكرهم بالأمريكان الملاعين الذين يدعمون العدو الإسرائيلي ، ونقلت أم مدريس للأخوات الهوانم الموقف مع تسجيل احتجاجها على كلمة العدو الإسرائيلي التي يتلفظ بها زوجها بمناسبة وبدون مناسبة ، وكان رأيها السديد الإكتفاء بقوله اليهود لازم التفلسف ٠
في مساء يوم آخر ، دب النشاط في بيت أبو ساجي ، استعداداً لاستقبال أبو مشاري ، وللحقيقة كان الإستعداد على أكمل وجه، وعلى ما يرام والله أعلم على ذمة الراوي ، الكنافة النابلسية الناعمة حضرت من الصالون الأخضر ، وأم ساجي قامت بدورها الوطني وصنعت ” الكولاج ” بالجبنة ، ولم تغفل وضع النعنع على طاولة المطبخ ، لوضعه على الشاي ، عندما يزأر أبو ساجي ويطلب الشاي ، قائلا مقولته التاريخية الشاي يامَرَة ، لتقديمه لأبو مشاري ، لتعريفة بالعادات والتقاليد الفلسطينية ، أن الشاي لايقدم إلا بالنعنع ٠
كانت الإستعدات على قدمٍ وساق ٠
في صبيحة اليوم التي تلت الجريمة ، هكذا عرّفها الأهالي ، كيف يسمح أبو ساجي بدخول أبو مشاري لبيته ، ما هذه النقيصة ؟
و
أبو قدري الذي تزعم موقف الحارة الرافض ، لفعلة أبو ساجي لم يتوانى باختلاق القصص والحكايات لفضح سرّ هذه العلاقة بين أبو ساجي وأبو مشاري ، متسائلا منذ متى نحن نستقبل الأغراب أصحاب الدشاديش في بيوتنا ؟
مستنكرا هذه الجريمة الشعناء الذي أقدم عليها جاره أبو ساجي ، حتى وصل الأمر أنه بدأ يفكر جديا بالرحيل من الشقة ، ليتخلص من هذا الجار المارق ٠
يوم آخر ما زالت تداعيات زيارة أبو مشاري للحارة تُلقي بظلالها ، على الرغم أن الزيارة قد تمت منذ زمن ليس بالطويل ولا بالقصير ، وكعادة أهل الحارة اختلفوا على تاريخ الزيارة ٠ وأصبحت الزيارة معلم من معالم سوق الصباح ٠ ومع زحمة الأحداث ، بدت أخبار الزيارة تتلاشى ، عملاً بنصيحة لعن الله إشعال الفتن ، وإيقاظها من غفوتها ٠
في ذات اليوم ، بدأت الإذاعات تبث أخبارها بنشاط غير معهود ، وتزف خبر الغارات الإسرائيلية على قواعد الفدائيين الفلسطنيين في الجنوب اللبناني ٠ وتناقلت الأقاويل هذه المرّة اسرائيل ستجتاح لبنان للتخلص من جماعتنا ٠ وكالعادة ، وفي كل اجتياح يقوم الشباب بجمع تبرعات لإرسالها للشباب هناك ، وتبدأ الحملات بالطرقات على أبواب البيوت ، وجمع ما تجود به الأنفس ٠
في اليوم الثاني من جمع التبرعات ، احتجت أم عصام على سلوك الشباب الهمجي ، في جمع التبرعات ، موضحة موقفها منعاً للبس ، والظن السيء ، جاءها أحد الشباب يوم أمس الساعة الثانية ظهرا ، وهذا وقت القيلولة لأبو عصام ، بعد انتهاء يوم شاق من العمل في وزارة الأشغال ٠ تعاطفت الهوانم مع تذمر أم عصام ، وكان اللقاء في بيت أم رائف ، التي بدورها أدلت برأيها ، رافضة كل قصة التبرعات ، لأن زوجها أخبرها أن هذه الأشياء تذهب لكفرة وملحدين فلسطين لن تتحرر على أيدي هؤلاء ٠ أحد الهوانم ومنعاً للإحراج لن نذكر اسمها ، علقت على موقف أم رائف أفهم من هالحكي أنك تسمع كلام أبو رائف في كل شي ، وتلبي كل طلباته ، تكهرب الجو ، وأصبح ملغوما وينذر بالشرّ ، لأن الكلام ملغز ويحمل في طياته سخرية من أم رائف ، الذي كان زوجها قد تزوج من فلبينة ، مبررا سلوكه للزلم أن البطة اللي عنده رائحة البصل قتلته ، وكذلك رائحة الثوم ، وحتى يوم الخميس ، اليوم المفترج ، ما أن تصل الفراش ، حتى تبدأ بالغط بالنوم ، وتعلل في الصباح اليوم التالي أنها كانت ليلة أمس مرهقة وتعبانة من طلبات الأولاد ، يمتثل أبو رائف صاغرا ويمضي لحاله ٠
اليوم الثالث لجمع التبرعات ، أكوام الملابس المستعملة ، بدأت تتكدس على مداخل العمارات ، والهوانم يتذمرن من هذا المنظر غير الحضاري ، ويطلبن بصوت عالي من الشباب بنقل الملابس لمكتب فتح في منطقة الجابرية ٠
في اليوم الرابع ، مازالت الحملات مستمرة ، وانسحب ثائر من الحملات ، بعد أن شتمه جاره الباكستاني ، الذي أخبره بكل عنجهية بأنكم لصوص ، ولم يستطع ثائر الرد عليه ، احتراماً لقوانين الجيرة ٠
في اليوم الخامس لجمع التبرعات ، أعلنت الإذاعات بحزن شديد توقف إطلاق النار ، ومازالت الملابس المسعملة المكدسة على مداخل العمارات على حالها ٠

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

سليم النجار

سليم النجار يكتب : السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت الحلقة الخامسة وعشرون عش حماراً ٠٠٠ عش سعيداً

السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت الحلقة الخامسة وعشرون عش حماراً ٠٠٠ عش سعيداً سليم النجار …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *