سامي الأخرس : الحرية في رؤية شباب الربيع العربي
التاريخ: الأثنين 12 ديسمبر 2011
الموضوع: قضايا وآراء


الحرية في رؤية شباب الربيع العربي
سامي الأخرس
الحرية في رؤية شباب الربيع العربي يعيش الفرد الاجتماعي الحرية إما كتحرر وانعتاق وإما كخضوع وعبودية،


الحرية في رؤية شباب الربيع العربي
سامي الأخرس
الحرية في رؤية شباب الربيع العربي يعيش الفرد الاجتماعي الحرية إما كتحرر وانعتاق وإما كخضوع وعبودية، حيث أن الحريات تدور في إطار الظهور والضمور، وكلما تعلم الإنسان أو الفرد قوانين الحرية، كلما ازدادت قدرته على التعامل مع الحرية، وإخراجها من الشعار الذي يردده وينادي به، إلى التطبيق الفاعل للمفهوم وتجربته على قدر الفهم الذي وصل إليه. ولأجل هذه الحرية اندلعت ثورات الربيع العربي قبل عام من كتابة هذا المقال، بشرارة لم يتوقعها المتفائل قبل المتشائم حيث أشعل شاب بسيط(بائع متجول) بنفسه النيران انتقامًا أو انتصاراً لكرامته، فتلقف المحرومين هذه الشرارة وتحدوا خوفهم وانطلقوا إلي الشوارع في تونس الخضراء، ومنها إلى الميادين في مصر المحروسة، فكان الفعل أقوى من ردة الفعل، وانتصر الفعل، طلباً للحرية التي صاغها الشباب العربي، بطريقته التي خرجت عن طور التقليدية، وعن منهجية التاريخ الرتيبة، فشهد ميدان التحرير"ثورة" لم يشهد التاريخ مثلها من حيث الأسلوب والشعار والأداة، فامتزجت الإرادة بالطرفة، والتحدي بالإبداع، والدم بالفكاهة، وصنعت ثورة بيضاء، عنوانها"الحرية" وهي الفلسفة التي اعتبرت مدخلاً لشعوب عربية أخرى مثل اليمن التي استنسخت الثورة المصرية بشعاراتها، وبأدائها وطبقتها، دون الخروج عن النص. إذن، فالحرية هي المحرك الدافع لقوى الشباب العربي في انتفاضاته أو ثوراته الشبابية التي سخرت التكنولوجيا كسلاح تنسيقي فيما بين قطاعات غير منسجمة فكرياً أو طبقياً، وغير منظمة في إطار جامع مؤهل لها، وإنما لديها شراكة أو قاسم مشترك وحيد فقط هو" الحرية" بمفهومها الممزوج بالغموض لدى شباب ترعرع على المفهوم المغلق لمعنى"الحرية" الناتج عن الاحتكاك بالمجتمعات الافتراضية التي وفرتها وسيلة الانترنت التي فتحت العالم على مصراعيه لكل بقاع المعمورة، فأصبح هناك تبادل معرفي- ثقافي. حتى هنا عبّر الشباب عن فهم متجرد للحرية، ونحن فهمناها بشكلها الذي نعرفه، وندركه، ونعلم مفاتيحه، ومخارجه، حتى بدأت تتضح ملامح المفهوم الآخر للحرية في ذهن عالمنا العربي، العالم المحافظ على قيمه وتقاليده، وعاداته الاجتماعية، بالرغم من كل محاولات الانفتاح الممارسة من قبل العولمة الثقافية، إلاّ أنّ هذه المجتمعات مضت على نهجها وقيمها، حتى بدأت تتسلل بعض القيم الغربية، غير المقبولة، وغير المعهودة في منظومة القيم للمجتمع العربي- المسلم بفطرته- والمتدين بطبيعته، والمحافظ بكل فئاته، وطبقاته، حتى بالجزء الأخر منه المسيحي والماركسي...الخ، فهم منسجمون في مجتمع محافظ، ذو قيم متوارثة. مع ثورات الشباب بدأت مفاهيم جديدة تلتصق بالحرية مثل، استدعاء أو الاستعانة بالمستعمر، وهي شكل كان لوقت قريب جداً مرفوض إطلاقًا حتى ابتدعته الكويت بعد الغزو العراقي؟، وكذلك المعارضة العراقية المرتبطة بالمستعمر الأمريكي، ومن ثم سارت على النهج المعارضة الليبية، وبدأت هذه الفكرة مُبررة لدى المنادين بالحرية. الممارسة الأخرى للحرية هي عدم الاعتراف بالقوانين والنظم الاجتماعية السائدة، وبدأ البعض يحاول التمرد أو القفز على هذه النظم والقوانين الضابطة مثل الفِعل المنحل للناشطة المصرية التي تعَر كنوع من الحرية، ومحاولة البعض تقليدها وكأنها بطولة، في حين إنها سقوط لا يُعبّر سوى عن عبودية للجسد، لأن الحرية، حرية روح وليس بَدن، وكذلك الصورة الأخرى لبعض الناشطات السوريات اللواتي كتبن على ظهورهن بأسهم نحو المؤخرات بإشارات لا تحمل سوى سفاهة بشرية، أقل ما يمكن وضعها، باستحقار الإنسان لجمالية إبداعية الخلقية الجسدية والروحية، وسقوطه من معنى الحرية الفعلي إلى الحرية العبودية الجسدية، وهي نفس الحرية التي خلقها الله مع الحيوانات تمارس غرائزها بلا قيود اجتماعية أخلاقية، وهذا مفهوم الحرية التي يجب أن يسال شبابنا العربي نفسه لماذا كُرم الإنسان بالحرية الروحية، والحيوان بالحرية الجسدية؟ إذن فهنا بدأت تتداخل المفاهيم مع الغرائز، وبدأت تنطلق الاسهم الناقعة بالسم في جسد الربيع العربي من خلال إقحام العديد من المظاهر والمعاني في مفهوم الحرية، الذي يستهدف إسقاط المفهوم الواقعي والحقيقي للحرية الفعلية التي انتصر لها الشاب(محمد البوعزيزي) لكرامته، ونفسه، فمارس فناءه لجسده مقابل حرية روحه، ليضرب نموذجاً بمعنى الحرية الفعلية، رغم أن ممارسته للفِعل كانت بلحظة قوة أنهى بها حياته، وهي النهاية التي تعتبر في حد ذاتها مرفوضة فالتخلص من الحياة لا يمكن له جلب حرية، وإنما التحدي قائم والمسئولية تاريخية. الخلاصة أنّ شبابنا العربي عليه استدراك معانِ ومفاهيم، ودلالات الحرية الفعلية، وعدم تجريدها من قدسيتها والسقوط بها لمستنقع العبودية الجوهرية، فالحرية هي حق مطلبي للإنسان أولًا، وللأرض ثانياً، فلا يمكن المطالبة بحرية الجسد إنّ لم تتحرر الروح.


الحادي عشر من ديسمبر(كانون أول) 2011م






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=7776