الرئيسية / ادب وثقافة / سليم النجار يكتب : السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت

سليم النجار يكتب : السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت

سليم النجار

السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت
الحلقة الثامنة وعشرون
من أوراق الشيطان
سليم النجار
لكوني فلسطينياً في الكويت ، والفحاحيل ، وشيطاناً شبه أخرس ، يمارس هوياته في أوقات الفراغ ٠ أنصت لصوت والدي وتعليماته الصارمة أن أكون حاضرا الساعة السابعة مساءً أمام الجمعية التعاونية التي افتتحتها الحكومة لكسر احتكار التجّار للحمة البلدّي ، الذي وصل سعر الكيلو لست دنانير ، وإختفاءه من بيوت الهوانم اللواتي أثَرن ضجيج غير مسبوق في جلساتهم الصباحية حول هذا الغلاء ،الفاحش،٠ بعض المؤرخين لسيرة الهوانم في سوق الصباح أكدوا أن الذي،تم إثارته ليس ضجيجا بل فحيحا ٠
جلست واضعًا أوراقي على ركبتي ، أخفي بها ما فعلته ساعة الصباح ، كانت والدتي تسترق النظر وتترقب لون عيناي،، وعند غرفة الضيوف طبطت على كتفي : لا تتأخر على البيت وتترك الليل يسرقك ٠
سخرت من هذه الغرفة التي تُسمى مجازاً ، غرفة ضيوف ، فهي متعددة الإستعمالات والأغراض، وظيفتها الأولى استبقال الجيران وما تبقى من البشر على شكل عائلات ، ووظيفتها الثانية أني كنت أكتب خربشاتي على بياض الورق اللعين ، الوظيفة الثالثة وهي الأهم لقاء السحاب بين الأم والأب ، وفي،صمت مطبق تخرج الوالدة للإستحمام ، وبعدها يخرج الوالد متسللاً للإستحمام ، عملاً بالسّنة المطهرة بعد الجماع لا بد من الإستحمام ، وتنتهي حفلة يوم الخميس الطريقة الفلسطينية ٠
في كثير من الأحيان تنشب خلافات نارية بيني وبين أخواتي على حجز غرفة الضيوف لإستقبال ضيوفنا ، وينتهي الأمر لفوز البنات ، والدتي تنحاز للصبايا لا لشيء ، حتى لا يركبني مس باالرجولة ولي حقوق ٠ لا أستحقها ٠
أجر خيباتي وهزائمي وألجأ لبياض الورق ، بعد يُسمح لي دخول غرفة الضيوف ٠
للتوضيح : البيت غرفتان وحمام ومطبخ ، غرفة يتكدس فيها الجمع البشري المسمى العائلة ، والغرفة الثانية متعددة ، الإستعمالات والأغراض ٠
في ذات اليوم ، قبل الموعد الأبوي بساعات لا اعلم كم هي ، نادت عليّ فدوى جارتنا والساكنة مقابل العمارة التي أقطنها ؛ وأنا على الفرندة أنظر لها ، كي أرفع الكرات والبقدونس والنعنع ، ولما مال الحمل حملته وحدي ، ألست انا ولد وواجبات الرجولة ، مساعدة جاراتك من الإناث آدامهم عزًا ، وذخرًا لأمتنا العربية غير المجيدة ٠ شمت رائحة عرقي وعافيتي ، وفي حركة بهلوانية كشفت عن صدرها ، فلمحت انتفاضة النهدين ، وانغرست في جسدي إبر ، دغدت الكيان كله ٠
لعن الله هذه النعمة ، وساوس شيطان ، لا يحق لي رؤية أي شيء خارج تحرير فلسطين التي لا أعرفها ، إلا من ثرثرة المهزومين ٠ قاتل الله الشيطان الرجيم الذي أكره في العلن ، وأعشقه في الخفاء،عشق صوفي،٠
قبل دقائق من الموعد المقدس، شاهدت أبوعُمر أمام دكانه المسمى ” الساوية ” وهي من قرى نابلس ، يستعد لصلاة المغرب ، وعلى غير عادته لم يرّد عليّ السلام ، لم أتعجب ، ولم يثير فيّ أي حالة من حالات الغضب ٠ والدي قبل أيام عَنفه أمام الجيران ، لرفضه تزويج أخته للشّاب السوري العامل في شركة نفط الكويت ، ولم يُبرر رفضه ، أو الأسباب الموجبة لهذا الموقف ، وكل قاله هذا الناقص يريد مصاهرتي مش ناقص عليّ إلا الشامي ٠
قطعت الفيافي وشوارع سوق الصباح متجها للجمعية التعاونية لتلبية نداء الواجب الأبوي،الجموع محتشدة ، والصراخ يملأ المكان ويتعالى بين رجال الحارات الفلسطينية في الفحاحيل ، حارة سوق الصباح ، حارة المضخة ، حارة شارع الدبوس ، شارع سينما الفحاحيل ، والكل يريد أخذ دور الأخر تتسابق الأرجل قبل الألسن ، وسباب يتناثر كرذاذ المطر ٠٠٠ واصوات غاضبة تخرج من الحناجر ، وإن صح التعبير الكنادر ، موشى ديان كان صادقاً عندما قال ان العرب لا يعرفون النظام لهذا نحن ننتصر عليهم ، وحذاء آخر عفواً صوت آخر ، كيف ضاعت فلسطين لأننا لا نحسن النظام ؟
ما شاء عليهم كلهم فلاسفة عصرهم ٠٠٠
سرت مضطر وانا اتمم بكلمات غير مسبوقة ووجهي مكفهر ، غير راض عما سافعل ٠
ووقفت أول الدور ، وإنهالت عليّ الشتائم ج هذا يلعن والدي ، وجحش آخر عرفني وقال بأعلى صوته كأنه اكتشف سرّ ماذا تتنظر من ابن النابلسية !
سألت اليمني الحارس على بوابة الجمعية ، ماذا يوزعون اليوم ؟ ببرود آجاب لحم بلغاري ٠٠٠ وتتطوع دون سؤال آخر مني بشرح الوصايا وصايا استلام اللحم البلغاري، خروف لكل شخص سعره سبعة دنانير وزنه عشر كليو ، ومازالت وصلة الشتائم شّغالة ويتم صرفها دون حساب ٠ وقبل الإسترسال لابد من ذكر حادثة تاريخية مختلف عليها ، أن هناك قوم كانوا كانوا ملتزمون في طوابير استلام الإعاشة ، التي هي عبارة عن حليب مصدي ، وجبنة كرفت منتهية الصلاحية ، ونظرات معفنة من الموظفين ٠ يخرجون من خيامهم كالصراط المستقيم ٠
جاء رئيس الجمعية بعد وقت ليس بالقصير ٠ برداء ٠ كان النوم واضحا في وجهه وفي حركاته العصبية ، اهدى السلام علينا في ضيق وتبرم ٠ كل ما سمعته منه ان ” الزلمات ” الاسم الحركي للفلسطنيين في الكويت هم من سيحصلون على اللحم البلغاري الرخيص ، أين اهل البلد ؟
خرج الشيطان من قلبي دون استئذان ، وطلب مني سؤال والدي، لماذا لن يخبرني أن الموضوع ، موضوع اللحم البلغاري٠
أقسمت منذ ذاك اليوم ، أن لا أنصت لوالدي ، وأرفض كل تعليماته ٠٠٠ اقتنعت في يوم اللحم البلغاري أن اسمي لا علاقة له بأيامي القادمة ٠٠ هذه الكلمات التي كانت مكتوبة على أوارقي وهي سعيدة وجالسة ، على ركبتي

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

المراة الفلسطينية

سليم النجار يكتب : السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت الحلقة التاسعة عشر

الحلقة التاسعة عشر السيرة الشعبية الفلسطينية في الكويت أشرقت شمس الصيف سليم النجار في ذلك …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *