الرئيسية / الآراء والمقالات / د. مونتجمري حور يكتب : زيف حل الدولتين

د. مونتجمري حور يكتب : زيف حل الدولتين

مونتجمري حور

زيف حل الدولتين
د. مونتجمري حور
انطلق الفلسطينيون إلى حل الدولتين وفقاً لفكر منظمة التحرير الفلسطينية ولبرنامجها السياسي وبإلقاء نظرة ثاقبة على مجريات الأمور، يتضح أن هذا التوجه بدأ بشكل غير رسمي عام 1974 عندما قررت قيادة منظمة التحرير إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض فلسطينية يتم تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي وعودة اللاجئين الفلسطينيين. أقمنا السلطة الفلسطينية في ال 1994 بناء على اتفاقية إعلان المبادئ عام 1993 وفي اللحظات الأخيرة قبل التوقيع رفض الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات التوقيع على الخرائط وكأنه أراد أن يرسل رسالة للعالم بعدم رضاه التام عما يدور وقد ثبت له ذلك. على أية حال، جرى توقيع الاتفاق باسم منظمة التحرير وهذا فيه مصلحتان فلسطينيتان، الأولى أنه يثبت مكانة منظمة التحرير التاريخية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني وأنها المظلة والمرجعية الفلسطينية الكبرى، أما السلطة الفلسطينية فهي كيان سياسي وليد يمثل ثلث أبناء الشعب الفلسطيني وعلى خمس التراب الفلسطيني. والثانية، يكون بذلك قد ثبت حقوق اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في الشتات ومخيمات اللجوء في سوريا ولبنان والأردن وأهلنا في الداخل.
على مر عقود من الزمن أثبتت إسرائيل عدم جديتها في تطبيق حل الدولتين فأوجدت العقبات وماطلت في تنفيذ الإجراءات. أول من أدرك هذه المماطلة كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي طالب رئيس الوزراء الراحل رابين بوضع جدولاً زمنياً لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وكان رد الأخير بأن كلامه ليس مقدساً وليس بإمكانه إعطاء جداول زمنية. برأيي، استغل زعيمنا الراحل عرفات دخول شارون لباحات المسجد الأقصى وفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي عرفت باسم “انتفاضة الأقصى” وبذلك يكون ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول، عبر عن رفض الفلسطينيين “لتدنيس شارون لباحات المسجد الأقصى”، والثاني، أرسل الزعيم عرفات رسالة للعالم بأن حل الدولتين يترنح. فكيف ردت إسرائيل على ذلك؟ هل سعت لحماية حل الدولتين أم قضت عليه؟
في الانتفاضة الثانية، بلغ عدد الضحايا الفلسطينيين جراء الضربات العسكرية الإسرائيلية 4412 شهيداً واصابة، بحسب احصائيات رسمية فلسطينية وإسرائيلية، و 48 ألفا و322 جريحا، بينما قُتل 1100 إسرائيلي، بينهم ثلاثمئة جندي، وجرح نحو 4500 آخرين، بحسب مصادر رسمية. ترافق ذلك مع تبني إسرائيل وقتها لسياسة الاغتيالات لعدد من القيادات الفلسطينية وكان على رأسها مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين وأبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثم زجت إسرائيل بعشرات القادة الفلسطينيين في سجونها وعلى رأسهم كلا القائدين مروان البرغوثي وأحمد سعدات تلاه في عام 2002 شروع إسرائيل في بناء الجدار العازل بهدف منع الفلسطينيين من محافظات الضفة الغربية داخل الخط الأخضر ومدينة القدس. تميزت الانتفاضة الثانية، مقارنة بالانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987، بكثرة المواجهات التي تميزت بالاشتباكات المسلحة بين الجانب الفلسطيني والجيش الإسرائيلي.
كان يجب علينا أن نقف منذ تلك اللحظة لتقييم مدى نجاعة حل الدولتين هذا، فكل الممارسات الإسرائيلية على الأرض كانت إنهاءً له، إلى أن وصلنا عهد الرئيس الأمريكي الذي كان الأصدق والأجرأ في الطرح وفي اظهاره نوايا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وأجابنا عن سؤال مهم لطالما سألناه: إلى أين نحن ذاهبون؟
الرؤية الإسرائيلية المتوقعة خصوصاً بعد عهد دونالد ترامب:
أتساءل، هل كانت دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية لتطرح صفقةً كي يكون مصيرها سلة النفايات؟! وهل كل ما ورد في هذه الصفقة ينم عن آراء أناس بلهاء لا دخل لهم بالسياسة؟! وهل كانت الولايات المتحدة، التي نتهمها صراحة وعلى العلن، بانحياها لدولة إسرائيل، لتقدم خطة لا تعبر عن قبول وإجماع إسرائيلي عليها؟!
أرى أن عهد دونالد ترامب كان الأكثر وضوحاً ومصداقية في تقديم الطروحات المستقبلية القادمة في إدارة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بغض النظر عن طريقة تعامل الإعلام مع شخصيته. ما يهمني هنا هي صفقة القرن وبنودها التي تتبنى رؤية مفادها أن حل الدولتين لم يعد ممكناً، وهذه الرؤية هي الأقرب لما يدور على الأرض. منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، ظهر عدد من الطروحات المتعلقة بعملية السلام التي وصفت بأنها عملية ومنطقية وجميعها ترى في حل الدولتين (الانسحاب من أراضي 67 والقدس الشرقية عاصمة فلسطين) أنه خيار لم يعد بالإمكان تطبيقه.
كل ما يدور الحديث عنه، على لسان قادة إسرائيل، هو حكماً ذاتياً لا يصل حد الدولة. بإمكان الفلسطينيين أن يحكموا أنفسهم بحكومة مستقلة على أن يبقى “جميع السكان فلسطينيين وإسرائيليين” في دولة إسرائيل، ، خاضعين تحت الحكم الإسرائيلي وبتتيع آراء القادة الإسرائيليين نجد أن الحديث دار حول التالي:
• صفقة القرن
قبيل الإعلان عن صفقة القرن التي لم تر النور، بدأ ترامب بالترويج إلى ما هو آت بقوله “أن حل الدولتين ليس الطريق الوحيد لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين”. وفيما يتعلق ببناء المستوطنات، قال ترامب أنه يتعين على إسرائيل ضبط النفس بشأن توسيع المستوطنات”. أما صفقة القرن فتحدثت عن حل دولتين بمفهوم جديد فهي لا تدعو إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 ولا لتقسيم للقدس، بل إلى إقامة دولة فلسطينية مشرذمة ومنقوصة السيادة. أستدل على ذلك من صفقة القرن ذاتها:
 
“سيعطي الحل الواقعي كل السلطة والقوة للفلسطينيين ليحكموا أنفسهم، وليس قوةً ليهددوا أمن إسرائيل ومن الضروري أن يتضمن ذلك قيوداً على بعض سلطات السيادة في المناطق الفلسطينية مثل الحفاظ على المسئولية الأمنية الاسرائيلية والسيطرة الاسرائيلية على المجال الجوي غربي نهر الأردن. تخلق هذه الرؤية حلاً واقعياً يقوم على حل دولتين تعيش فيه دولة فلسطين آمنة ومزدهرة سليماً إلى جانب دولة إسرائيل”. (صفقة القرن ص3)
 
• فدرالية بين اسرائيل والضفة الغربية
تعالت الأصوات داخل أروقة السياسة الإسرائيلية منذ عام 2018 للحديث
عن إقامة فيدرالية ستعرف لاحقاً باسم دولة إسرائيل الكبرى تنتهج من حكم الاقاليم طريقا لها على غرار نماذج بعض الدول كبلجيكا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية الخ.. تشمل هذه الفيدرالية إسرائيل والضفة الغربية وتستثني قطاع غزة. يقسم هذا الطرح اسرائيل والضفة الغربية الى ثلاثين كانتوناً تتمتع جميعها بالحكم الذاتي. كما نلاحظ لا يدور الحديث عن إقامة دولة فلسطينية ولا يتم ذكر حل الدولتين أصلاً.
 
• كونفيدرالية مع الأردن
طرحت الولايات المتحدة الأمريكية إنشاء كونفدرالية بين الأردن وفلسطين تكون فيه الضفة الغربية تحت حماية المملكة الأردنية الهاشمية أمنياً ولا تضمن تلك الكونفدرالية قطاع غزة الذي اقترحت واشنطن أن يبقى برعاية أمنية مصرية. قبل الرئيس محمود عباس بهذا العرض مشترطاً أن تكون إسرائيل جزءاً من هذه الكونفدرالية فيما رفض الأردن هذه الفكرة رفضاً قاطعاً. تجدر الإشارة هنا إلى أن الاقتراح الأمريكي لم يحدد ما إذا سيكون هناك اعتراف بدولة فلسطين أم لا.
• رأي نيفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي:
يعتبر نيفتالي بينيت تلميذ بنيامين نتنياهو وهو لا يؤمن بإقامة دولة فلسطينية وفي مقابلة مع صحيفة الجراديان البريطانية عام 2013 أوضح بينيت أنه من مؤيدي ضم الضفة الغربية لإسرائيل. في آخر المطاف، قد يقبل نيفتالي بينت إقامة دولة فلسطينية أقرب ما تكون للحكم الذاتي وستكون السيطرة الأمنية الشاملة في يد إسرائيل إسرائيل.
ولو ألقينا بالضوء على خيار حل الدولتين سنستخلص الآتي:
• هذا الحل مصمَّم كي تكون إسرائيل دولة ذات أغلبية يهودية وهذا شغل شاغل لإسرائيل، ولهذا لن ينجح في تحقيق أي من الحقوق والمصالح الفلسطينية.
• يمنح هذا الحل إسرائيل تفويضاً مطلقاً للتمييز ضد المواطنين الفلسطينيين.
• إنشاء “دولة” فلسطينية على شظايا متناثرة في الضفة الغربية ولا تتصل بغزة بصلة حقيقية.
• يلغي عملياً حق العودة لللاجئين الفلسطينيين.
• تشير الحقائق على الأرض أنه انتهى.
المتابع للصحافة الإسرائيلية في هذه المرحلة يعلم أن المطلوب كما يبدو هو الإبقاء على شيء اسمه سلام وترحيل القضايا والأمور العالقة كلها إلى مرحلة لاحقة. وترى الأوساط الإسرائيلية أن الجهود الاخيرة التي قادها العاهل الأردني لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاضات لن تعدو كونها اتصالات في محاولة لتحريك المياه الراكدة ولكن المتوقع انها لن تحقق أي تقدم وعزت ذلك إلى عدة أسباب هي:
• عدم وجود راعٍ متفق عليه لعملية السلام: في ظل إصرار إسرائيل على أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية الراعية الأساسية لعملية السلام، يرفض الرئيس الفلسطيني ذلك ويطالب برعاية الرباعية الدولية: الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.
 
• عدم وجود قيادة ثابتة لكلا الطرفين: تتذرع إسرائيل بعمر الرئيس الفلسطيني الذي اقترب من ال 85 سنة مما يعني أن عهده سينتهي في المستقبل القريب. وفي المقابل، لا تتمتع حكومة نيفتالي بينيت بالثبات لأنها تجمع بين مختلف المتناقضات من اليمين واليسار الخ.. ويتوقع عدم استمرارها.
• عدم الوصول إلى اتفاق اطلاق نار مع قطاع غزة.
• تجميد المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية منذ عام 2014
• لا تؤمن الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل أن هذه المرحلة هي مرحلة للتقدم في العملية السلمية وإنما الإبقاء على الطرح السلمي لمرحلة قادمة.
تدل كل المؤشرات الحالية على أن كل ما سيطرح علينا متطابق تماماً فلا شيء أكثر من حكم ذاتي لا يرتقي لمستوى دولة، وهو برأيي ليس بالأمر الجديد فمنذ اتفاق اعلان المبادئ إلى الآن كل ما جرى عملياً على الأرض هو وضع إسرائيل العراقيل في طريق حل الدولتين إلى أن نجحت في إنهائه، وتجدر الإشارة أن إسرائيل في كل مرة سعت إلى تجاوز المشكلات الناجمة والتعامل معها ومحاولة الالتفاف عليا، وليس العمل على حلها.
إن حجم الأعباء التي سنرثها كبير جداً فقد طالت حالة الجمود الحالية كافة القضايا، وفي مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس سنضطر للتعامل مع كل هذه الملفات رزمة واحدة. علينا التحضير لما هو آت ودراسة الخيارات الجديدة وعدم هدر كل الطاقات في الحديث عن حل الدولتين وعلينا الاقتراب من الجمهور الفلسطيني أكثر ووضعه في صورة التحالفات الجديدة التي نجريها والتي تجرى إقليمياً ودولياً جراء التقاء مصالح دول المنطقة وأهم هذه الخطوات التي علينا البدء فيها هي إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير واحتواء الجميع تحت مظلتها ببرنامج سياسي واحد، وكما بنينا على فكر منظمة التحريرسابقاً وخرجنا برؤية وخطوات جريئة، فإن فكر منظمة التحرير لا يزال يشتمل على حلول وطروحات أخرى وهي جديرة بالدراسة والتشاور. لا يزال فكر المنظمة يعج بالافكار الخلاصية بما لا يتعارض مع فكرها وبرنامجها السياسي وهنا يعود الفضل لحنكة حركة فتح ودورها الأساسي والمخلص داخل منظمة التحرير الفلسطينية. ونؤكد أن لا تعارض بين عودة منظمة التحرير الفلسطينية للأضواء ثانية وبين الحفاظ على السلطة الفلسطينية كإنجاز وطني بامتياز وتعزيزها ككيان خدماتي يقدم الدعم والخدمات لجزء من أبناء شعبنا (ثلث الشعب الفلسطيني) وعلى جزء من ترابنا الفلسطيني (حوالي خمس الأراضي الفلسطينية). نمر في مرحلة حرجة واختلاف المتغيرات الٌإقليمية والدولية تزيد الطين بلة وتزيد من فرصة سلخ قطاع غزة وضياع حقوق جديدة لنا، وهي فرصة للقفز من الاخفاق إلى الريادة بترتيب أوراقنا ثانية وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي لنبقى قادرين على الصمود والمواصلة بأقصر الطرق وأسهلها.
معاً نطرق جدران الخزان

عن الصباح الفلسطينية

شاهد أيضاً

محمد صالح الشنطي

محمد صالح الشنطي يكتب : صمتوا دهراً و نطقوا كفراً : الكيل بمكالين والنظر بعين واحدة….!

صمتوا دهراً و نطقوا كفراً : الكيل بمكالين والنظر بعين واحدة….! بقلم د. محمد صالح …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *