الرئيسية / الآراء والمقالات / الدكتور محمد الشنطي يكتب / خطاب مفتوح الى فخامة السيد رئيس دولة فلسطين

الدكتور محمد الشنطي يكتب / خطاب مفتوح الى فخامة السيد رئيس دولة فلسطين

2300
خطاب مفتوح الى فخامة السيد  رئيس دولة فلسطين  حفظه الله
أ.د محمد صالح الشنطي
 
 
 
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،و بعد
فأبعث لسيادتكم بخالص التحية والاحترام والتقدير.
     لايساورني أدنى شك في أنكم حريصون على مصلحة الشعب الفلسطيني ، فأنتم قائد تاريخي من قادته الذين نعتز بهم ، ناضلتم منذ أكثر من ستة عقود و ما كلّت عزيمتكم  ، لقد واكبتَ الثورة ورافقتَ قائدها الشهيد وإخوانه البررة الذين كان لهم شرف الشهادة من أجلها، و عرّضت نفسك للمخاطر الجسيمة من أجلها و أنت السياسي المحنّك (جذيلها المحكّك  وعُذيقها المرجّب) كما جاء في المثل العربي  الذي تمرّس في ميدانها عمره المديد كلّه بمشيئة الله ، و أنا رجل سبعيني واكب نضالاتكم ولم ينل شرف  الانخراط في صفوف الثورة و لا حتى الانتظام في  كوادرحركة فتح قائدة النضال ، ولكنني من الشهود المواكبين للمسيرة الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي ، ولعل فخامتك تسمح لي أن أبدي بعض الملاحظات المتعلّقة بالوضع الراهن :
أولاً – سيادتك تعلم أن حماس حركة لها أجندتها الخاصة المرتبطة بتنظيم  عالمي ، وقد جرّبتم على مدى ما يقرب من عقد ونصف أنهم لا يلتزمون بأي اتفاق  و لا معاهدة ، و عشرات التجارب تدل على ذلك ، ومع هذا كله تسمحون فخامتكم بتكرار التجارب في هذه المرحلة التي هي أخطر من كل المراحل ، وهاهم يستغلون الفرصة التي أتحتموها سيادتكم لهم فيشهّرون بكم و بفتح ويظهرون بمظهر أصحاب الرؤية السديدة و النظرة البعيدة ،و يصورونكم بأنكم فشلتم و لم تكونوا على حق في كل مامر من أحداث وعلى مدى عقود من النضال ، وأن انقلاب حماس كان شرعيّا و فتح تعود صاغرة إلى الدرب الذي اختطّته حماس ، عشرات الفيديوهات تصدرها حماس وتروّجها لتأكيد ذلك فضلا عن أنها تبيّض صفحتها أمام الشعب بعد أن امتلكت المال و وجدت من يمدّها به تحقيقا لأهداف مثلكم يا فخامة الرئيس لا تخفى عليه ، وتسمح للمنشقّين عن فتح بشراء الذمم بالمال ، يكرّرون النهج نفسه الذي انتهجوه من قبل في انتخابات عام 2006 حين أشاعوا مقولة( فساد فتح)  و ركّزوا عليه ، و مازالوا في ذروة نشاطهم في الشتات بعد أن شيطنوك يا فخامة الرئيس في عشرات الفيديوهات وأصبح من العسير إقناع الكثيرين ببطلان حججهم ، وأنا أجزم أنهم لو عُقدت الانتخابات لفازوا في معظم أماكن  الشتات الفلسطيني يدعمهم المال السياسي الإقليمي وبسبب تحنيدهم الإعلام الدجّج بالأكاذيب الذي يصطف إلى جانبهم ، وهو إعلام نشط خبيث يستخدم خطابا تضليلياً ؛ ولكنه شديد الفعالية و أشفق على حركة فتح  الأم من الوقوع في شرك انتخابات عام 2006 الذي كلفتنا نتائجه كوارث لا تحصى و لا تنسى.
ثانيا – يا فخامة الرئيس لا أظنك تتجاهل ما أحدثه اجتماع الأمناء العامين من خسارة فادحة للفلسطينيين في سمعتهم وحياتهم في بلدان الخليج حين راحوا يتطاولون على شعوب المنطقة بشكل سافر وكأنهم يتحدّثون في غرف مغلقة وسيادتكم تعلمون أي ضرر سببوه للجاليات  الفلسطينية  العاملة هناك نفسيا ومعنويا و ماديا ، وسيادتك تعلم أن أغلب الفصائل أشتات مجتمعات مرتبطة بأجندات مختلفة و لطالما هاجمت فتح و شوّهتها ، وذلك ضمن استراتيجيتها التي هي أساس وجودها وبنيتها التنظيمية ، هذه التنظيمات تفضّلتم فوافقتم على مخرجات اجتماعاتها سلفا على نحو مثير للاستغراب و الدهشة  وأنتم تعرفون حقيقتها أكثر من غيركم، هل مثل هؤلاء مؤتمنون على القضيّة وبعض أمنائها تعمّدوا إحراج فخامتكم وإحراج فتح أمام حلفائها أو الذين يفترض أنهم كذلك ، ولعل سيادتكم من خلال اطّلاعكم على مانشر في مواقع التواصل الاجتماعي حجم الإهانات الموجهة للشعب الفلسطيني و قيادته ، والآثار النفسية الهائلة التي تركتها تلك الهجمة الشرسة ، وكنا نتوقع أن حكمة فخامتكم لن تسمح بحدوث مثل هذه الشروخ وأن التماس سبل خلّاقة لتفادي هذه الأضرار ممكن ، فالخطاب التقليدي المفعم بالحماس الدوجمائي لم يعد صالحا.
ثالثا – سيادة الرئيس مع كل الاحترام لكل مستشاريك فإن شعبك الذي يكّن لك كل التقدير هو المستشار الحقيقي لك من خلال نُخبه و مثقفيه وكُتّابه و طلائعه ، ولم يكن من المتوقع أن تكون ردة الفعل على هذا النحو دون حساب للعواقب ودون تأمّل للواقع المحيط ، ونقدر لكم حسن ظنّكم بشعبكم ، و لكن ضغوط الواقع قويّة ومؤثّرة و مدمّرة ، فالعزوف عن استلام المقاصّة دون أي ضمانات لاستردادها في القريب العاجل يجعلنا نردد قول الشاعر
          (لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر فالجوع أبو الكفار )
 و وقول الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه (عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه) هل يستطيع شعب جائع أن يصمد مهما أوغلنا في تفكيرنا المثالي الرومانسي. نحن في جوف الحوت فهل غفلنا عن هذه الحقيقة ؟ إنك يا سيدي وشعبك محاصرون ، اغتالوا الشهيد الراحل وهم يخطّطون لاغتيالك على نحو يجرِّدك من شرف البطولة التي أنت أهل لها ، ومعك يريدون اغتيال شعبك ، فلا تحرص على مجدك الشخصي شهيداً إذا كنت غير عابئ بالحياة ، فهم سيشوّهونك ويحرمونك من هذا المجد ولذا يحفرون لك الحفر ليوقعوك فيها.
رابعا – سيدي الرئيس ، إن من انتدبتهم للحوار مع حماس أكفاء بلا شك ، فعزام الأحمد استهلكته محادثات غير مجدية مع حركة حماس على مدى سنين طويلة وكان واضحا وصريحا  في إعلان الفشل ، واللواء الرجوب يبدو أنه يبدأ بالتجربة من ألفها وليس من حيث انتهى عزام فبدأ يدور في حلقة حوار مفرغة ، وكأنّه نحّى جانبا تاريخ الحوارات السابقة وهاهي النتائج تظهر مبكرة تصريحات قادة حماس و فيديوهاتهم يوزعونها صبح مساء تعلن دخول فتح إلى بيت الطاعة و فشل تجربتها الوطنية و أن الحق معهم، و أنهم لم يقوموا بانقلاب بل بحركة تصحيحيّة  ، وهاهي الشواهد تدل على صحة موقفهم، و ها هي فتح تطلب منهم أن يدخلوا معها في قائمة موحّدة وعفا الله عن حماس وجرائمها و عمالتها وتنكيلها الذي أسفر عن آلاف الشهداء و المعوقين وحماقاتها و تاريخها الأسود . مالذي يحدث
( فانتازيا عجائبية ) أم واقع ؛ حريٌّ بالأخ الرجوب أن يظلّ مشرفا على الرياضة وكرة القدم التي نجح في إدارتها وأن يترك المفاوضات مع حماس التي يتجاهل ما ينشر من خطابتها في حماسةٍ بريئة يتحدث فيها عن وهم الشراكة ، يلغي فيها اتفاقات أوسلوا  لخاطر عيون الأحباء ، ولولا أن ما يقوم به من أدوار على براءته لا يضر المحتل لما سمحوا له بهذه الحرية في التنقل ، ليس اتهاما له ولكن إشارة إلى عبثية نهجه .
خامسا – سيدي الرئيس أناشدك أن تعيد النظر في الأمر كله ، فالأرض تغتصب كل يوم والحراك الشعبي قاصر ، وكم من مرة قلنا أن المقاومة الشعبية لا تفيدها المؤتمرات التي تعقد تحت سمع و بصر المحتل و إنما عبر التخطيط في الغرف المغلقة ، وأتساءل كيف كان الاعتصام في الخيام شهورا طويلة من أجل الخان الأحمر الذي ترالجع المحتل عن الاستيلاء عليه ، وهو يحتوي على بضعة بيوت متهالكة رغم أهميته الاستراتيجية بينما يتم ابتلاع عشرات الآلاف من الدونمات جهارا نهارا  ولا مقاومة إلا من بضعة أفراد عُزْل ، وتحولت المقاومة الشعبية إلى روتين موسمي ، و إني لأتساءل كيف تنتهك الأراضي و تهدر الأرواح ويذاع ذلك في الإعلام الرسمي صباح مساء محدثا شروخا نفسيّة هائلة دون ردّات فعل تذكر ، تتكرر الجمل نفسها و الخطابات ذاتها فماذا ننتظر ياسيدي ، أين الإعلام المخطط؟ لا نرى إلا رقصات ودبكات وبرامج روتينية رغم تعدد الفضائيات الوطنيّة ، أين المسؤولون عن الإعلام في فتح و في السلطة ؟ ما الذي يحدث؟ تشوّه كل شيء التاريخ والجغرافيا والدين ولا حراك سوى خطاب أعجف ممل .
هذا غيض من فيض
  سيادة الرئيس أناشدكم الله أن تعيدوا النظر في كل شيء  فالقضية برمتها على حافة الهاوية ياسيدي، و أنت السياسي المحنك و الزعيم و القائد والمفكر  ننتظر منك ثورة تطيح بهذه المهازل و صنّاعها ، وهذه المذلة وروّادها ، فليتغيّر هذا الأسلوب سيدي الرئيس ، واعذرني على مكاشفتي و وقاحتي النازفة ، ليتك تنحّي جانبا هذا الطاقم من المستشارين وتصيغ السمع للرفاق المخلصين .
أنت مسؤول أمام الله، ثم الشعب ، ثم التاريخ الذي لا يرحم .

عن bilel2019

شاهد أيضاً

الدكتور حنا عيسى، الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات

حنا عيسى يكتب : الإسلام دين السماحة والوسطية

  الإسلام دين السماحة والوسطية بقلم: أ.د. حنا عيسى  أمين عام الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *