الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مونتجمري حور يكتب : الأبعاد الاستراتيجية في خطاب أبي مازن (الجزء الثاني)

د. مونتجمري حور يكتب : الأبعاد الاستراتيجية في خطاب أبي مازن (الجزء الثاني)

مونتجمري حور

الأبعاد الاستراتيجية في خطاب أبي مازن (الجزء الثاني)

كتب: د. مونتجمري حور

امتاز خطاب الرئيس محمود عباس بدقة متناهية في اختيار الألفاظ ودلالاتها فكان خطاباً فلسطينياً خاصاً منصباً على مخاطبة كيانات ويبدو لنا جلياً أن مخرج هذا الخطاب بشكله النهائي اعتمد اعتماداً كلياً على علم السميولوجي. في هذا المقال أتناول الكيانات المتعددة التي خاطبها الرئيس محمود عباس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لإظهار فحوى هذه الرسائل.

ظهر الرئيس محمود عباس في إطار صورة سيمولوجية كاملة؛ رئيس الشعب الفلسطيني يجلس وخلفه الحكاية الفلسطينية ومراحل تطوراتها ثم بدأ الحديث بجمل تفسر الصور التي تظهر خلفه والتي تعبر عن معاناة فلسطينية مستمرة لأكثر من ثلاثة وسبعين عاماً بدأت “بطرد الفلسطينيين من أرضهم والاستيلاء على أملاكهم”. إن كانت الصور خلفه تعكس مراحل طردنا كفلسطينيين من أرضنا، فصورة ” الصك” الذي رفعه الرئيس محمود عباس ويمتلكه ملايين الفلسطينيين هي إثبات للحق الفلسطيني وهو موثق في الأمم المتحدة بحسب ما جاء على لسانه، وبذلك تكون الصورة التي حاول الرئيس إرسائها وتثبيتها في ذهن المتلقي قد اكتملت.
لو دققنا النظر في خطاب الرئيس الفلسطيني، سنخلص بملاحظتين؛ الأولى تتعلق بخطابه الذي انقسم إلى شقين تحدث فيهما بصفتين اثنتين، حيث تحدث في الشق الأول من الخطاب بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية ولهذا دلالات، أما الشق الثاني من الخطاب فقد تحدث بصفته رئيساً للسلطة الفلسطينية. بالإضافة الى ذلك، تخلل خطابه تقديم ومخاطبة كيانات متعددة هي: السلطة الفلسطينية، السلطة الإسرائيلية، المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية والشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. نكتفي بتقديم الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ككيان لعدم تركز خطاب الرئيس حوله ونكتفي بالإشارة إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس خاطب الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم وطلب منهم ” أن يجهزوا صكوك الملكية لأملاكهم”.
تجدر الإشارة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تحدث بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى الدقيقة التاسعة من الفيديو المذاع واستخدم في هذه المدة الزمنية ألفاظاً قدمت كيانات مختلفة ودلالات متعددة وأكثر هذه الألفاظ أهمية عبارة “إنشاء إسرائيل نظاماً توسعياً استعمارياً على أرضنا” وأتبعه بعبارة أن ” مآله إلى الزوال طال الزمان أم قصر”. بعد الدقيقة التاسعة وبسؤاله لجميع الأطراف والكيانات “ماذا تريدون من الشعب الفلسطيني؟”، عاد الرئيس الفلسطيني للحديث بصفته رئيساً للسلطة الفلسطينية وتناول التزام الجانب الفلسطيني بكل اتفاقات السلام وبالسعي دوماً تجاه أي فرصة لتحقيقه. كما تحدث الرئيس عن إسرائيل في عدة مواضع حين تناول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في خطابه بنعتها ب “سلطة الاحتلال” ولم يقل كعادته سلطات الاحتلال وبالعودة الى كلمته نلاحظ أنه تحدث عن سلطتين واستخدم صيغة المفرد لكلتيهما، أولهما السلطة الفلسطينية التي تقوم على جزء من الأرض الفلسطينية التي يدور حولها الصراع مع إسرائيل ثم تحدث عن السلطة الإسرائيلية ووصفها بسلطة الاحتلال (بصيغة المفرد) وقام بإجراء مقارنة بين السلطتين، وبذلك يكون قد قدم نموذجين لسلطتين أو “كيانين” تعملان فوق تراب أرض فلسطين التاريخية وهما السلطة الفلسطينية وسلطة الاحتلال الإسرائيلي كما أسماهما حرفياً وأجرى مقارنة في سلوك كلتيهما. وحدد القاضي الذي سيحكم على السلوكين وهو المجتمع الدولي وليس الفلسطينيين أو الإسرائيليين.
الكيان الإسرائيلي:
جرت العادة أن يتحدث الرئيس عن سلطات الاحتلال الإسرائيلية وممارساتها ولكن هذه المرة امتاز خطابه بدقة لغوية ملفتة لانتباه متخصصي اللغة وعلم الخطابة والعلوم السياسية حيث قدم إسرائيل على أنها سلطة تعمل على أرض فلسطين التاريخية وهي مختلفة عن سلطة أخرى تتواجد على تلك الأرض هي السلطة الفلسطينية، فعلى سبيل المثال، وجه سؤالاً استنكارياً بقوله ” هل تستطيع سلطة الاحتلال الإفلات من جريمة اقتلاع أكثر من نصف الشعب الفلسطيني من أرضه؟” وأعاد في الدقيقة السادسة من الفيديو تعريف إسرائيل على أنها “سلطة” تمييز عنصري ولم يقتصر الأمر على ذلك بل هي سلطة فقدت إنسانيتها وأخلاقها بمعاقبتها للجثامين الفلسطينية وعدم دفنها، واستطرد أن الفلسطينيين مدًوا “أيديهم للسلام ولم يجدوا شريكاً في إسرائيل يؤمن بحل الدولتين”.
على النقيض تماما من السلطة الإسرائيلية، قدم الرئيس الفلسطيني كياناً آخر لسلطة أخرى وهي السلطة الفلسطينية وبذلك يكون الرئيس الفلسطيني قد رسم صوراً ذهنية في ذهن المتلقي لسلطة أخرى متواجدة على الأرض الفلسطينية هي السلطة الفلسطينية وتناول إيمانها بالسلام ومدى التزامها بالقرارات الشرعية الدولية وسعيها الدءوب لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، فلم تترك مناسبة أو فرصة للسلام إلا واتخذتها على محمل الجد وسعت لإنجاحها. بالإضافة الى ذلك نجحت السلطة الفلسطينية كنموذج من اثبات نفسها وتأسيسها لمؤسسات ناجحة واحترامها لحقوق الإنسان وحقوق المرأة والشباب ناهيك عن التحاقها بأكثر من 115 منظمة ومعاهدة دولية.

الكيان الفلسطيني:
أولاً: عند حديثه كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية رسم الرئيس محمود عباس صورة المعاناة الفلسطينية المستمرة لثلاث وسبعين عاماً بإيجاز كبير ولكنه مركز وقدم الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم على أنهم يحملون صكوك ملكية مماثلة لتلك التي بحوزته شخصياً بل ولديهم حتى الآن مفاتيح بيوتهم التي هجروا منها قسراً من قبل إسرائيل وأن ما يمنعهم من العودة لوطنهم ولأملاكهم هي القوانين الإسرائيلية التي رغم قرارات الشرعية الدولية التي تمنحهم هذا الحق وخاصة قرار 194 الخاص باللاجئين، وأن إسرائيل لا تزال مستمرة في سياسة الطرد للفلسطينيين في حي الشيخ جراح وسلوان في القدس. وقال لقد قمنا ويقصد منظمة التحرير الفلسطينية “بإبرام اتفاق إعلان مبادئ المعروف باتفاق أوسلو” وأننا كفلسطينيين التزمنا بكل تفاصيله.

الكيان الأمريكي
لم يخاطب الرئيس الفلسطيني الإدارة الأمريكية علانيةً ولكنه أشار لها ولنظامها أحادي القطبية الدولي الذي يقود العالم حتى الآن بدليل حديثه عن قيم وأخلاق تتفاخر بها الدبلوماسية الأمريكية في الترويج لنظامها العالمي بأنه نظام ديمقراطي جاء ليعزز القيم والأخلاق. سعى الرئيس الفلسطيني لتنبيه الإدارة الأمريكية الحالية بأن إسرائيل ليست الدولة النموذجية التي تدفع بالولايات المتحدة الأمريكية “للتباهي بأنها تتشارك معها في نفس القيم والأخلاق” وقام بتقديم إسرائيل للولايات المتحدة الأمريكية بصورة غير مباشرة قائلاً أنها “دولة تمييز عنصري وتطهير عرقي، فهل بقي أحد يعاقب الجثامين ويمنع دفنها؟!” ثم قدم سؤالاً استنكاريا “عن أي مشتركة يتحدثون؟، عن أي قيم مشتركة يتحدثون؟!” أي أنه كررها مرتين للتأكيد عليها. مع تأكيده على أن كل الخطط المنوي تنفيذها مآلها الفشل وكأنه أراد أن يقول أن الحل الأمثل هو إحياء حل الدولتين أو الرجوع إليه.
المجتمع الدولي ككيان:
مثٌل كيان المجتمع الدولي في الصور السيميولوجية التي رسمها الرئيس الفلسطيني دور الحكم والقاضي، فبعد تقديمه للكيانين أو السلطتين وشرح سلوك كل منهما، وجه الرئيس نداء أخير إلى المجتمع الدولي بضرورة التحرك لإنقاذ حل الدولتين، وأعطى مهلة سنة لتحقيق ذلك رغم أنه تحدث عن “فشل” حل الدولتين وفشل المجتمع الدولي في إنجازه. إن استخدام الرئيس للفظ “فشل” وليس “إخفاق” يعني أن حل الدولتين قد انتهى.

 كان الأجدر أن نتحدث كفلسطينيين وكقيادة فلسطينية عن حلول منطقية وعقلانية نحافظ فيها على الحقوق الفلسطينية والهوية الفلسطينية وليذهبوا في مخططاتهم وخططهم أينما شاءوا وحيثما شاءوا. على سبيل المثال أن نتحدث فلسطينياً عن حل الدولة الواحدة ثنائية القومية وأن نروج لهذا الحل، وهذا الطرح لا يزال قائماً. على أية حال، نرى أن الرسائل التي أطلقها الرئيس لإحياء حل الدولتين جاءت متأخرة كثيراً، وكان الأجدر التبكير في اتخاذ عدة إجراءات منها تقديم حكومات فلسطينية أكثر قوة وأكثر نفوذاً وتأثيراً في المنطقة والعالم، والاعتماد على متخصصين أكفاء من تخصصات متعددة ممن تركوا بصمات في مجالاتهم وفي حال الإخفاق أو الفشل كان ينبغي إطلاق مثل هذه الرسائل، أي قبل فوات الأوان وموت الحل، بل وقبل الدخول في مرحلتين قادمتين لا محالة.

montgomeryhowwar@gmail.com

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

عمر حلمي الغول

عمر حلمي الغول يكتب : ريان يحاكم العالم

ريان يحاكم العالم عمر حلمي الغول دولة إسرائيل الفاشية، الدولة الأكثر وحشية، ولا إنسانية، لا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *