عبدربه العنزي : يا غزة.. أنت أجملهم وأجملنا
التاريخ: الجمعة 23 ديسمبر 2011
الموضوع: قضايا وآراء



يا غزة.. أنت أجملهم وأجملنا

د.عبدربه العنزي

تتجول في المدن، بعد أن تقرر أن تهرب من غزة، تلعنها وانت تتركها معتقدا ان خلف ظهرك ستغادر الفقر والبؤس والحصار والسجن والسياسة ومزاج ناسها الحاد. والاختناق من عوادم السيارات والطرق الترابية،



يا غزة.. أنت أجملهم وأجملنا

د.عبدربه العنزي

تتجول في المدن، بعد أن تقرر أن تهرب من غزة، تلعنها وانت تتركها معتقدا ان خلف ظهرك ستغادر الفقر والبؤس والحصار والسجن والسياسة ومزاج ناسها الحاد. والاختناق من عوادم السيارات والطرق الترابية، وازدحام شوارعها وأسواقها وأزقتها، واصطفاف بيوتها من فوق ومن تحت، تترك غزة وانت تنتمي إنسانيا الى مكانها ومكانتها، هناك في باريس او بروكسل او دبي او اوسلو او برلين او مراكش او الخرطوم تنقل خطاك لتكتشف انك غزي الجينات والنشوء والارتقاء بوعيه واحساسه وردات فعله وعصبيته وحنينه، هناك في الغربة ،في البلاد الفسيحة الواسعة التي تنفق الملايين لنظافة البيئة وتمل من صمت مدنها وشوارعها تكتشف مدينتك التي تركتها خلفك كانها مدينة الله الوحيدة على الارض.

حينما تهجرها او تهاجرها.تحس كم هي غالية .تدرك ان أضغاث احلامك حين كنت تسير في حواريها هي التي سولت لقدميك ان تبعد وتبتعد. تسبها وهي حبيبتك ومقلة عينك.كأب يترك بيته هربا من شقاوة اطفاله لكنه سرعان ما يعود ليحملهم بفرح فوق كتفيه. تعلن كفرك بحياتها. الى حين غربة تحرق قلبك ومشاعرك ودموعك الى الرفاق وامسيات اهلك وحلقات سمر الجيران، لحفلات الشواء على شاطىء بحرها، لضجيج اقاربك ومعارفك واصحابك الذين يقتحمون قيلولتك دون سابق انذار.

غزة بقعة من جغرافيا الارض لا تصلها خطوط الطول ولا خطوط العرض، لكنها تطول بقيمتها وحضورها ودلالتها وعنفوانها واحداثها كل عاصمة من عواصم الارض، لها مركز جاذبية تاريخي وقائم ، مدينة مرصعة بالبيوت المسقوفة بالزنك، تتلمس في كل ناصية رائحة الصدمة والترقب، اكوام حجارتها شاهدة على بقايا المعارك التي لا تنتهي حول تخومها او بين اقدام المارين بطرقاتها، وتحت سماء مخيماتها تتسع المقابر لتتمكن من احتضان المزيد من الشهداء والأموات الذين أخذت أرواحهم الأدوية الفاسدة وأشباه المستشفيات ،هي المدينة التي من صلبها كان الفدائي الاول، كان الحجر الاول، الرجوع الاول، الموت الاسرائيلي المزمن، في ساحاتها تستمر المعارك، تنزف الدماء غضة مثل زهور الياسمين وليلة القدر، دموع نسائها أشبه بالحناء وهي ترسم في الوجوه ملامح جديدة لجمال الحزن وروعة البكاء الطيب، هي المدينة التي تمطر سمائها طائرات هيلوكبتر واباتشي امريكية المنشأ ،وصواريخ انشطارية وفسفورية وعنقودية، المدينة التي يضج جوها  بطائرات زنانة لا تنام ولا تريح، مدينة مراقبة من البحر،من جوانب برها الثلاثة، ومن سمائها، محاصرة في انفاس الهواء التي تدخل صدور الغزيين، مغلولة الحركة ،ممنوعة من تخطي المعابر والحدود، محرومة من مائها وانارتها، بلا سند او رفيق، في مخيماتها تفهم لماذا يقاتل الغزيون ببسالة؟ لماذا نزرع الياسمين فوق عتبات البيوت؟ لماذا يسقط الفقراء فيها نحو الموت وهم يبتسمون؟

حين تعيش على ايقاع تفاصيلها وحياتها تعرف انها وحدها، وحين تمضي في العواصم المرفهة والبعيدة عنها تعلم ايضا كم هي منسية وبائسة؟ يكرهها الجبناء القريبون،كما يكرهها الاعداء القريبون والبعيدون.

لفتيتها نزع نحو التمرد المستمر،في صباياها نزق الحرائر، تقدمها مرئيات التلفاز كمدينة استوطنها البؤس والخراب والجوع، وهي المدينة التي يسكنها الناس الاكثر املا وحلما وحبا ودفئا في كل اصقاع الارض.

ناسها موجعون، لكنهم طيبون اكثر من خصوبة سهل مرج بن عامر،انفعاليون لكنهم يشبهون ريحا خماسينية جاءت بالصدفة في ايام الشتاء، حادون لكنهم ارق من نسمة تداعب سنبلة في وادي مزروع بالقمح، عابسون وبين شفاههم ضحكات تشبه غرغرة الرضع، انهم بشر متناقضون لكنهم اشرف من سكان المدن والعواصم المتحضرة.

غزة تعلم ان هناك من يريدها مدينة العبيد والحطابين. مدينة العنف والانفلات ، مدينة جاهزة لتكون كبش الفداء، المدينة الاقل استعدادا للتطور ، مدينة الكراهية، يدرك سكانها ان هناك من يتربص للاساءة الى قامتها،لأن الطريق نحو استرداد عافيتها سيعني انها ستعيد مكانتها كقيمة في نضال فلسطين وتاريخها، المتلصصون على حريتها يستمرون في معاقبتها على شجاعتها في النضال والمواجهة والفداء.

اذا اردت ان تعرف عظمة هذه المدينة راقب كيف يتصرف القريب والبعيد مع مواليدها، راقب العواصم كيف تلفظ رجالها؟ كيف يصلب الغزيون في بلاط المطارات العربية، كيف يهانون في مدن فلسطين الاخرى.

غزة هي أجملهم وأجملنا. غزة رغمهم جميعا .مدينة الثورة ..مدينة الإنسان.. مدينة الحياة.  







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=8000