عماد عبد الحميد الفالوجي : فتح بين الانطلاقة و المصالحة
التاريخ: الجمعة 30 ديسمبر 2011
الموضوع: قضايا وآراء


فتح بين الانطلاقة و المصالحة

م. عماد عبد الحميد الفالوجي
تحتفل حركة التحرير الوطني الفلسطيني ' فتح ' بذكرى انطلاقتها السابعة والأربعين وهي تنظر الى الخلف أكثر مما تنظر الى الإمام ، تنظر الى تاريخ الثورة الطويل المليء والزاخر بالانجازات


فتح بين الانطلاقة و المصالحة

م. عماد عبد الحميد الفالوجي
تحتفل حركة التحرير الوطني الفلسطيني ' فتح ' بذكرى انطلاقتها السابعة والأربعين وهي تنظر الى الخلف أكثر مما تنظر الى الإمام ، تنظر الى تاريخ الثورة الطويل المليء والزاخر بالانجازات وبالأحداث الكبيرة والعظيمة وبالبطولات التي أذهلت العالم ولم تستطع أن تحتويها الكتب أو تعطيها حقها من الكلمات لأن المعروف والمشهود منها قليل بينما مضى الكثيرون من القادة والشهداء دون أن يشعر بهم أحد ولم يبحثوا أبدا عن مقابل دنيوي بل كان الهدف الأكبر هو تحقيق الهدف المقدس في نصرة صرخة الأرض المقدسة وحماية المقدسات ، سنوات طويلة مرت لم يتوقف خلالها شلال العطاء ولم يبخل الشعب في أن يجود بأغلى ما يملك من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية والصمود على الأرض ، سنوات طويلة تقدمت خلالها حركة فتح لقيادة المشروع الوطني وانتشاله وحمايته من التشويه أو الضياع أو أن تتجاوزه الأحداث كما كان يخطط لها الأعداء من القريب أو البعيد ، لم تكن القضية الفلسطينية تشكل محورا مركزيا للأمة العربية أو الإسلامية عندما دخلت العصابات الصهيونية الى فلسطين لأن قرار القضية الفلسطينية لم يكن بأيدي أصحاب الحق وكان الاستعمار الغربي هو المسيطر على مقدرات وقرار الأمة فكانت الخيانات المتكررة على القضية الفلسطينية أمرا طبيعيا ولم يستطع أحد أن يصفها بالخيانة لأنه لم يكن هناك فصل حقيقي لأصحاب القرار بل كانوا خليطا مشوها ، واستمر الحال كذلك حتى انطلقت الثورة الفلسطينية وتقدمت حركة فتح لاستلام زمام القيادة وانطلقت تقاتل في كل الاتجاهات وعلى كل الجبهات ، فقاتلت بشكل مباشر عصابات الاحتلال لوضع القضية الفلسطينية على رأس سلم الاهتمام الدولي وكشف حقيقة ما يحدث على أرض فلسطين ، وقاتلت على الجبهات العربية لإثبات الحضور الشعبي العربي وضرورة مشاركته في خوض المعركة وفضح الأنظمة العربية التي ترفع شعار تحرير فلسطين لخداع شعوبها وكشف مواقف كل نظام عربي وحقيقة ولائه ، وخاضت معارك دولية على المستوى الإعلامي والديبلوماسي لوضع المجتمع الدولي أمام مسئولياته وتهديد مصالح الدول التي تتساوق مع الاحتلال ولكن بمسئولية عالية ، وخاضت معارك داخلية للحفاظ على الوجود الفلسطيني وتنظيم البيت الفلسطيني من الداخل واعتبار أن وحدة الشعب الفلسطيني هو الصخرة الصلبة التي تستمد القضية الفلسطينية منها القوة والصمود والاهتمام باحتياجات الشعب الفلسطيني ومتابعة شئونه لتعزيز صموده في وجه الآلة والأطماع الصهيونية ، كل ذلك التاريخ الطويل سجلته الثورة الفلسطينية بأحرف من نور ونار ، حتى وصلت القضية الفلسطينية الى ما وصلت إليه من حضور دولي لا يمكن تجاوزه وحصلت على الاعتراف الدولي بشكل قوي دفع الخصوم الى إعادة النظر في مواقفهم وعدم قدرة أي خصم أن يواجه هذا الدعم الدولي وخاصة الإدارات الأمريكية المتعاقبة وكذلك الحكومات الإسرائيلية من اليمين الى اليسار ، واعترف الجميع بالحقوق الفلسطينية وهذا هو إنجاز الثورة الفلسطينية التاريخي .

لذلك تنظر ' فتح 'اليوم الى التاريخ أكثر من نظرتها الى المستقبل ، لأنها اليوم وبعد كل تلك الانجازات التاريخية تتعرض لاهتزازات داخلية عنيفة لا تمكنها من الاستفادة من المتغيرات الإقليمية المحيطة بها وهي في الحقيقة تصب لصالح ما تحمله من إرث فكري وثقافي وسياسي ، وكافة القوى والأحزاب الصاعدة في العالم العربي والإسلامي أقرب الى حركة فتح تنظيما وإدارة وسياسة أكثر من أي فصيل آخر وعلى سبيل المثال حزب العدالة والتنمية التركي وحزب النهضة التونسي وحزب الحرية والعدالة المصري بما يطرحونه اليوم من أطروحات جديدة هي متطابقة تماما مع الأطروحات الفتحاوية بل سبقتها فتح بسنوات طويلة ، وكان الأجدر أن تكون حركة فتح هي الأكثر استفادة و الأكثر حضورا في الربيع العربي لو كانت أوضاعها الداخلية أفضل ولو كانت لديها الجاهزية لوضع الخطط التنظيمية الصحيحة للتواصل مع هذا المحيط الجديد ولكن سبقها لذلك غيرها فقط بسبب جاهزيته لذلك وقدرته على تسويق ذاته .
حركة فتح اليوم تنظر الى المرحلة الجديدة القادمة – مرحلة ما بعد المصالحة – وهي لازالت تحلم باستعادة ماضيها واسترداد جزء مما فقدته وهذا يحتاج منها الى بذل جهود مضاعفة ، للأسف لا نرى حتى اللحظة أي بوادر واضحة تبشر بذلك المستقبل ، فتح اليوم قدمت الكثير من أجل الخروج من مربع الانقسام واستعادة وحدة الشعب الفلسطيني وكما هي عادتها وقدرها أن تتحمل المسئولية الدائمة عن الجميع ومطلوب منها أن تتحمل خطايا الجميع فهي تقود الحالة من جديد ولكنها مثقلة بما لا تستطيع حمله ، فتح اليوم تتراجع فكريا حيث أصبحت تتصرف كتنظيم خاص بأعضائه فقط ولم تعد التنظيم الجماهيري الواسع الفضفاض لم تعد تهتم بحلفائها بسبب مشاكلها مع أعضائها وهذا أخطر ما تواجه حركة فتح ، هناك إعادة بناء خفية للحركة تعيدها الى الخلف بدلا من دفعها الى الإمام ، لم تعد قيادات الحركة بأبعادهم ومشاربهم الفكرية المختلفة ظاهرين بذات الوضوح وذات القوة المعهودة عنهم بل أصبحوا يتبعون التعليمات أو ينتظرون التعليمات مثل بقية الأحزاب الأخرى لم يعد عضو المجلس المركزي أو الثوري أو أمناء سر الأقاليم بذات التأثير والحضور والهيبة التي كانوا يتمتعون بها سابقا بل أصبحوا موظفين كل واحد يخشى على مكانته وموقعه ، لم يعد هناك الاستعداد للتضحية بالقليل من أجل الحركة بل السؤال الدائم عن الفوائد والامتيازات التي ينتظرها المسئول ، والإشكاليات كثيرة التي تواجه الحركة ولكن هناك من لازال يصر ويعتقد جازما أن حركته لازالت تملك من الإمكانيات والإرادة لتعود من جديد للواجهة وتسترد عافيتها وصورتها ، والجميع يؤمن أن امتلاك فتح لقوتها هي مصلحة وطنية عامة قبل أن تكون مصلحة فتحاوية خاصة ، وستبقى فتح بالرغم من كل ما يمر بها هي الرافعة الأقوى للمشروع الوطني ، ولازال أنصار وحلفاء فتح يترقبون تلك النهضة الموعودة للحركة والخروج من مجمل الانتكاسات الداخلية والخارجية التي تعصف ببنيان حركة الشعب الفلسطيني ، وستبقى نظرات الرئيس الشهيد ياسر عرفات – رحمه الله – من داخل قبره تراقب المشهد وتتساءل ' هل نفذتم الوصية ؟ ' .

رئيس مركز آدم لحوار الحضارات
www.imadfalouji.ps







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=8174