محمد خير الجهماني : التغيير في سورية بين الممكن والواقع
التاريخ: السبت 19 نوفمبر 2011
الموضوع: قضايا وآراء



التغيير في سورية بين الممكن والواقع

محمد خير الجهماني
مهما تظاهر النظام الفاسد والمستبد في سورية بالتماسك ورباطة الجأش، ومهما تجلبب بشاعرات (الممانعة) ومحاربة المخططات الأمريكية والصهيونية وهو المكلف بتنفيذها، ومهما (تباكى) على الشعب الفلسطيني


التغيير في سورية بين الممكن والواقع

محمد خير الجهماني
مهما تظاهر النظام الفاسد والمستبد في سورية بالتماسك ورباطة الجأش، ومهما تجلبب بشاعرات (الممانعة) ومحاربة المخططات الأمريكية والصهيونية وهو المكلف بتنفيذها، ومهما (تباكى) على الشعب الفلسطيني وهو الوالغ في دمائه حتى النخاع الشوكي (تل الزعتر) ومهما أبدى من حرص زائف على العراق وأهل العراق وعروبة العراق وهو الذي شارك إيران بالنفس والنفيس أثناء حربها ضد العراق، وليس هذا فحسب بل هو من أرسل قواته إلى حفر الباطن لتشارك في قتل العراق وأهل العراق وعروبة العراق.
ومهما تباكى في الدفاع عن الوطن والمواطن (بكلمات) حق يراد بها باطل تغش بعض الأحيان مناضلين ومفكرين عرب على شاكلة المؤتمر القومي العربي، وهو الذي يزج بخيرة أبناء سوريا من المفكرين والوطنيين ومن الناشطين السياسيين والمدنيين الحاملين لهم الوطن والمواطن بأساليب (قراقوش زمانه).
ومهما أظهر وأخفى وغالبا ما يخفي ولا يظهر فإن اثنان لا يختلفان على أن هذا النظام الظالم والمستبد يمر بأزمة جدية يمكن أن تكون الأعمق والاشمل لكنها بكل تأكيد من طبيعة وجوهر وممارسات هذا النظام منذ وصوله إلى السلطة بانقلابه العسكري في تشرين الثاني من عام 1970 وقيامه بزج المئات من كوادر وقيادات حزب البعث العربي الاشتراكي في السجون وعلى رأسهم الرفيق المناضل والشهيد الدكتور نور الدين الآتاسي رئيس الدولة الأمين العام للحزب، الذي بقي رهن الاعتقال في سجن المزة العسكري ( باستيل ) سورية قرابة الربع قرن بظروف لم تشهد القرون الوسطى مثيلا لها وبتبرير الاحتجاز الاحترازي حتى أنهكه المرض وخرج ليستشهد في إحدى مستشفيات باريس، وكذلك الرفيق المناضل الشهيد صلاح جديد الأمين العام المساعد للحزب والذي بقي رهن السجن الاحترازي أيضا حتى استشهاده في إحدى مستشفيات دمشق.
كان طبيعيا أن يمر هذا النظام الطاغوت والأحادي بأزمات متتالية، يلتف عليها ويسيرها بمحاولات حثيثة لتفتيت المجتمع على أساس طائفي وبث روح العداء والتناحر بين أبناء المجتمع الواحد المشهود له بوحدته الوطنية، وبزيادة شريحة المنتفعين والانتهازيين من حوله من مختلف الطوائف وإطلاق يدهم سلباً ونهباً وفسادًا ، وتسليط قبضته الحديدية الفاشية بواسطة أجهزته الأمنية على عموم أبناء المجتمع قهرا وسجنا وإبادة جماعية.
مستفيدا في كل ذلك من ضوء أخضر أمريكي إسرائيلي وسوفيتي في حينه مع كل أسف حيث تقاطع اليمين الدولي واليسار الدولي وكذلك اليمين العربي واليسار العربي في دعم هذا النظام والسكوت عن المجازر التي ارتكبها في حق أبناء سورية بهدف تمرير الحلول التصفوية الاستسلامية للقضية الفلسطينية، والدليل دخوله المجرم عام 1976 إلى لبنان بمباركة أمريكية وتأييد إسرائيلي للقضاء على المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
لقد كان الدخول إلى لبنان عام 1976 أزمة بكل المعاني مع المقاومة الفلسطينية والوطنيين اللبنانيون و السورييون 0التف عليها بقمع وتصفية المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وسجن الآلاف من أبناء المجتمع السوري، إلى خروجه المهين من لبنان بعد اغتيال رئيس وزرائها السابق رفيق الحريري وبعد أن حرقت كل أوراقه والتي كان أخرها الورقة اللبنانية، وبعد أن انقلب السحر على الساحر هاو هو بخروجه المهين من لبنان ليس كدخوله المتآمر.
بعد كل هذا لابد أن تتوازن المعادلة الداخلية في سورية... ومع اعترافنا أن أحد أسباب بقاء هذا النظام لمدة طويلة في الحكم يكمن في أحد أسبابه الهامة بضعف البديل الوطني الديمقراطي... فلابد والحالة هذه أن ننتبه جيدا كل القوى الوطنية الديمقراطية في سورية لإقامة تحالفاتها بمنتهى الوضوح والشفافية وعلى أساس تحرير الوطن أولا وأساسا من هذا الكابوس... فإلى متى يبقى الوطن والمجتمع بحالة ترقب وانتظار مخيف.
الأكيد... الأكيد أن النظام لن يتغير هكذا بقدرة قادر وهو المجبول أصلا على الظلم والقهر والفساد، والأكيد الأكيد أن مهمة تغيير هذا النظام والوصول بحالة الوطن المكلوم إلى التوازن والديمقراطية يجب أن تكون مهمة القوى الحية جميعها داخل صفوف المجتمع بمختلف تياراتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية فماذا نرى اليوم؟.
إنني لا أنكر أن هناك حراكا سياسية جديدا من حيث الشكل والمضمون فمن الناحية النظرية والعملية نرى حراك العديد من منظمات المجتمع المدني كربيع دمشق، ومنظمات حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية... كما أننا نقرأ للعديد من الحركات والأحزاب السياسية الجديدة والمهم في ذلك أن كلها تنتهي بالديمقراطية والعدالة والحرية...الخ ما هنالك من نظريات تعتني بالوطن والمواطن.
وأكثر من ذلك تراك تمارس الفرح السياسي بينك وذاتك وأنت المقموع المقهور والمحروم من أبسط حقوق المواطنة من أكثر من ثلاثة عقود ثقلها كالجبال الجاثمة على صدرك وصدر وطنك وشعبك عندما تسمع وتقرا ان إعلانا في دمشق قد بزغ يتوج محاولات ولقاءات عديدة حصلت في الوطن رغم كل النواقص والملاحظات إلى أنه يبقى من حيث المحصلة العملية انطلاقة واقعية جاءت في الوقت المناسب والمكان المناسب، مباركته ضرورية والعمل على تطويره مهمة مطلوبة.
كما أننا نشاهد ونقرأ عن لقاءات تمت في الخارج وفي أكثر من دولة أوروبية وحتى في أمريكا نفسها، تجعلك أحيانا تلملم فرحك السياسي والوطني وتنظر إلى هذا البعثرة السياسية من منظار إعادة الخلل في التوازن لصالح النظام المرتبك والفاقد لتوازنه الداخلي الشيء الذي يجد تعبيره جليا وواضحا في الاعتقالات الأخيرة لمجموعة من خيرة المثقفين الناشطين سواء في إعلان دمشق أو في منظمات المجتمع المدني.
في كل هذا ومن خلال قراءاتنا للعديد العديد من البيانات والمقالات نرى أن:
1- البعض يراهن على أمريكا
2- والبعض الآخر يرفض سماع اسمها
3- البعض يعتقد بالحل السياسي مع النظام نفسه
4- والبعض الآخر لايرى فائدة ترجى في إصلاح هذا النظام وينادي بالتغيير الديمقراطي
5- والبعض ينتظر حركة عسكرية يقوم بها ضباط الجيش
6- وآخر ينتظر التغيير من داخل البعث...الخ.
كل مجموعة من المجموعات الجديدة القديمة والتي تحمل بعضا من هذه المفاهيم تتمترس حول موقفها وتطلب من الآخرين الإنضمام إليها وتضع كثيرا من الخطوط الحمراء والقواعد التي يجب على الآخرين السير على سراطها المستقيم، وكثيرا من المماحكات الفكرية والسياسية الغير صحيحة كالاتهام وغير ذلك والتي تتعدى منطق المنافسة النزيهة والحرة والتي تتوه عن تحديد الأساسي في العداء من الثانوي، والبعض يرفض هذا التجمع... وذاك الإعلان بحجة أو أخرى دون أن يضع بديلا واضحا مقنعا.
إن العمل السياسي وفي مثل ظروفنا يجب أن يرتكز على التحاور والجدل الديمقراطي لأن الساحة تتسع للجميع وهي بحاجة إلى جهود الجميع شريطة الابتعاد عن أسلوب( العبادة) أيام الجاهلية الذين كانوا يعبدون هيكلا من ثمر في النهار وفي الليل يأكلونه فحذاري... ثم حذاري... أن يكون في داخل كل منا جاهليا صغيرا يختفي ويظهر في الوقت المناسب.
كما انه يجب أن يكون المبدأ السائد في كل نضالاتنا من أجل الانعتاق والحرية وصيانة كرامة الوطن والمواطن ان يقبل كل منا الآخر كما هو وليس كما يريد، فإذا كنا جميعا أحزابا وقوى ومنظمات وأشخاص ومفكرين، وإذا كان الوطن بالعموم قد اكتوى بنار الديكتاتورية والتمييز والفساد، وإذا كنا جميعا نرفض مقولة الحزب القائد... القائد الخالد، وإذا كنا جميعا قد تلمسنا التغيير في الحل الديمقراطي القائم على احترام مواطنية المواطن، وإذا كنا جميعا شركاء في هذا الوطن، وإذا كان الوطن فيه هذه التعددية، وإذا كنا جميعا نؤمن بمسألة التطور ويجب علينا الإقرار سلفا على أن الذي كان يصلح في مرحلة ما هو غير صالح ومدمر في مرحلة أخرى.
فلنكن واقعيين في برامجنا وفي تعاملنا وفي كتاباتنا... الوطن بخطر أليس كذلك؟ فليكن القاسم المشترك فيما بيننا هو التركيز... ثم التركيز على تغيير النظام القائم وإقامة دولة الحق والمواطنة التي يشعر كل مواطن فيها بحقه ليس فقط بالدفاع عنها بل باقتسام خيراتها. إني أعتقد أنه بهذا الشكل من العمل السياسي الديمقراطي نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في تغيير هذا النظام المستبد.
وفي الختام لابد من وقفة أدعوا فيها كل المعارضين الذين اكتووا ولعقود طويلة بنار هذا النظام الفاسد من لحظة وصوله إلى السلطة وحتى الآن، الذين لم نلحظ حضورهم الفاعل (نرجو أن نكون على خطأ)... ولكي لايبقى كل منا وعلى هواه في أن يعقد لقاءا وهميا أو يعقد لقاءا مع نفسه أو تأكله دائرة الامبالاة والنسيان أن يحزم أمره لأنه آن الأوان وليس هناك مجال للتأخير بعقد لقاء موسع وحقيقي سموه ماشئتم ولكن ليكن مؤتمرا وطنيا جادا لمواجهة القادم من مخاطر ومن أجل التغيير الديمقراطي الناجز.
وأخص هنا أولائك المناضلين الحقيقيين الذين لاغبار على وطنيتهم سو غبار السجن الذي أفنوا فيه زهرة شبابهم وبعض من شيخوختهم، لاتتركوا وطننا الحبيب في لحظة انتظار مخيفة فتجربة العراق ماثلة أمامنا تحية للمقاومة البطلة الشريفة... وتجربة فلسطين تدق في عقولنا وضمائرنا نواقيس الخطر... أليست عملية التغيير ضرورية؟.







أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=7236