عبدالرزاق خليل : رسالة مفتوحة لسماحة الشيخ يوسف القرضاوي
التاريخ: الأثنين 05 مارس 2012
الموضوع: قضايا وآراء


رسالة مفتوحة لسماحة الشيخ يوسف القرضاوي
عبدالرزاق خليل -باحث فلسطيني -مقيم في دمشق


سماحة الشيخ يوسف القرضاوي
تحية الإسلام وبعد
علمت بفتواك التي تحرم فيها زيارة القدس من قبل العرب والمسلمين من وسائل الإعلام المختلفة التي نقلت قولك :


رسالة مفتوحة لسماحة الشيخ يوسف القرضاوي
عبدالرزاق خليل -باحث فلسطيني -مقيم في دمشق


سماحة الشيخ يوسف القرضاوي
تحية الإسلام وبعد
علمت بفتواك التي تحرم فيها زيارة القدس من قبل العرب والمسلمين من وسائل الإعلام المختلفة التي نقلت قولك : "إن من حق الفلسطينيين أن يدخلوا القدس كما يشاؤون، لكن بالنسبة إلى غير الفلسطينيين، لا يجوز لهم أن يدخلوها"، وبررت سبب هذا التحريم بقولك "إن تحريم الزيارة لعدم إضفاء شرعية على المحتل، ومن يقوم بالزيارة يضفي شرعية على كيان غاصب لأراضي المسلمين، ويجبر على التعامل مع سفارة العدو للحصول على تأشيرة منه" (1)
سماحة الشيخ:
أعلم أن هناك قواعد أجمع عليها جمهور علماء المسلمين(مرجع) ، يبنى عليها للدلالة عند الاجتهاد /الفتوى في مسائل الحلال والحرام ، وهي :
1- القرآن والسنة
2- القياس
3- الإجماع
كما أعلم أن الأصل هو الإباحة إلا ما حُرم بنص، وأعلم أيضا ً أن لا اجتهاد بمسألة ورد فيها نص صريح ، أي أن الاجتهاد والفتوى في مسائل الحلال والحرام ، يجب أن يستند إلى مرجع شرعي أو أكثر، وهذا ما لم أجده في فتواك مما يجعل فتواك في مقام الرأي يخضعً للنقاش.
أولا ً- جاء في الحديث الشريف :" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (2).
يلاحظ من الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقيد شد الرحال بشرط أو حالة أو زمن ، علما ً أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حدث بشد (الرحال) ، كان المسجد الأقصى تحت حكم الرومان(العدو) (3).
ثانيا ً- ورد في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن المسجد الأقصى كان تحت حكم الرومان (العدو)عندما أ ُسريَ بالرسول من مكة إلى المسجد الأقصى ، والذي أمَ فيه خاتم الأنبياء عليه الصلات والسلام بالأنبياء جميعهم في صلاة ٍ قبل أن ُيعرج به إلى السماوات(4) .
ثالثا ً ً – ورد في سيرة رسول الله عليه أتم الصلات والسلام عليه ، أن الرسول عندما خرج من المدينة إلى مكة معتمرا ً كانت مكة والكعبة المليئة بالأصنام تحت حكم المشركين (العدو) وتمت عمرته بعد صلح الحديبية (5) .
هل كانت عمرة الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيعا مع المشركين واعترافا بهم ، ًأو اعترافا ًبشرعية حكمهم لمكة؟؟ ، وعمرة الرسول ومكة تحت حكم المشركين لها دلالتان ، الأولى: لا تتوقف الزيارات الدينية في الأماكن التي يسيطر عليها العدوً، والثانية : إباحة الدخول إلى مناطق العدو لسبب غير القتال والحرب، كقضاء مصلحة.
رابعا ً- عندما كان يملي الرسول صلى الله عليه وسلم وثيقة صلح الحديبية ، وعلي رضي الله عنه يكتب ، قال رسول الله "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. قال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أ ُخذنا ضغطة ً ولكن ذلك في العام القادم وليس مع المسلمون إلا السيوف في قرابها.فكتب علي " (6).
هنا يتبين لنا أن موافقة المشركين بدخول الرسول إلى مكة في العام القادم ، هي بمثابة إذن الدخول حسب أعراف ذلك الزمان ، وهو ما يقابله اليوم منح تأشيرة الزيارة، وهذا لا يعني تطبيع الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين أو الاعتراف بهم .
خامسا ً- كيف يستقيم قولك " من غير المعقول أن نترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة الدولة الصهيونية " مع قولك "إن من حق الفلسطينيين أن يدخلوا القدس كما يشاؤون، لكن بالنسبة إلى غير الفلسطينيين، لا يجوز لهم أن يدخلوها" ، أوليس الفلسطينيون مسلمون ؟ ، وهل المسجد الأقصى قضية فلسطينية أم هي قضية عربية إسلامية ؟ ، و الفلسطينيون يشكلون رأس الحربة فيها، ثم على ماذا استندت(شرعا ً) على التحليل الخاص للفلسطينيين ، والتحريم العام على العرب والمسلمين ، مع العلم أن القدس والمسجد الأقصى تخص كل المسلمين؟.
سماحة الشيخ الجليل :
لاشك أنك كل يوم تقرأ وتسمع وتشاهد ممارسات العدو في القدس من عمليات تهويد وهدم المنازل للمواطنين الفلسطينيين، وممارسة جميع أنواع التهجير الناعم ورفع الضرائب بشكل جائر حتى يصل الفلسطيني إلى حالة من العجز في دفع ضرائبه ليتم الاستيلاء على أملاكه من متاجر ومنازل وأراضي ،ويتم كل ذلك ضمن صمت عربي، وبرود رسمي وشعبي في التعاطي مع القضية الفلسطينية بشكل عام ، وقضية القدس بشكل خاص (تم الاتفاق على رصد 500مليون دولار للقدس في مؤتمر القمة في سرت لم يحول منها إلا 37 مليون) ، وتأتي فتواك/ رأيك لتزيد العبء على الفلسطينيين مع عبئ الاحتلال(!!) ، أليست زيارة العرب و المسلمين للقدس ومسجدها الأقصى بالإضافة للفوائد التعبدية (الصلات في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة- حديث)هو دعم للمقدسيين من خلال تواصلهم ، و الشراء من متاجرهم ، وتشغيل مرافقهم كالفنادق والمطاعم وآلياتهم ، وتساعدهم على الثبات والبقاء وحماية ممتلكاتهم من الاستيلاء عليها من قبل الاحتلال ،وذلك من خلال مساعدتهم برفع قدرتهم على دفع الضرائب مثلا ً .
وإذا كانت السياسة هي: رعاة مصالح الناس / الشعب /الأمة ، فمن يحدد المصلحة ؟، ولمن الطاعة ؟ ، لشيخ ٍ أصبحت فتاويه في السنين الأخيرة عليها اختلاف ، وتزرع الفرقة ، أم لولي الأمر الذي كلف من شعبه برعاية مصالحه وقراراته لا تخالف الشرع امتثالا ً لقول الله تعالى " أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ "(7).
سماحة الشيخ:
وأنا أكتب كلماتي ، كان موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( وأنت أعلم به مني) ينتصب أمامي بجملته الشهيرة " أخطأ عمر و أصابت امرأة ".
في الختام : أدعو الله أن يرزقنا خير ما يعلم ،وأن يبصرنا طريق الرشاد ، وأن يلبسك ثوب الصحة، وأن يمن عليك بالعمر المديد .

والحمد لله رب العالمين


عبد الله
عبدالرزاق خليل
دمشق -12ربيع الاخر1433هجري
الموافق5/3/2012م





الهوامش:
(1) الصباح – 28/2/2012م
(2) سنن الترمذي – 693- ج 3 ص107
(3) راجع سيرة ابن إسحاق،تهذيب ابن هشام
(4) المرجع السابق
(5) المرجع السابق
(6) المرجع السابق
القرآن الكريم – سورة النساء- آية59






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=9544