موسى نافذ الصفدي : قدر الأشجار أن تموت واقفة ( 2 )
التاريخ: الأثنين 05 ديسمبر 2011
الموضوع: قضايا وآراء


قدر الأشجار أن تموت واقفة ( 2 )
موسى نافذ الصفدي

ملاحظة سبق ونشرت قسم منها تحت اسم ذكرى الانطلاقة ( حكاية من الشتات – 2 - )
( ـ أن تكون في أي مكان و في أي وقت مع الشهيد القائد الشهيد الخالد أبو عمار ، يعتبر ذلك بحد ذاته شيئاً


قدر الأشجار أن تموت واقفة ( 2 )
موسى نافذ الصفدي

ملاحظة سبق ونشرت قسم منها تحت اسم ذكرى الانطلاقة ( حكاية من الشتات – 2 - )
( ـ أن تكون في أي مكان و في أي وقت مع الشهيد القائد الشهيد الخالد أبو عمار ، يعتبر ذلك بحد ذاته شيئاً يصعب على الإنسان وصفه أو تقديره بثمن ، و أن تكون معه و هو يقوم بعملياته الفدائية وتشاركه الطريق إلى الوطن و بعض اللقيمات على قلتها في ذلك الوقت لهو شيء يفوق الوصف ، و مشاركته السلاح الذي استطاع الأخ أبو عمار أن يأتي به من الصخر و المستحيل و من أوجاع أبنائنا و نسائنا و شيوخنا في المخيمات و رغبته الحقيقية الصادقة في أن ينقذ شعبنا من الهوان وذل الخيام واللجوء فذلك يجعلك من أكثر الناس حباً و افتقاداً لهذا الرجل العملاق الذي استطاع أن يصنع معجزة الثورة و الكرامة و العزة و الفخر لكل الأجيال الفلسطينية ) بهذه الروعة و البساطة يلخص أبو محمود بداية رحلته مع الشهيد الرمز ياسر عرفات ، و يضيف أننا كنا ندرك صعوبة ما نحن مقدمين عليه نتيجةً للظروف الصعبة و المعقدة التي كانت تحيط بانطلاقة الثورة ، لم تكن الإمكانيات المتوفرة آنذاك تسمح للأخ أبو عمار أن يبدأ أي بداية سوى تلك البداية الصعبة بالاعتماد على الذات فقط ، كل ما كنا نملكه هو الإيمان بقضيتنا و بما قاله الأخ أبو عمار حول حتمية انتصارنا و حتمية مشاركة شعبنا الفلسطيني العظيم لنا في ثورتنا من أجل تحرير فلسطين .
و للتاريخ أقول أن كثيرين شككوا بما كان يقوله أبو عمار و منهم من استقال من حركة فتح و منهم من حاول الانشقاق عنها و منهم من حاول النيل من أبو عمار من خلال علاقاته الشخصية بالأنظمة التي كانت تسمى ثورية في ذلك الوقت و أرسل لها الرسائل ليكيد و يوقع بينها و بين أبو عمار ، و مع ذلك و أمام إصرار أبو عمار انهارت كل المنظومة التي لم تقتنع بفكرته حول انطلاقة الثورة و إشعال شعلة الكفاح المسلح التي فتحت الطريق أمام الثورة الفلسطينية المعاصرة حتى هذا اليوم .
من المستحيل أن أتحدث عن تجربتي في حركة فتح من دون المرور بأهم عامل و محور في تأسيسها ن الذي شكل النافذة الأهم للإطلال على تجربة الكفاح الفلسطيني ، فبدون ياسر عرفات يصبح تاريخ الحركة مجتزأ إلى حد كبير تضيع فيه ملامح تجربتنا حتى الشخصية منها في فتح ، ليس للدور الذي كان يلعبه أبو عمار فحسب و إنما لتقاطع التفاضل منها بأدق تفاصيلها الإنسانية و الإجتماعية بشخصية و سلوك هذا الأخ و القائد الإنسان العظيم .
حياة الرمز أبو عمار كانت لنا ولكل من عرف هذا الرجل مدرسة تعج بالدروس التي لا تنتهي و ليس بمقدورك إلا أن تتعلم و تتعلم منها و تنهل منها و من دروسها التي لم تكن لتنتهي حتى لحظات احتضاره التي لم يفارقه فيها الظروف الصعبة التي يعيشها أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان و كان يوصي بهم خيراً .
كان أبو عمار قائداً حقيقياً يشاركنا و يهتم بكل التفاصيل في حياتنا العامة و الخاصة حتى الأمور التي كنا نعتقد أنها صغيرة و غير مهمة كنا نجد أن الأخ أبو عمار يعيشها معنا و يشاركنا فيها .
و هنا اذكر أنه في احد المرات التي كنت فيها على تماس بهذا الر مز كانت في ليلة السادس و العشرين من شهر نيسان عام 1966 كنا في سوريا و اجتمعنا في مركز زقاق الصخر بهدف التخطيط لعملية داخل الأرض المحتلة بوجود الأخ الشهيد أبو عمار و الضابط يوسف عرابي ، و بعد أن خططنا للعملية اتفقنا على التحرك في اليوم الثاني وإذ بنا نفاجأ في صباح اليوم التالي بمقتل الضابط يوسف عرابي و الضابط محمد حشمة و بعدها تم اعتقال مجموعة قيادة فتح في سوريا ، مما وضعنا في موقف حرج ومعقد و بعد ذلك لم نرى الأخ الشهيد أبو عمار و لا الأخ الشهيد أبو جهاد إلا بعد خروجهم من السجن بشهرين من هذه الحادثة و عندها تلقينا أمرا بالتوجه إلى مركز لنا في جوبر فالتقيت بعدد من الشباب و لم أكن أعرف حينها إلا القليل منهم و قد حضر الأخ الشهيد أبو عمار و الأخ الشهيد أبو علي إياد و معهم بعض الأخوة وقال لنا الأخ أبو عمار بأننا سنشكل دورية للقيام بعملية داخل الأرض المحتلة ، و قمنا أثنائها بتجهيز أنفسنا وعندما أصبحنا جاهزين للتحرك التفت الأخ أبو عمار للأخ أبو أحمد الجزائري ( لا يزال يسكن احد المخيمات الفقيرة مع أبنائه و أحفاده عن عمر يناهز التسعين ) و أعطاه رقم هاتف و قال له لن نتأخر أكثر من يومين أو ثلاثة أيام و إذا تأخرنا أكثر من ذلك اتصل بهذا الرقم و أبلغه بأن المجموعة قد تأخرت فيما بعد عرفنا من الأخ أبو أحمد الجزائري أن الرقم يعود للأخ الشهيد أبو جهاد و انطلقنا باتجاه الجبهة السورية حتى وصلنا قرية إلى العباسية الحدودية و اجتمعنا هناك بمجموعة أخرى من الحركة ليصبح عددنا أربعة عشر عنصرا و هم على ما أذكر – ( الأخ أبو عمار و الأخ أبو علي إياد و سعيد شرعان و مصباح عبد الحق و أبو محمود مصطفى ( الخوري ) و منير و حسين الهيبي و الشيخ صبري و خالد أبو العلا و سعيد محاد و شعبان الشاكر و أبو علي شمدين أبو غسان و الأخ نعيم ) –
قمنا بالتحرك باتجاه الأراضي اللبنانية إلى قرية المجيدية و أراضي الخيام و قطعنا نهر الحاصباني وسهل سردة الى كفر كلا وتل الفحاس مقابل مستعمرة المطلة فأقمنا هناك وفي الصباح اكتشفنا أننا لم نكن نبتعد عن جنود الكمين اللبناني سوى بضعة أمتار ومن حسن الحظ أن جنود الكمين اللبناني انسحبوا دون أن يشعروا بوجودنا وبقينا حتى المساء فأمرنا الأخ أبو عمار بالتحرك وإذا بسعيد شرعان أحد أعضاء المجموعة يقول أنا لا أستطيع التابعة لأن قدمي لن تساعدني في المضي معكم إلى الأمام و لا أريد أن أعيقكم , فطلب منه الأخ أبو عمار الرجوع إلى سوريا عبر نفس الطريق و تابعنا التحرك باتجاه الأراضي المحتلة ولم نستطع الوصول لأن الدليل الذي كان معنا قد اختلطت عليه الطرق وقد كان الدليل أبو علي شمدين من أصل لبناني فأقمنا في مغارة بالقرب من قرية عديسة اللبنانية وفي مساء اليوم التالي تحركنا إلى داخل الأرض المحتلة مرورا بالقرب من مستعمرة شعارهاجولان وهي مزرعة أبقار ومنها وصلنا الى مستمرة هونين وقمنا بتنفيذ العملية كما خطط لها من قبل الأخ أبو عمار وعدنا أدراجنا باتجاه الأراضي اللبنانية ولم نشعر بأنفسنا إلا و نحن في قرية عديسة و قد حان وقت آذان الفجر و ساعد ذلك بعض أهالي القرية على مشاهدتنا دون أن ندري بذلك وأقمنا في المغارة التي كنا قد أقمنا فيها في الليلة السابقة وكان الشيخ صبري يقف حارساً على باب المغارة ونحن نائمون حتى استيقظنا على صوت طلق ناري يصيب سقف المغارة قام الأخ أبو عمار وبدا يسال الجميع فيما إذا تضرروا فسأل أبو عمار الشيخ صبري ما هذا فقال له أنه قد مر من أمام المغارة شرطيان فلما تحركت محاولا أن أتخفى ارتطم الساموبال بالأرض فخرجت الطلقة وارتطمت بالسقف وكانت الساعة وقتها حوالي الخامسة والنصف فتشاورنا حول ما يتوجب علينا فعله فاجمع الكل بأن نتحرك سريعا فخرجنا من المغارة واتجهنا باتجاه الشرق وإذا بنا محاطون بعدد كبير من الجنود يصيحون بأن نلقي أسلحتنا ونرفع أيدينا فتم ذلك بعد أن طلب منا الأخ أبو عمار الاستجابة لهم واقتادونا الى مخفر عديسة وبقينا في المخفر الى عصر ذلك اليوم حتى حضرت سيارتان عسكريتان ونقلونا الى بيروت ونحن في الطريق طلب الأخ أبو عمار منا جميعاً أن نقول بأننا من الفرع الخارجي السوري للاستطلاع التابع للأركان والمسئول عنا هو الملازم أول عبد القادر عبد الجليل مما أثار دهشتنا حينذاك ولم نفهم المغزى . ( تفصيل اعتقال الشهيد الرمز أبو عمار مع باقي أفراد المجموعة سأرويها لكم لاحقاً )
كل هذه الأمور المرتبطة بالعملية قد تبدو عادية و لكن التفاصيل الحقيقية لشخصية أبو عمار تكمن في كيفية تعاطيه معنا و قدرته التي لمسناها على الإبقاء الدائم على المعنويات العالية لكل من يحيط به و يعمل معه و قدرته الكبيرة على الاحتفاظ بأسراره التي كنا دائماً نكتشف أنه كان محقا في الاحتفاظ بها و إخفائها عن الجميع .
هذه القصة رواها الأخ الشهيد أبو محمود عن الشهيد الفارس الرمز أبو عمار من مخيم اليرموك الذي لا يزال وفياً لأبو عمار و وفياً للقيم التي جسدها و رسخها الباقية فينا و ستبقى للأبد .

دمشق / مخيم اليرموك
5/12/2011
mousa1.1965@hotmail.com






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=7579