محمد السهلي : وتستمر المعركة..
التاريخ: السبت 22 أكتوبر 2011
الموضوع: قضايا وآراء


وتستمر المعركة..

محمد السهلي
الحريّة: في الثامن عشر من الشهر الجاري، كان الفلسطينيون على موعد مع يوم لا يشبه معظم أيامهم. كل أهالي الأسرى ورفاقهم ترقبوا مع إعلان إتمام صفقة التبادل قائمة


وتستمر المعركة..

محمد السهلي
الحريّة: في الثامن عشر من الشهر الجاري، كان الفلسطينيون على موعد مع يوم لا يشبه معظم أيامهم. كل أهالي الأسرى ورفاقهم ترقبوا مع إعلان إتمام صفقة التبادل قائمة أسماء من سيخرج من غياهب المعتقل مع تنفيذ مرحلتها الأولى. ومن لم يجد لقريبه اسماً فيها، رحَّل آماله إلى الدفعة الثانية؛ والكل يعرف أن هناك حتما من سيبقى في الأسر، حيث العدو لم يدخر جهدا في أن تظل معتقلاته «عامرة».
أمهات اتكأن على صبرهن وعكازاتهن كي يتمكن من الوصول إلى اليوم الذي يرين فيه أبناءهن، وأولاد كبروا ما بين زيارة وأخرى إلى حيث يقبع آباؤهم يتوقون إلى اختبار وقع فتوتهم في حضرة الأب. وأباء وزوجات وأصدقاء..
في الثامن عشر من تشرين الأول، خرج مئات الأسرى إلى حريتهم بعيدا عن المعتقل، والتقوا أهلهم ورفاقهم. ويبقى أمام الجميع ذلك الطريق الطويل للوصول إلى الحرية الكاملة.. على أنقاض الاحتلال.

وفيما لا يمكن تجاهل العامل الوجداني في قضية الأسرى (اعتقالا وتحريرا) فإن العامل السياسي يفرض نفسه في كل محطة ذات صلة بهذه القضية، وخاصة أن صفقة التبادل جاءت مع ثورة الأسرى على جلادهم وإعلانهم معركة الأمعاء الخاوية في وجه إجراءاته التعسفية.
وكان من الصواب أن يركز عدد من المتحدثين في استقبال الأسرى المحررين على ضرورة تعزيز الجهود الوطنية من أجل إطلاق سراح جميع المعتقلين وهي مهمة برسم جميع مكونات الحالة السياسية والاجتماعية الفلسطينية؛ لكن الأبرز في هذا المجال هو الحديث عن إستراتيجية فلسطينية موحدة وواضحة لتنفيذ هذا الهدف.
فعلى اعتبار أن الدعوة المؤسسة لجهود استعادة الوحدة الوطنية انطلقت من قبل قيادات الحركة الأسيرة، فإن إتمام هذه المهمة وتوفير العوامل اللازمة لإنجاحها يشكل الحد الأدنى من «رد الجميل» أمام التضحيات الكبيرة التي قدمتها الحركة الأسيرة؛ وإن كان تحقيق استعادة الوحدة هو بالأساس في خدمة البرنامج الوطني التحرري وفي خدمة قضية الشعب الفلسطيني وانجاز حقوقه الوطنية.
وفي هذا المجال، يمكن القول إن الحالة الفلسطينية اليوم تعيش في حالة أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل. فالمسعى الفلسطيني باتجاه الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، أحدث زخما سياسياً إقليميا ودوليا لصالح القضية الفلسطينية التي أعيدت إلى ميدان المؤسسة الأممية بعيدا عن دهاليز التفرد الأميركي ـ الإسرائيلي.
كما أن انجاز صفقة تبادل الأسرى وضع الحالة الفلسطينية جميعها أمام ضرورة إيجاد إستراتيجية موحدة للتعامل مع قضية المعتقلين؛ ومن موقع المصلحة الوطنية العليا يمكن القول بأن توظيف الزخم السياسي والديبلوماسي الدولي في خدمة عناوين القضية الفلسطينية ومن بينها قضية الأسرى يؤدي بالضرورة إلى وضع المجتمع الدولي بمؤسساته الحقوقية والقانونية أمام التزاماته المفترضة بما يخص حقوق الإنسان ويعزز التوجه نحو تدويل قضية الأسرى الفلسطينيين بما يكفل تطبيق المواثيق والمعاهدات الدولية بشأنهم. وهذا يتطلب أولا ألا يعمل الفلسطينيون على مسربين مختلفين سيبدوان بالتأكيد أمام المجتمع الدولي في حال تناقض تستعد إسرائيل لتسويقه مباشرة تحت عنوان غياب التمثيل الموحد الذي يؤهل الجانب الفلسطيني للبحث في مسألة الدولة المستقلة وربما في باقي العناوين الرئيسية التي تتفرع عن القضية الفلسطينية؛ وهذا لا يخدم بالمعنى الوطني أي من المسربين والقائمين عليهما.
ولا يمكن ـ برأينا ـ أن نفتح معركة مفتوحة مع الاحتلال في ملف الأسرى والمعتقلين من دون جبهة مواجهة موحدة أساسها البرنامج الوطني الموحد الذي يستند إلى إعادة الاعتبار المضمون التحرري للقضية الفلسطينية. كما أن توحيد عناصر المواجهة مع الاحتلال في ملف الأسرى على سبيل المثال يشكل عاملا رئيسيا في تمكين الحالة الفلسطينية مجتمعة من قطع الطريق على السياسات الإسرائيلية في موضوعة الأسرى ويحرر معالجة هذه القضية من القيود والاشتراطات التي تعتمدها سلطات الاحتلال في عمليات التبادل، وخاصة عندما يدخل على الخط الجهد الديبلوماسي والقانوني والحقوقي الدولي، وهذا ممكن ولكن في حال اجتمعت الإمكانات ذات الصلة من أجل تحقيق هذا الهدف.
كما تأتي هذه الصفقة ومعها وقبلها نضالات الحركة الأسيرة واعتصاماتها واضراباتها لتفتح الباب على نحو واسع أمام إدخال هذه القضية كأساس لأي عملية سياسية يجري الحديث عنها. وفي هذا المجال جاء الحديث عن إضافة موضوعة الأسرى إلى جانب وقف الاستيطان وتحديد مرجعية العملية السياسية كعامل جدي وملموس لكشف عدم جدية الاحتلال في التوصل إلى تسوية سياسية متوازنة وشاملة، تكفل تأمين الحقوق الفلسطينية.
ومن المتوقع أن تنظر قوى دولية إلى هذا الأمر كشرط تعجيزي وكعقبة في مسار التسوية السياسية، وهذه القوى على كل حال سبق ولازالت تنظر إلى مسألة الاستيطان بمثل هذه النظرة. لكن التأييد الدولي الواسع الذي نشهده للاعتراف بدولة فلسطين كاملة العضوية في الأمم المتحدة سيشكل ـ برأينا ـ عامل قوة للتقدم بمثل هذا المطلب وإبعاد قضية الأسرى عن مسلسل «بوادر زرع الثقة» الذي تستخدمه إسرائيل عادة من أجل تشجيع المفاوض الفلسطيني على دخول المفاوضات وتقديمه إلى الحالة الفلسطينية كإنجاز وطني؛ حيث لا يلبث، على أهميته، أن يفقد وظيفته مع استمرار سلطات الاحتلال في اعتماد سياسة «الباب الدوار» في موضوعة الأسرى فتطلق مئات من الأسرى كل عدة أعوام ثم لا تلبث أن تعتقل أضعافهم خلال الفترة نفسها.
وإذا كانت اللجنة الرباعية الدولية بكافة مكوناتها حريصة على إيجاد حل لا يتناقض مع الحقوق الفلسطينية، فإن من واجبها أن تأخذ بنظر الاعتبار إلى أن أية دعوة لاستئناف المفاوضات يجب أن تبدأ بـ «تأهيل» الجانب الإسرائيلي في هذا المجال. ويبدأ الأمر ـ برأينا ـ بإنزال إسرائيل عند التزامات طرحت عليها من قبل مبادرات سياسية اعتمدت دوليا. ولا ينفع هنا ما جرى الحديث عنه عن اجتماعات مقبلة تطرحها الرباعية الدولية مع كل من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على حدة من أجل بحث مسألة التسوية وكأن العقبات أمام التسوية تأتي من الطرفين بشكل متساو في المسؤولية.
المعركة السياسية والديبلوماسية التي خاضها ولا يزال الجانب الفلسطيني من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة هي جهد بالاتجاه الصحيح ويدل على ذلك تفاعلات هذا الجهد إقليميا ودوليا..
وتأتي هذه الجهود في سياق خوض المعركة مع الاحتلال والتي هي طويلة ومعقدة وشائكة، ويزيد من أمدها وتعقيداتها غياب وحدة الجهد الفلسطيني (إستراتيجية وتنفيذا).. فإلى متى؟






أتى هذا المقال من جريدة الصباح الفلسطينية
www.alsbah.net

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
www.alsbah.net/modules.php?name=News&file=article&sid=6679